للدكتور الواثق كمير ملاحظات حول أوضاع الحركة الشعبية التنظيمية، ومواقفها من قضايا استراتيجية مثل ؛قضية الوحدة والانفصال، فقد كتب كتابات أثارت غضب البعض، مثلما كانت "برداً وسلاماً" على آخرين، ثم جاء الدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى وزير العمل السابق، ومرشح الحركة الشعبية في انتخابات والي ولاية الجزيرة ، وذهب مع الدكتور كمير  في ذات الاتجاه، مع اختلاف طرائق تعبير الرجلين، وهما من المعروفين بحبهما لمشروع السودان الجديد، وما ان صمت ود يوسف إلا وجاء يسعى بعده "الكوماندور" الوليد حامد، وهو يزرف الدمع سخيناً على مشروعه الذي قال "إنه يذبح أمامه".
والثلاثة اتفقوا على أن الخط الاستراتيجي للحركة الشعبية هو " الوحدة"، وأن الحركة حاربت الانفصاليين، أما وجود المؤتمر الوطني في الحكم، وسياساته الخطرة لا يعني مبرراً للتراجع عن المشروع الذي قاتل "الجيش الشعبي " من أجله أكثر من عشرين عاماً كل حكومات الخرطوم والمركز الاستعلائي، وحتى حلفائه من "الانفصاليين الجنوبيين"، وهو عند الثلاثة "انقلاب " على مشروع السودان الجديد.
وربما يتفق كثيرون، أو يختلفون مع رأي القادة الثلاثة، لكن ما أثاروه يتطلب مناقشةً عبر اجتماعات مجلس التحرير الوطني في الأسبوع المقبل ؛ لا سيما فإن الاجتماع مصيري، ومهم، وسيبحث في أخطر القضايا، مع أن المراقب يوقن أن الحركة الشعبية حددت وجهتها الجديدة، وحزمت حقائبها من أجل دولة "سودان جديد في الجنوب" ولهذا المشروع منظروه، والمدافعون عنه، ولهم مبرراتهم؛ حول دفع الجنوبيين لفاتورة مكلفة منذ نصف قرن، وأن "الشمال السياسي" في نهاية المطاف يعبر عن مشروع فكري واحد، وهو مشروع استعلائي، واقصائي، يستمد استمراره من تواطؤ بقية " الشمال الجغرافي" معه منذ الاستقلال، وان الاختلاف ما بين برامج كل النخب الحاكمة في السودان، كان اختلاف كم ، لا اختلاف نوع، وهو ما تمظهر في المشروع الحضاري، والذي يمثل قمة هرم "الاسلام السياسي" في شمال السودان.
وعندي فان الفكرتين، قد يكملان بعضهما البعض؛ اذا ما وجدت الحركة الشعبية" ماعوناً للحوار، وتحاشت أن تغرق في لجة تفاصيل التكتيات، والتعامل مع "المؤتمر الوطني " بردود الأفعال، بعد أن برع الشريك في عملية زرع الألغام في طريق الحركة الشعبية، وتحويل قيادتها إلى مجموعة لإدارة الأزمات، فقد ظلت معظم القيادات المؤثرة تخوض في تفاصيل السياسي اليومي، دون منح "الاستراتيجي" فرصةً للحوار، والتخطيط ، وهنا مربط الفرس.
فكم مرة اجتمع مجلس التحرير الوطني؟. وما هو نوع القضايا التي تمت مناقشتها خلال المؤتمر العام في عام 2008؟. وهل بحث المؤتمرون في قضايا الاستفتاء، والسلام، وخيارات الوحدة وسوءاتها، وميزات الانفصال، ومثالبه ، وسيناروهات الحرب والسلام، بعد الاستفتاء.
أم اكتفى المؤتمر بمساجلات حول  الهيكلة، وشغل المناصب القيادية، والموازنات والتوازنات السياسية والقبلية والجهوية، مع أن مثل هذه القضايا تظل مسائل في غاية الحساسية لمنظومات تعمل في سياق اجتماعي وثقافي في العالم الثالث وأفريقيا على وجه الخصوص.
المطلوب من اجتماعات المجلس المرتقبة، مناقشة قضايا استراتيجية أكثر منها تكتيكية، بما في ذلك مستقبل الحركة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق وشمال السودان حال وقوع الانفصال باعتبار أن نبض الشارع الجنوبي أقرب لهذا الخيار الآن أكثر من أي وقت مضى، لكن من وجهة نظري فان القادة الحقيقيين هم من يصطحبون نبض الشارع في تفكيرهم، الا أنهم يمتلكون قدرة خارقة للتمييز بين المشاعر والعقل، والواقعية والعواطف، وخلق فرص جديدة من كل أزمة، أو محنة، وأن القادة الحقيقيين هم من يصنعون القرارات الصعبة، في الظروف الحرجة، مستلهمين الرؤى والفكرة، والنبض والواقع، وهي كلها موجودة في ثنايا مشروع المؤسس التاريخي الدكتور جون قرنق ديمبيور، "فالوحدة" هي أساس المشروع، لكن بالطبع هي على أسس جديدة، أما" الانفصال" فهو بديل للوحدة القديمة، وفي كل الأحوال فإن هذه الوحدة فقدت أسباب استمرارها، وعوامل بقائها، وعناصر قوتها، فهي ما عادت بضاعةً رابحة، لا للجنوب وحده، بل لدارفور والشرق، والشمال نفسه، وهنا التحدي الذي يواجه الجميع.

Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]