عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تأسست ثقافتنا ووعيننا وتفسيرنا لتراثنا ولتاريخنا القومي بحقبه المتتالية على مصادر تقليدية وروايات شفهية ومسلمات محلية متناقضة صاغها العقل الجمعي في نطاقات إقليمية وعرقية لترضي التحولات الاجتماعية الناتجة عن التغيرات الشاملة محلياً وعالمياً. ولم تعد مصادرنا وثقافتنا التقليدية قادرة على مواكبة وتفسير هذه التحولات الجذرية في المجتمع لبناء ثقافة تتأسس علىى تفسير وفهم تاريخنا وتراثنا على منهج علمي يواكب التطورات في حقول المعرفة المتجددة.
نحن لا نزال في أغلب تفسيرنا وكتاباتنا لتراثنا وتاريخنا القومي نعتمد على معارف ونظريات قديمة وبالية سادت في عقولنا عبر مخططات ومناهج فترة الاستعمار لخدمة فلسفته ومراميه. لا نزال في تفسيرنا وفهمنا لتكوين مجتمعنا نستخدم مفاهيم ونظريات القرون الماضية التي خدمت أجندة الاستعمار العنصرية.
أوهمتنا تلك المفاهيم والنظريات البالية أن شعوب العالم قسمين، قسم متميز ومبدع وخلاق وقسم مقلِّد ومستهلك هم الزنوج سكان افريقيا، عاشوا على هامش التاريخ بعيدين عن العالم المتحضر وعالة عليه، لم يساهموا بشيء في التراث الانساني. ثم توافدت على القارة عناصر حامية وسامية انتجت الحضارة التي نرى معالمها الآن في وادي النيل واثيوبيا وغرب افريقيا.
وقبلنا نحن هذه التقسيمات وتلك المفاهيم، وخضعنا للاستعمار الغربي الذي امتص ثرواتنا وبنى بها بلادة وأسس عليها نعيمه ورفاهيته الحالية. ثم حافظ على هيمنته واشتدت قبضته بعد عصور الاستقلال بالهيمنة الاقتصادية. وأوهمنا الغرب لقترة طويلة بأننا في افريقيا شعوب ماضيها وتراثنا ضحل، وأن الحضارات والثقافات الوافدة هي بوابة العالم الحديث، فانفصمنا وكرهنا لون سحنتنا وتعلقت أنظارنا وطموحاتنا بكل ما هو وافد وآتٍ من خارج عالمنا المحلي.
وكما فعل الغرب في أمريكا مع الهنود الحمر حيث سادت مقولة "الهندي الأفضل هو الهندي الميت" وشنوا حروباً كثيرة لإبادة السكان المحليين، تمثلت سياسيهم في افريقيا بأن "الافريقيون الأفضل هم الافريقيون المتحاربون" الذين يقتل بعضهم بعضاً، لكي يمتصوا ما تبقى من الثروات، ويصدروا لنا "السلاح" أغلى سلعة تنتجها مصانعهم لكي نتحارب وندمر بلادبنا. ثم تأتي شركاتهم لبناء وتعمير ما دمرناه بأسلحتهم وسياساتهم، ويستردوا ما قدموه لنا من قروض، ثم نبدأ سداد أصول تلك القروض وأرباحها من قوتنا، وهكذا تتواصل عمليات الاستنزاف.
وقد تمكن الغرب في القرون الماضية من تطور العلوم ومناهجها، وأسسوا عليها سطوتهم وهيمنتهم. وحجبوا تلك المعرفة عنالمستعمرات ما عدا القليل الذي ساعدهم على فرض سيادتهم واستنزاف الموارد. غير أن الغرب لم يتمكن - طويلاً - من احتكار وحجب سلاح العلم، فانفك حصار المعرفة بتقدم وسائل الاتصال والتواصل، واتسع فضاء المعرفة، وبدأ الضباب ينقشع من أمام أعين الشعوب الافريقيىة المغلوبة على أمرها. وبدأت هذه الشعوب تدرك ان العلم والمنهج السليم هما السبيل الوحيد للمعرفة وبنا الانسان السوي والمجتمع المتعافي. وأن المعرفة القائمة على العلم والمنهج السليم هي السبيل الوحديد لتشخيص أمراض مجتمعاتها وإزالة الصدأ الذي أصاب عقلها الجمعي وثقافتها العامة، وبخاصة فيما يتعلق بإرثها وتاريخها القومي.
فنحن بحاجة إلى المعرفة المؤسسةعلى المنهج السليم لتراثنا وتاريخنا القومي لمعرفة ذواتنا في جميع أنحاء السودان شمالاً وجتوباً شرقاً وغرباً، نحن بحاجة إلى فهم العلاقة والصلة والتواصل المستمر عبر القرون بين حميع سكان السودان على أسس منهجية سليمة تستند على نتائج أبحاث العلوم المتنوعة. فهْمنا لإرثنا وتاريخنا القديم والعلاقة بين سكان السودان بسحناتهم وثقافاتهم المتنوعة يعتمد - إلى جانب علمي الآثار والتاريخ - على نتائج الأبحاث في علوم مهمة أخرى، لعل من أمها علم الجينات الوراثية وعلم اللغة التاريخي Historical Linguistic وعلم تاريخ المناخ Paleoclimatology.
