-4-
وما ذنب المصور اذا كانت الصورة " ما حلوة".

أحد الأشخاص ذهب لاستديو في العاصمة المصرية القاهرة لأخذ صورة بغرض اهدائها لشخص حبيب له لكن الصورة لم " تطلع حلوة" فغضب الرجل من المصور وهاج وماج حول قبح الصورة. لكن المصور رد بهدوء " لو عايز صورة حلوة أمشي هات لي شخص بدالك يا باشا".
وهو الواقع الذي يتمنى البعض تجميله. أو حتى وضع مساحيق على الوجه القبيح. ومن يرفضه تكال له السباب. وترسل له الاساءات. ويوصف وتخرج الاكليشهات الجاهزة مثل "عنصري" أو " انفصالي" وبدلاً من الوقوف بصدق مع النفس وقراءة الواقع قراءة نقدية يخرج الكتاب من وقارهم ؛ ويرسلون حمم الكلام . وتختلط الأوراق . ويتحول الجاني الى ضحية. والضحية الى جاني . وهو سبب كثافة نيران مدفعية المؤتمر الوطني على من يقول " الصورة ليست حلوة لأن من التقطت له الصورة هو غير كذلك .
وفاقان عرف بمباشرته، وجرأته ووضع الملح في الجرح دونما تحايل، أو رياء، فبعد أن حرك الرجل عصب السكون؛ بتصريحاته العام الماضي حول فشل الدولة ودولة الفشل، ها هو يكرر ما ظل يردده في أكثر من محفل، فهو لم يقل أنا مع الانفصال، لكنه قال "إن الظروف الحالية ستقود حتماً الى الانفصال، ,وهو ما يجعلنا نتساءل حول كيفية تحقيق الوحدة الجاذبة ونحن نقترب من سيناريوهات ساعة الصفر، وقبل ذلك كنا قد أشرنا الى عدد من السيناريوهات أحدها هو سيناريو التشظي والانقسام والتفلتات لا في الجنوب وحده بل في كل السودان ربما يتمخض عنها الحراك والعراك السياسي الحالي، ومعروف أنه وحسب رؤية أموم نفسه في حوار كنت قد أجريته معه قبل سنوات فان الأوضاع لا تبشر بتحقيق وحدة، فالدولة السودانية القديمة دولة كتشنر ، اصبحت دولة سودانية ورثتها المجموعات التي ورثت السلطة والثروة في السودان وسعت لتحقيق مصالح وخلقت امتيازات لشرائح اجتماعية وسياسية بسسب ما يمكن أن نصطلح له رأس المال الرمزي، أو النقاء العرقي، و تتمثل تلك المصالح في الاستحواذ على السلطة السياسية، ومصادر الثروة وعائداتها وهذا ما خلق ما يتعارف عليه اليوم بأنه صراع ما ين الهامش والمركز. وتلك الامتيازات كنا توقعنا أن يكون اتفاق السلام الشامل  قد أسس خطوة البداية لنهاية فصلها القبيح؛ الا أنها  لا تزال تثقل حركة التحول نحو التغيير، والدخول الى فضاءات جديدة، حيث المواطنة والمساواة والتسامي والتسامح، وكنا نصبو نحو واقع جديد لا سيما وأن اتفاق نيفاشا على مستواه النظري هو جهد فكري ضخم، ومشروع سياسي كبير ، ويصلح ان يدرس فى كليات ومعاهد العلوم السياسية والقانون والاعلام والاقتصاد. وهو جاء بعد اعمال للذهن خلال جولات وصولات من التفاوض والجدل الفكري والقانوني ، الا ان كل ذلك بالنسبة للمواطن العادي لا يعدو سوى أن يكون ترفاً فكرياً، او ربما محاولات لتقسيم كيكة السلطة لمن كان اعلى صوتاً، او اطول بندقيةً، وان الوجوه الجديدة فى الحكومة ليست هى سوى تغيير صور واسماء طالما ان السيساسات لم تتغير، وان المناهج لم تتبدل..
