عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 
كلما قلنا من قبل أنّ ما بين السودان وإريتريا علاقات تمتد وتتواصل كما القاش وبركة تدفقاً. وانتشار "البداويت" و"التقري" والعربية" تحدثاً ما بين طرفي الحدود شرقاً وغرباً، وبيقى الود ما بقيت الوشائج. وتطل أسماء تعبر عن هذا الحقائق؛ وأعلاماً بارزة تظل مثل شامة تزين خد التواصل بين شعوب البلدين، فهناك الشاعر الكبير محمد عثمان كجراي- وهو من رواد الشعر الحديث في السودان- وصاحب "أشعار إريترية" لأنّه يحمل هوية البلدين. حيث ظلّ شعره يتسرب كأريج عطر زكي. أو غيمة مسافرة ما بين الجبل والسهل.. تعزف أنشودة الحياة ما بين "الصعب والسهل" ، وهناك المجنون المتمرد محمد محمود الشيخ " مدني" مقسم الهوى بين "شِدّة" الثوار في الهضبة و"أفرول "العمال في مدني وعطبرة. والقائمة تطول وتطول.
قبل يومين أتتني رسالة من الصديق خالد محمد طه- وهو يحمل ذات "الجينات" المشتركة في الدم والفكر والثقافة والهوى- لينعي لي رحيل الكاتب والمفكر الأستاذ محمد سعيد ناود!. أو " ود ناود" كما يحلو لهم اطلاق اسمه هناك. فأظلمت الدنيا أمامي وغشت عيني غمامة ترسم لوحةً (حزن الرحيل). فهو مثلما يعرفه صديقه العراقي عارف علوان " شخصية إريترية فذة، وشاب وجودي متمرد، وثائر في حركة تحرير". لكن ما لم يقله عنه صديقه العراقي، وما يجهله كثيرون هو أنّه " سوداني الهوى والهوية" و أحد أقوى جسور التواصل ما بين الجبل والسهل، وشخصياً ألتقيت به مرةً واحدة في أكتوبر 2006م عند مراسم توقيع اتفاق شرق السودان بين الحكومة السودانية " وجبهة الشرق " -طيّب الله ثراها-. فأذهلني اتقاد ذاكرة الرجل حين ناداني باسمي؛ برغم أننا لم نلتقِ وجهاً لوجه. حيث عرفني عبر " إطلالات معدودات" خلال شاشة التلفزيون وكتاباتي في صحيفة " الحياة " اللندنية. وبقدر ما سعدت بأنّ اسمي مانفك منحوتاً في ذاكرة رجل سبعيني مثقلة بأعباء جمة وتاريخ عريق، وسيرة طويلة حزنت على نفسي لأنني لم أسعد بلقاء هذا الكنز؛ برغم تواجدي بعاصمة الربيع لسنوات عدة. وكلما فكرت في لقائه للأنس أو التوثيق يدفعني الكسل لتأجيل اللقاء للوقوف أمام إحدى شُرَف التاريخ. حضر (ناود) لتوقيع اتفاق الشرق لأنّه من مدينة بورتسودان، وعمل هناك في التلغراف، وبدأ حياته الثورية ناشطاً في "الجبهة المعادية للاستعمار" دافعه الأكبر في الحضور كان كما كتب هو في مقال بعنوان " جسر الوجدان بين إريتريا والسودان (3)؛ ذكريات حول تأسيس مؤتمر البجة بمناسبة توقيع اتفاقية السلام بين جبهة الشرق والحكومة السودانية في العاصمة أسمرا، وقد قال ناود: ( لقد حضرت هذا الحدث الكبير، وتلك المناسبة هيّجت في دواخلي ذكريات تأسيس مؤتمر البجة قبل 48 عاماً في مدينة بورتسودان، حيث شاركت في ذلك الحدث كعضو مؤسس لمؤتمر البجة وكنت من سكرتارية مؤتمر البجة، وألقيت كلمة في ذلك المؤتمر، وأثناء توقيع اتفاقية السلام في أسمرا تذكرت لحظات التأسيس الأولى في عام 1958م ببورتسودان، وترآت أمامي شخصيات كبيرة في مقدمتهم المرحوم الدكتور/ طه عثمان بلية الذي كان سكرتير المؤتمر ومن أوائل الأطباء من أبناء البجة وكذلك الدكتور/ محمد عثمان جرتلي وشخصيات ذات وزن لدى أبناء البجة مثل ناظر الهدندوة / محمد محمد الأمين ترك، وناظر الحباب/ كنتيباي حسين، وناظر البني عامر/ إبراهيم محمد عثمان دقلل. والمؤتمر مثلت فيه كافة القبائل التي تقطن شرق السودان. وكان ضمن الحاضرين من زملائي السيد/ محمد بدري أبو هدية توفي أخيرا وكان صديقي محمد بدري ابوهدية مرتبطا معي في نضالي في القضية الإريترية وكان يقول لي دائما لايوجد فرق كونك تناضل في القضية الإريترية ونحن نناضل في قضية شرق السودان، وكذلك المؤرخ محمد صالح ضرار وهو أيضاً من الشخصيات المهمة التي حضرت المؤتمر، أيضاً الخليفة علي نور إدريس وأيضاً السيّد/ بامكار محمد عبد الله. كل هذه الشخصيات كانت حاضرة أمامي وأنا أشارك في فعاليات توقيع اتفاقية أسمرا للسلام. ويواصل ناود قائلاً " وبعد انتهاء المؤتمر شنّ أحد الكتاب السودانيين في صحيفة الرأي العام هجوماً على المؤتمر واصفاً إيّاه بالحركة العنصرية وقد رددت عليه في نفس الصحيفة مؤكدا له وللرأي العام السوداني أنّ مؤتمر البجة ليس حركة عنصرية؛ بل هو حركة مثلت فيه كافة قبائل الشرق واجمعوا على ضرورة أن تصان حقوق أهل شرق السودان، وهذا رجل جدير بالاحتفاء به هنا وهناك؛ فهو رمز للتحرر ومناضل حرية كبير، ومحارب عظيم، وفي السودان يجب أن يكون الاحتفاء به من قبل اليسار السوداني، ومؤتمر البجا، ومن أهل الشرق، ومن قبل الكتاب والمفكرين، فهو أول كاتب رواية إريترية باللغة العربية " صالح أو رحلة الشتاء"، وفي ذات الوقت برغم همومه النضالية والتحررية فقد رفد الرجل بكتب قيمة فهو يحمل ذاكرة حديدية تتضح في سفره " تاريخ حركة تحرير إريتريا" الذي صدر عام 1996 بأسمرا حيث حرص على التوثيق للأماكن بالمواقع والأرقام، وللشخصيات بالصور، وللحقائق بالوثائق المخطوطة بخط يد أنيق، لقد رحل محمد سعيد ناود وترك ما يجعله خالداً من مؤلفات أبرزها: (قصة الاستعمار الإيطالي لإريتريا)،(العروبة والإسلام بالقرن الإفريقي)، (عمق العلاقات العربية الإريترية)، (حركة تحرير ارتريا ـ الحقيقة والتاريخ)، (رواية رحلة الشتاء ـ صالح). (إريتريا طريق الهجرات والديانات ومدخل الإسلام إلى أفريقيا)، (تاريخ الطريقة الختمية في إريتريا).
رحم الله " ود ناود" جسر التواصل وشعلة الفكر، وروح التحرر والتمرد.