عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
قبيلة بَلِي من أشهر قبائل قضاعة اليمنية التي دخلت مصر إبان الفتح الاسلامي. ويكتب اسم القبيلة باللغة الانجليزية أحياناًBeli بِلي بكسر الباء، والصحيح بفتح الباء كما ذكر القلقشندي " بَلِي بفتح الباء وكسر اللام ... والنسبة إليها بَلوي" (القلقشندي، قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب أهل الزمان. ج 1 ص 13)
وكانت قبيلة بلي مقيدة ضمن أهل الراية في الفسطاط عندما فتح المسلمون مصر، ثم انفصلت مع قبيلة جهينة لتُدَون تحت قضاعة. وبعد وقف دفع العطاء لقبائل العرب في القرن التاسع الميلادي أصبح مقر قبيلة بلي على النيل في مناطق الاشمونيين وأسيوط. ونزح جماعة منهم في وقت مبكر إلى أرض المعدن في نهاية القرن التاسع الميلادي. (اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، في مصطفى مسعد، المكتبة السودانية ص 12)
وفي القرن الرابع الهجري (10 م) أنزل الفاطميون القرشيين في مدينة أشمون بجوار قبيلة جهينة فاستقروا بها حتى أصبحت أشمون تعرف بديار قريش. ويبدو أن عدد قريش قد تكاثر بالصعيد ودخلوا في منازعات مع قبيلة جهينة فخرجت جهينة من أشمون واستقرت بجوار بلي في منطقة أخميم على النيل. وذكرت المصادر أنه كانت هنالك بعض الخلافات والعداء بين قبيلتي بلي وجهينة حتى دخول القرشيين، فاتفقت القبيلتان واستقرتا جنوب الأشمونيين.
وقد وضح المقريزي في كتابه (البيان والاعراب ص 29) الاتفاق الذي تم بين جهينة وبَلي في الاستقرار جنوب الأشمونيين كما يلى: "ثم اتفقت هي وجهينة فصار لبلي من جسر سوهاج غرباً إلى قريب من غرب قمولة، وصار لها من الشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب" وأوضح عبد المجيد عابدين (في كتاب المقريزي البيان والإعراب ص 29 هامش 62) أن قاو الخراب من البلدان المندرسة في مركز البداري بمديرية أسيوط.
وقد تناول القلقشندي (نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، موقع الوراق، ج1 ص 12 و64) هذا الاتفاق مرتين، جاء في المرة الأولى: " ثم اتفقت جهينة وبليّ على أن يكون لجهينة من المشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب. ولبليّ من جسر سوهاج إلى قريب من قمولة." وجاء في المرة الثانية عن بَلي: "وديارهم اخميم وما تحتها، قال: واتفقوا هم وجهينة فصار لبلي من جسر سوهاج إلى قمولة، وصار لها من الشرق من عقبة قار الخراب إلى عيدان"
وبناءً على ذلك فإن نصيب قبيلة جهينة قد امتد في شرقي النيل حتى عيذاب وليس كما ذكر ماكمايكل – ونقل عنه مصطفى مسعد - أنه بعد الصلح بين بلي وجهينة استقرت بلي في المنطقة الواقعة بين مصر وميناء عيذاب بجوار البجة. (Mac Michael, A History of the Arabs in the Sudan. Vol. 1 p 37 مصطفى محمد مسعد، الاسلام والنوبة في العصور الوسطى، ملحق رقم 8 ص 259) ولم يوضح ماكمايكل مصدره، وقد أشار في الحاشية إلي خطط المقريزي ولكنني لم أعثر على النص في الخطط.
هذا إلى جانب أنه لم يرد في المصادر العربية تواجد لقبيلة بلي بين قبائل منطقة الصحراء شرقى النيل كما يتضح من نص ابن بطوطة (تحفة النظار ص 256) الذي مرّ بالمنطقة عام 732هـ/1333 م حيث قال:
"ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب، فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير وسافرنا منه في البر مع البجاة. ووردنا ماء كثيرة النعام والغزلان، فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة. ووردنا ماء يعرف بمفرور، وماء يعرف بالجديد. ونفذ زادنا فاشترينا من قوم من البجاة وجدناهم بالفلاة أغناماً وتزودنا لحومها ورأيت بهذه الفلاة صبياً من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن البجاة أسروه، وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعاماً… وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير، وصلنا إلى عيذاب ... واكترينا الجمال وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم …ووصلنا إلى قرية العطواني، وهي على ضفة النيل، مقابلة لمدينة إدفو من الصعيد الأعلى."