فالمؤتمر الوطني الذي منحته اتفاقية السلام نسبة 52% من السلطة لم يغير من سياساته؛ بل ان اطروحات ورؤى الانقاذ  ظلت مهيمنة على كل شئ. الاقتصاد، والسياسة، والمسائل الاجتماعية. اما الحركة الشعبية فظلت فترة زمنية شريكاً غائباً ، ومغيباً، وتائهاً ، فالحركة الشعبية هي الأخرى تقع على عاتقها مسئولية تنفيذ اتفاق السلام باعتبارها شريكاً مهماً يمتلك كثيراً من الضمانات مثل الاحتفاظ بقوات الجيش الشعبي ووجود قوات دولية أخرى ومشاركة في السلطة وفي الثروة والانفراد بحكم جنوب السودان لكن حتى اليوم فان السلام يظل شعاراً فضفاضاً حيث لم يجتهد الشريكان في نشر نصوص الاتفاقية الشاملة، والتبشير بالسلام، ونشر ثقافة السلام، بل يمكن القول أن ان المواطن العادي لا يشعر باى تغيير طرأ على حياته منذ توقيع اتفاق السلام لان تشكيل المفاوضيات والمجالس والهيئات التشريعية والتنفيذية ربما يفهم بانه اقتسام لغنائم السلطة، وعائدات النفط والموارد الاقتصادية التى اضيف اليها معدن الذهب.
فماذا يستفيد المواطن فى الجنوب من تكوين مفوضية للنفط ادون أن تنعكس عائدات النفط على حياته؟. وماذا يستفيد مواطن فى دارفور من تشكيل حكومة فى شمال او جنوب الولاية وهو لا يحس بوجود للدولة ؟. وما جدوى مفوضية لتخصيص ومراقبة الموارد المالية اذا ما كان المزارع في مشروع الجزيرة لا يصرف ارباح قطنه او انه معرض للسجن فى ولاية النيل الاابيض؟.وماذا يجنى مواطن الخرطوم من تشكيل لجنة لنزع السلاح والتسريح واصوات الانفجارات ؛ اذا كانت الانفجارات تحاصره وتكاد تصم اذانه وهو فى منزله يستعد لاحتساء كوب من الشاي ليخفف عنه عناء يوم مضن وطويل من العمل؟. فهو وضع بالطبع طارد حتى للشماليين الذين تفرقوا في دول المهجر وأرض الله الواسعة بما في ذلك اختراق الحواجز والمطبات واللجوء حتى الى دولة اسرائيل!. وليس بعيداً عن هذا قيح العنصرية الذي تتقيحه مطابع الخرطوم مع كل صباح عبر بعض الصحف التي لم تخف أجندتها الرافضة للوحدة، والمحرضة على التنصل من اتفاق السلام، بل أن بعض كتابها ينفثون حقد حبرهم علناً لاشاعة الفوضى، وتهديد الأمن الوطني وسيادة البلاد كلها، وبدلاً من نزع فتيل قنابل الحقد والكراهية والعنصرية وكبح جماحها فانها بالعكس تجد العدم المباشر وغير المباشر و نظرة عجلى الى فيض الاعلانات التجارية والحكومية على تلك الصفحات تؤكد حجم الرضى الذي تعيش فيه، والنعيم الذي تبحر فيه ، وهو مسلك قد يغري آخرون، وفي ذات الوقت يرفع من وتيرة التوتر والاستقطاب المضاد، لتلعب الأطراف لعبة البيضة والحجر، وشد الحبل لتمزيق أشلاء هذا الوطن الجريح..
ان الأوضاع الحالية في غاية التعقيد، فكل الخيارات صعبة، فتحقيق الوحدة له ثمنه، وللانفصال بالطبع ثمنه الباهظ، فثمن الوحدة هو التنازل عن الامتيازات المكتسبة بسبب العرق أو الدين، ورفع مستوى الارادة السياسية لدى الشريكين، وفي ذات الوقت ضرورة العمل على تحقيق التنمية وتأهيل المناطق المتأثرة بالحرب، وعودة النازحين واللاجئين الى مناطقهم الأصلية، وهو ما نصت عليه الاتفاقية التي لا تزال كثير من نصوصها حبراً على ورق. فهل تم منح أبناء الجنوب نسبة الـ(30%) من وظائف الخدمة المدنية؟. وما هي أوضاع غير المسلمين في دولة لا تزال ترفع شعاارت المشروع الحضاري؟.