ولو عرضنا بعض الأمثلة للمساهمات المهمة التي تقدمها هذه العلوم نجد مثلاً أن علم تاريخ المناخ يوضح كيف أن الصحارى الجافة القاحلة الآن كانت في السابق مزارعاً وحقولاً خضراء مأهولة بالسكان. وكانت علاقة أولئك السكان بسكان النيل قوية، وصلاتهم وتواصلهم متصلاً وبخاصة عبر الأودية الجافة الآن والتي كان بعضها في السابق أنهاراً دائمة الجريان مثل واديي هور والملك وبعضها الآخر أنهاراً موسمية مثل الأودية الكثيرة الواقعة شرق وغرب النيل.
كما يتضح لنا كيف أن كل سكان السودان في حدوده الحالية ساهموا في تأسيس وتطور تراثنا القديم. ويمكننا فهم كيف أن المدينة الثانية في مملكة كوش بعد البركل كانت في جبل عبد الهادي في الجبال البحرية شمال كردفان كما جاء في التراث المحلي الذي دونه داؤود كبارة في مخطوطته كما وردت في كتاب ماكمايكل تاريخ العرب في السودان (الترجمة العربية ج 2 ص 262، والنسخة الانجليزية ج 2 ص 324)
ويوضح لنا علم الجينات الوراثية أن قارة افريقية هي مهد البشرية الأول، ظهر فيها الانسان وتكاثر، ثم انتقل منها إلى قارات العالم الأخرى، ويوضح لنا - كما في أبحاث بروفسور منتصر الطيب وفريقه - أن إنسان السودان الحالي يعتبر من أقدم السلالات البشرية في العالم وهو سلالالة افريقية أصيلة. وأن سكان منطقة ما بين البحر الأحمر وبحيرة تشاد ساهموا في إرساء اللبنات الأولى للمجتمع الانساني في مجال عمليات انتاج الطعام والتقنيات المتصلة به. قال المؤرخ الزمبابوي سامكانج أن قار افريقيا كانت حتى عام 200 ق م القارةالقائدة في العالم، وفقدت مكانتها بعد أن قادت العالم ستة ألف سنة. (Stanlake Samkange, African Saga: A brief Introduction to the African History, p p 33)
ويبين لنا علم اللغة التاريخي أن اللغات الحالية المتعددة في شمال وشرق وغرب السودان نشأت كلها في الماضي من أسرة لغوية واحدة يطلق عليها اسم "الأسرة النيلية الصحراوية" ثم تشعبت هذه الآسرة وانتشرت بصورة واسعة في السودان والدول المجاورة. ولذلك توجد علاقة قوية بين اللغات المتعددة التي يتخاطب بها السودانيون حالياً مما يوضح العلاقة والقواسم المشتركة القديمة بين كل متحدثي هذه اللغات. ومن جانب آخر يرى كثير من الباحثين بناءً على ما تم من دراسات للغتنا القومية القديمة "اللغة الكوشية" المشهورة باسم اللغة المروية أنها أيضاً تنتمي إلى الأسرة النيلية الصحراوية، وأنه توجد علاقة بينها وبين اللغات الحالية في السودان. ولعل ذلك يبدو أمراً طبيعياً أولاً لانتماء الكل إلى أسرة لغوية واحدة، وثانياً لأن اللغة المروية كانت لغة الدولة الرسمية (اللغة القومية) نحو 1200 سنة عمر الدولة الكوشية في حدود السودان الحالية، بالاضافة إلى المنطقة الشمالية بين حلفا وأسوان.
ينبغي التوجه نحو البحث الجاد في تراثنا، وهذا البحث الجاد يتطلب تضافر جهود الباحثين في المجالات المتنوعة، كما يتطلب في المقام الأول اهتمام الدولة بعمليات البحث والتنقيب في الآثار، فالعمل في حقل الآثار يتطلب إمكانيات كبيرة لا تتحملها أقسام الآثار في الجامعات السودانية ما لم تمد لهم الدولة يد المساعدة. الآثاريون الأجانب يحضرون إلى السودان بدعم من موسساتهم ويساهمون كثثيراً في دراسة تراثنا، والآثاريون السودانيون يعملون تحت ظروف صعبة وقاسية يعتمدون على المساعدات الخارجية في غياب شبه تام من مساعدة الدولة. فعلى سبيل المثال بروفسور عباس زروق وفريقه الذين ينقبون في الكرو في منطقة الزومة بالولاية الشمالية - لمسنا في زيارتنا لهم في الاسبوع الماضي - أنهم يعملون تحت ظروف قاسية وفي حاجة ماسة إلى الدعم العاجل، بلغت حوجتهم حد العجز عن تغطية نفقات عمليات النظافة العامة لمنطقة الآثار.
لو تطلعنا إلى المعرفة والغوص في بحور تراثنا العميقة على الباحثين التسلح بمنهج متعدد الاختصاصات interdisciplinary approach وعلى الدولة الانتباه لدورها المهم في العناية بالآثار، ودعم الهيئة القومية للآثار بزيادة ميزانيها وبفتح الوظائف للمتخصصين والباحثين في الهيئة وتحفيزهم حتى يقبل الطلبة على أقسام الآثار في الجامعات. وينبعي على جميع وسائل الاعلام الوعي بدورها الطليعي في ذلك، لا في مجال الاعلام السياحي فقط بل وفي تتبع مناطق الآثار والتواصل مع اقسام الآثار في الحامعات وابراز نشاطاتهم ومعاناتهم.