فابن بطوطة لم يقابل عرب بلي، ويعني ذلك أنه حتى ولو كان لبلي انتشار في الصحراء الشرقية كان محدوداً جداًّ لدرجة لم يلاحظه ابن بطوطة. كما لم يشر المقريزي إلى وجود قبيلة بلي في الصحراء الشرقية بل ذكر المقريزي أن قبيلة بلي في عصره (القرن 15 م) كانت من بين قبائل العرب على النيل في صعيد مصر. (المقريزي، البيان والاعراب. ص 27 -28) ولم يرد في أيّ مصدر من المصادر العربية وجود قبيلة بلي في أرض البجة.
أما ما تردد ذكره عن وجود قبيلة بلي في أرض البجة فقد جاء في بعض المراجع التي سنتعرض لنماذج منها فيما يلي: ذكر عبد المجيد عابدين تحت عنوان "القبائل العربية في اقليم مصر في العصر الجاهلي في مقدمة تحقيقه لكتاب تاريخ الأقباط المعروف بالقول الابريز للمقريزي:
"أما قبائل قضاعة التي تشير المراجع إلي أنها كانت تنزل سينا فهي قبائل بليّ، إذ نفهم من كلام الهمداني أن أرضهم امتدت إلى برزخ السويس، وليس ببعيد أن يكون جماعات منهم قد تجاوزوا إلى الصحراء الشرقية كما فعل الأنباط. ولا ندري أي قبائل العرب عناهم سترابو [66 ق. م. – 24م] وبلايني [70م] وكلاهما مؤرخان يونانيان عاشا في أول العصر المسيحي حين ذكرا: أن العرب تكاثروا في أيامهما على العدوة الغربية من البحر الأحمر حتى شملوا ما بينه وبين النيل في أعلى الصعيد." ويعلق عبد المجيد على النص قائلاً: "ولا ندري ممن كان هؤلاء العرب، أكانوا من بلي أم من الأنباط أم من قبائل أخرى؟"
فعبد المجيد عابدين لم يقل إن عرب قضاعة عبروا برزخ السويس إلى صحرا مصر، بل قال لا أستبعد أن تكون جماعة من قضاعة وبخاصة بلي قد عبروا إلى صحراء مصر الشرقية قبل الاسلام، ولما كان ذلك لم يرد في المصادر فيُسْتبعِد حدوثه. وقد بحثت كثيرا في المصادر العربية من كتب التاريخ والأنساب والجغرافيا فلم أعثرعلي أي نص يفهم منه أن قضاعة دخلت مصر قبل الاسلام. فقد أوردت المصادر أن قبيلة قضاعة انتشرت في اليمن ومناطق الخليج العربي والعراق والشام. ولم يرد في تلك المصادر دخولها افريقيا قبل الاسلام. وقد ورد أنها كانت منتشرة في المناطق الواقعة إلى الشرق من الحدود المصرية فقط. (انظر على سبيل المثال الهمذاني، صفة جزيرة العرب ج1 ص 66 ، 90 وابن خلدون، العبر ج 1 ص 5 وج 2 ص 242 وج 3 ص 52، 107)
أما ما نقله عبد المجيد عابدين عن بلايني فقد تعرضنا إليه في الفصل الثاني من الجزء الأول من كتاب السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية (ج 1 ص 53))، وأوضحنا أن بلاينى قصد "بقبائل العرب" هنا قبائل البدو السامية وليس العرب أو الجنس العربي الذي يقصده عبد المجيد عابدين. كما ذكرنا أيضاً أن الحدود بين قارتي آسيا وافريقيا لم تكن واضحة في أذهان اليونانيين المبكرين. فقد كانوا يعتبرون أن حدود قارة آسيا تمتد غرباً حتى النيل. وبذلك يكون كل ما هو في مصر شرقي النيل ضمن حدود قارة آسيا وداخل شبه الجزيرة العربية، وبالتالي فسكانه عرب.
وورد في كتاب تاريخ شرق السودان لمحمد صالح ضرار (ج 1 ص 53) عن قبيلة بَلِيّ تحت عنوان الهجرة العربية قبل الإسلام ما يلي: "استمرت بعض القبائل العربية في هجرتها للسودان قبل الاسلام، وكانت أشهر تلك القبائل التي نزحت قبيلة بلي. وتعد قبيلة بلي من أقدم القبائل العربية التي هاجرت إلى ديار البجة بعد الشاسو وثمود وغيرهما. وكانت هجرتها قبل الاسلام بقليل، وهي بطن من بطون قضاعة "
الشاسو جماعات بدوية سامية وثمود – قوم نبي الله صالح - التي سكنت الجزء الشمالي من الحجاز فلم أجد في المصادر العربية إشارة إلى هجرتهم إلى ديار البجة.