حوار مع صحافيي المؤتمر الوطني (5)
حتى لا تتكر تجربة استفتاء البوليساريو
الأستاذان مصطفى أبو العزائم رئيس تحرير الزميلة " اخر لحظة" وراشد عبد الرحيم متشار الزميلة " الرأي العام" ذهبا في ذات المسارات التي تحدثنا  عنها حول الحرب وان كان الرجلان رما بالكرة في ملعب الحركة الشعبية واتهاماها بأنها هي التي تدق طبول الحرب مثلما جاء في عمود الأستاذ راشد بتاريخ الخميس 19 اغسطس وجاء فيه " اعتمد الحركة رسمياً خيار الانفصال وقالت ان رغبة المؤتمر الوطني في التمكين لنظام ديني لا ديمقراطي اصحبت عائقاً أمام الخيار المفضل للحركة وهو قيام سودان علماني موحد" . ويتابع " ومع اعتماد الحركة للانفصال تجاوزت الحركة الشعبية الحديث عن أهم القضايا المفضية للاستفتاء وهي ترسيم الحدود رغم أنها ناقشت المواضيع كافةً ولم تترك غير هذه القضية ومضت الحركة صوب اشعال النيران فقررت التأكيد على قيام الاستفتاء في موعده مؤجلةً بهذا الصراع المحتمل في الحدود بين الشمال والجنوب لينتقل من خلاف بين أقاليم في دولة واحدة الى صراع بين دولتين منفصلتين ..".
من حق الأستاذ راشد أن يخلص الى أن الحركة تسعى لاشعال النيران مثلما نرى نحن أن المؤتمر الوطني هو الذي يدفع الاخرين نحو التطرف. ولكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. لكنا نختلف معه في اللغة التي اختتم بها مقاله حيث كتب
رفعت الأقلام وجفت الصحف
وضعت القنابل في فوهات المدافع
وضعت الطلقات في خزان الأسلحة
وضعت يا سوداني..
وهي عبارات تحريضية وتعبوية اذا ما تعامل الناس مع فرضية أن الحركة الشعبية هي الجنوب . وأن المؤتمر الوطني هو الشمال. وليت الأستاذ راشد توقف عند قوله . وهو رأي له وجاهته ونتفق  معه حيث قال " اذا كانت الحركة جادة في خيار السودان الجديد وجادة أيضاً في تحقيق الوحدة ما كان لها أن تبني قراراً حول وحدة الوطن بسبب مواقف الحكومة القائمة وهي تعلم أن الحكومات تتغير وأن الوطن باق وأن السودان قامت به من قبل حكومات متعددة وحكمته أحزاب من أقصى اليسار الى أقصى اليمين.." . وهذه الحجة على رغم وجاهتها الا أن تراكمات السنين تكفي لنسفه اذا ما تعامل الناس برد الفعل. وكثيرون يتفقون مع الأستاذ راشد في هذه الفرضية. لكن مرارات متراكمة وتاريخ طويل من الألم والوجع بين الشمال والجنوب هو ما يزيد من الشقة بين الطرفين. وسجل حافل من نقض المواثيق والعهود كافية لنسف جسور الثقة الهشة وخلق جبال من الريبة والشكوك . ونحن نقول في المثل السوداني " الضايق عض الدبيب بخاف من جر الحبل" !.
سنوات ومناورات وممؤامرات ومماحكات منذ الاستقلال ومؤتمر جوبا واتفاقية اديس أبابا وحتى الحريق الكبير في عام 1983 ؛ ومع كثافة النيران ورهق المحاربين والفشل في تحقيق انتصار ساحق للجيش الشعبي يقضي على دولة الانقاذ وكذلك الفشل في سحق الجيش الشعبي بواسطة القوات المسلحة قاد الى مساومة تاريخية هي اتفاق السلام الشامل والموقع في يناير 2005؛  ومثلما حكى نائب رئيس "الحركة الشعبية" ورئيس المجلس التشريعي جيمس واني ايقا أنّ وسطاء مفاوضات إيقاد في نيفاشا الكينية كانوا يحملون "شاكوشاً كبيراً" يهددون به مفاوضي الحركة و"المؤتمر الوطني" في حال عدم التوقيع على اتفاق السلام الشامل، لكن من الابتسار أن نلخص الاتفاق في هذه الرواية.
ولا يمكن أن نتجاهل الرغبات الذاتية والحقائق الموضوعية إذ مل المتحاربون القتال، ووصلوا إلى قناعة ألا غالب ولا مغلوب في المعركة المملة والطويلة. لأنّ التفاوض لم يتم باقتناع الأطراف المتنازعة بعدم جدوى الحرب، وعدم المقدرة على إحراز نصر ساحق يقضي على الخصم، أي أن نتائج المفاوضات وأجوائها محكومة بتوازن القوى العسكرية والسياسية، فرضخ الطرفان لشكل الاتفاق الذي تمّ التوقيع عليه في التاسع من يناير من عام 2005م، فجاء ضد رغبة أصحاب الأجندة العسكرية، وتجار الحرب، فلما فشلوا في وقف مد السلام عبر التفاوض سعوا إلى تعطيل التنفيذ، وما بين الاتفاق وتنفيذه أطلت الشياطين برأسها، لتهدد مركب السلام من الابحار بهدوء.
ولأن الاتفاقية ربطت بمصير السودان كله، ونجحت في وقف نزيف طويل، وإخماد حريق كبير بسبب أطول حرب في أفريقيا، وهو ما يجعله ملكاً للجميع بعيداً عن أسرار الساسة، وخلافاتهم، وهو أمر يجعلها بأن تظل عرضةً للنقد، وتجعل النفوس عرضةً لكثير من الهواجس والتوجس لارتباط مصير الفرد العادي بها، وربما لسلوك بعض المسؤولين عن تطبيق الاتفاق يزيد من درجة تلك الهواجس، ولأن الشريكين فشلا كذلك في نشر الاتفاقية بين الناس، وزرع ثقافة السلام صارت الاتفاقية في نظر معظم السودانيين عبارة عن تقسيم لكيكة السلطة، ولمصادر الثروة، وخلافات الشريكين تدخل في ذات المفهوم، وهو أمر خطير حول مصير كل البلاد إلى أمزجة قيادات الشريكين، ورؤيتهما للسلام، بل إن البعض أراد أن يحول الاتفاق إلى حصان طروادة لقمع الناس، والوقوف ضد مصالح السودانيين، والتلويح كل مرة بأن الانقاذ باقية، ومن أراد أن...... وهو ما يصور في ذهن المراقبين بأنّ النظام القديم لا يزال يمارس هوايته المعروفة، في عزفه المشروخ المنفرد، ويؤكد أن السلام كان حقنة حقنت في شرايين الانقاذ فقط لمنحها جرعة جديدة للحياة، ويُنسى، أو يتناسى أن الحكومة هي حكومة وحدة وطنية جاءت وفق اتفاق السلام.
فكم من قضية متفق عليها أضحت خلافية بما في ذلك حكم محكمة لاهاي بخصوص أبيي حيث خرج مسؤول رفيع ليشكك في التحكيم مع أن الاتفاق شدد على أن الحكم نهائي وملزم للطرفين!!. وهناك قضايا النفط والتحول الديمقراطي وترسيم الحدود التي أشار اليها الأستاذ راشد لن تعطل الاستفتاء واصرار الحركة الشعبية على قيامه  في مواعيده ليست دعوة للحرب بل هي التزام باتفاق صمم وفق جداول زمنية محددة وواضحة وبشهود دوليين واقليميين. فهل يدعو للحرب من يطالب باستحقاقات الاتفاق  أم من يدعو الى التأجيل في سياق ادمان المناورة والالتفاف على الحقائق وذر الرماد على العيون! و كان يمكن أن تقبل الحركة بالتأجيل لو أن الثقة متوفرة والنوايا طيبة. لكن من يضمن أن تذلل العقبات التي فشلت الأطراف في التوصل لحلول لها منذ 6 سنوات..  .. وربما تكون هناك أسباب موضوعية ومسائل فنية وقانونية يمكن أن تؤجل الاستفتاء لكن جبال الشكوك تقف صداً منيعاً أمام كل " المحاولات ولو كانت صادقة" . ومن يضمن أن لا يتحول استفتاء الجنوب الى رواية حزينة تشبه رواية جبهة البوليساريو وصحرائها الغربية... وفي التاريخ حكم وفي الممارسات اليومية هنا عبر ودروس
 
 
حوار مع صحافيي المؤتمر الوطني (6)
حين لا تعجب لون العيون.
قبل سنوات والحرب مشتعلة بين الجارتين اثيوبيا واريتريا بعد فترة عسل قصيرة بين الطرفين بدأ رئيس وزراء أثيوبيا مليس زيناوي حملة طرد واسعة ضد الأريتريين. ولما سألته وسائل الاعلام الأجنبية والدبلوماسيون عن كيف تفرق بين الأريتري والأثيوبي لتقرر ابعاده في اشارة الى تشابه السحنات؛ والافتراض كذلك بأن الثقافة واحدة وكذلك اللغة على الرغم من عدم دقة هذه الفرضية. فرد زيناوي " نبعد من لم تعجبنا لون عينيه" فطارت العبارة وتناقلتها وسائل الاعلام لكن زاد معها جرح القرن الأفريقي عمقاً . وتضاعفت الام قرن البؤس والفقر والحروب التي لا تنتهي. وظلت الكلمة تغوص في أعماق الجء الثاني من الهضبة برغم مرور السنين فتبادل الطرفان ابعاد المواطنين في منظر تراجيدي يحكي قساوة الحرب. ويروي أحد الفصول المأساوية من حرب وصفت بأنها حرب غبية لأن الجميع كانوا خاسرين ولا تزال الهضبة تعيش حالة اللاسلم واللاحرب برغم حاجة الطرفين للسلام.