كما نقل ضرار نصّاً من ابن خلدون عن قبيلة بلي جاء فيه: "أنهم أجازوا إلى العدوة الغربية من البحر الأحمر وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هنالك سائر الامم، وغلبوا على بلاد النوبة وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم وحاربوا الحبشة فأرهقوهم وضايقوا المصريين"
لم يذكر ضرار المصدر الذي نقل منه نص ابن خلدون. هل هو من كتاب العبر مباشرة أم رجع إلى مكان آخر نقل عن كتاب العبر؟ فالنص كما ذكره ضرار فيه بعض الحذف والإضافة التي غيرت ما ورد عند ابن خلدون. فالنص كما ورد في كتاب ابن خلدون (كتاب العبر، موقع الوراق. ج 2 ص 247) أثناء تناوله قبائل جهينة جاء كالآتي:
"وفى شماليهم [شمالي قبائل جهينة] إلى عقبة ايلة مواطن بلى وكلاهما على العدوة الشرقية من بحر القلزم [يعني البحر الأحمر] وأجاز منهم أمم إلى العدوة الغربية وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هنالك سائر الأمم وغلبوا على بلاد النوبة وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم وحاربوا الحبشة فأرهقوهم إلى هذا العهد"
أولا نص ابن خلدون هذا يتعلق بهجرة القبائل العربية إلى مصر بعد الاسلام وليس قبله كما ورد في النص الذي نقله ضرار. والنص يشير إلى هجرة "أمم" من جهينة وبلي وانتشارهم وحروبهم في بلاد النوبة والحبشة حتى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري (14م). فإشارة ابن خلدون واضحة في أنه يصف الأوضاع في زمانه حيث عبر قائلاً "إلى هذا العهد" وهي العبارة غير الموجودة فينص ضرار.فلماذا حذفت من النص الذي نقله ضرار؟ والقضية ليست في حذفها فقط بل استبدالها بعبارة أخرى وهي "وضايقوا المصريين" مما يثير الشك في أن التصحيف أو التغيير في النص مقصود.
فالتغيير قد يحدث لبعض الكلمات في النص عبر عمليات النقل المتكررة للنساخ، ولكن ليس التغيير الذي يؤدي إلى تحول المعنى كلية كما حدث في نص ضرار. وعلى سبيل المثال نورد بعض التغيير الذي قد يحدث في النصوص، فقد نقل القلقشندي (قلائد الجمان ج 1 ص 14) نص ابن خلدون نفسه كما يلي:
"قال في العبر عن قبيلة جهينة: وكانت منازلهم شمالي منازل " بليّ " من الينبع إلى عقبة أيلة. ثم جاوز خلق كثير منهم بحر القلزم وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هناك وغلبوا على بلاد النوبة. قال: وهم يحاربون الحبشة إلى الآن."
فالتغيير الذي أحدثه القلقشندي في النص بحذف أو تغيير بعض الكلمات لم يؤد إلى تغيير المعنى. فقد اختصر القلقشندي النص، وغير بعض كلماته. تغيرت كلمة "أمم" عند ابن خلدون إلى "خلق" عند القلقشندي، وغير القلقشندي عبارة ابن خلدون "وإلى هذا العهد" فأصبحت "إلى الآن". فرغم الحذف والتغيير الذي أحدثه القلقشندي في نص ابن خلدون ظل المعنى كما هو لم يتغير.
ونخلص من ذلك إلى أن ابن خلدون لم يذكر أن قبيلة بلي قد هاجرت إلى السودان قبل الاسلام، وفي واقع الأمر فإن ذلك لم يذكره غيره من المؤلفين العرب المبكرين. ويلاحظ أن جرجي زيدان - الذي ينقل منه ضرار كثيراً قد ذكر النص في كتابه كما ورد في كتاب ابن خلدون منتهياً بـ ـ"فحاربوا الحبشة وأرهقوهم إلى هذا العهد" ( جرجي زيدان، العرب قبل الاسلام. ص 94)
وهكذا يتضح أن بعض أفراد قبيلة بلي كان مثل غيره من القبائل العربية يعملون في مناطق التعدين حول وادي العلاقي. وبنهاية العمل في التعدين في القرن الرابع عشَر الميلادي ومغادرة القبائل العربية مناطق التعدين لم يرد لقبيلة بلي أي ذكر مع القبائل العربية التي كانت تتحرك في الصحراء الشرقية، فقد كانت مستوطنة على النيل في صعيد مصر. ولم يرد في المصادر العربية أن قبيلة بلي العربية كانت البجة أو تختلط بهم.