وقصة من لم تعجبني لون عينيه ذكرتني بها عدة مقالات كتبها الأستاذ الهندي عز الدين رئيس تحرير الزميلة "الاهرام اليوم" في حملة منظمة وصفها البعض بأنها " عنصرية" بالرغم أن الرجل ظل يدعو للوحدة ويجادل الطيب مصطفى ردحاً من الزمان!. لكنني أعتبرها " ابتزازاً" لأنها تريد أن تقول للجنوبيين ان اخترتوا خيار الانفصال فاذهبوا الى جنوبكم واتركوا لنا شمالنا. وليس هنا  مكمن الخطر. أو مربط الفرس. فقضية المواطنة والجنسية هي من ضمن قضايا ترتيبات ما بعد الاستفتاء. وهي تشمل المواطنة . والأمن والموارد الطبيعية بما في ذلك النفط . والديون الخارجية والمعاهدت الدولية والمسائل المالية بما في ذلك العملة.
فلعل الأستاذ الهندي حين كان يكتب مقاله بانفعال تذكر أن الكلمة مثل الرصاصة العمياء. فهي ان خرجت ربما تصيب من تصيب وان لم تصب فانها لن ترجع مرةَ أخرى. والخطورة في مثل هذا الحديث هو ما يحتويه من "تحريض وتعبئة للشمال تجاه الجنوب. حيث يمكن أن يدفع الناس الى ارتكاب مجازر لا تقل دمويةً عن مجازر رواندا. وهي التي ساهمت وسائل الاعلام في تأجيج نيرانها. ودوننا صحيفة " كانجورا" والتي تعني " الانتباهة" وهي ساهمت في مقتل 800 ألف شخص في تلك المجازر. فماذا لو أخذ المواطنون الشماليون العاديون كلام الأستاذ الهندي موجهاً لهم وفي الظن أن الصحافة هي التي تقود الرأي العام وتوجهه.. فقام من اقتنع بمثل هذه الدعوات بضرب جيرانه. أو الاعتداء على ممتلكاتهم. أو حتى توجيه استفزازات عنصرية. أو اساءات شخصية.. وكيف تكون ردة فعل الطرف الجنوبي. .هل يصمت .. أم يشارك في قتال سيتحول  الى حرب ذات طابع عرقي وعنصري وديني..
ودعوة الوحدة التي يتبناها بعض كتاب المؤتمر الوطني في غالبها ذات " طابع صفوي" أو " استعلائي" ولم تغص في عمق الأزمة. وتسبر أغوار الواقع المهترئ الذي نعيشه. ومع ايماننا بحق كل مواطن أو صحافي في الدعوة لما يؤمن .. "وحدةً" أم " انفصالاً" . وأنا من جهتي وحدوي حتى النخاع وحتى ولو من زاوية واحدة وهي أنني من " الشمال" وأؤمن تماماً بأن للانفصال ثمنه الباهظ؛ الذي قد يصل مرحلة انزلاق كل مكونات الدولة، وربما ينطبق سيناريو الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية بانسلاخ أحد الأجزاء فتتحفز بقية الأجزاء الأخرى للانزلاق في ذات الوحدة، فالشمال مهدد والجنوب كذلك بمكوناته العرقية وتنافس قياداته المسلحة، وهو يمكن أن يحول أي جزء الى حمم بركانية تتشظى في وجه الجميع، أو تقود الى حرب فوضوية يحارب فيها الجميع ضد الجميع.
لكنني في ذات الوقت موقن تماماً أن الجنوبيين هم الذين يقررون "الوحدة" أو " الانفصال" وهو ما نص عليه اتفاق السلام الشامل. وبالتالي فحوار الخرطوم حول هذه القضية أشبه بأن يكون "حوار طرشان" أو حوار شمالي شمالي. وكان الأجدى بأن يكون الحوار " جنوبي جنوبي" ومن ثم " جنوبي شمالي" .
أما الذين يريدون تحميل الجنوب وحده وزر الخطوة المقبلة فهم مثل ذاك الشخص الذي ، يتوهم أنه حبة، وأنه ضحية لديك متوهم ، وهم يريدون لي عنق الحقيقة، فهم الضحايا والآخرون هم الجناة، فيا ترى من يقنع الديك بأن ما يمشي ليس حبةً بل انساناً؟.  وسنواصل ..



Faiz Alsilaik [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]