تناول الاستاذ عبد الغفار المهدى في مقاله "العلاقات السودانية المصرية الأزمة القادمة" والذي نشر في موقع صحيفة الراكوبة بتاريخ 5/12/2015 الندوة التي دعا لها مركز الجنوب لحقوق الانسان في القاهرة في آخر شهر نوفمبر عام 2015 لمناقشة الأزمة التي أعقبت المعاملة القاسية والاستفزازالذي تعرض له السودانيون في مصر، واعتقال مواطن سودانى وتعذيبه ومصادرة أمواله بأحد أقسام الشرطة المصرية. أدار الندوة الأستاذوجدى عبد العزيز، وكان المتحدث فيها الأستاذ علاء الدين أبو مدين والأستاذ أشرف ميلاد المحامى.  

وكانت قنبلة الندوة وصدمتها - كما عبر كاتب المقال - "هو ما صرح به الأستاذ صابر الشيوعى المصرى المخضرم فى مداخلته والتى - كما سابقيه من المتحدثين من الأشقاء المصريين - أمن على مصرية حلايب مفجرا قنبلته وممررا معلومته بان السودان لن يلجا للتحكيم لأنه مصر محضّره مفاجأة للسودان فى التحكيم حيث ستطالب السودان بسواكن..!!!!"

وأود أن أوضح هنا حقيقة تاريخية موثقة بما ورد في الآثار المصرية القديمة أن علاقة مصر بسواحل البحرالأحمر جنوب خليج السويس منذ بدية العصرالفرعوني نحو القرن 32 ق م وحتى نهايته في القرن 11 ق م علاقة محدودة جداً، إذ لم يكن لمصر علاقة ووجود دائم على ساحل البحر الأحمر جنوب خليج السويس طيلة العصر الفرعوني.

ومن المعروف أن العصر الفرعوني في تاريخ مصر القديم ينتهي بنهاية حكم الدولة المصرية الحديثة في القرن 11 ق م. وبعد هذا التاريخ دخلت مصر في مرحلة طويلة من تاريخها امتدت لمدة ثلاثة ألف سنة إذ خضعت مصر للاحتلال الأجنبي، أي حكم الأسر والحكام غير المصريين، والذي يطلق عليه المؤرخون المصريون"فترة الحكام الأجانب" والذي استمر حتي ثورة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب في يوليو عام 1952.

كان اهتمام مصر في خلال العصر الفرعوني منصباً نحو البحر المتوسط منذ فجر تاريخها، ولذلك نشطت اتصالاتها وعلاقاتها بدول المنطقة الشرقية للبحر المتوسط ، بل وامتدت حدودها لفترات طويلة على تلك المناطق. أما البحر الأحمر فلم يكن داخلاً في اهتمامات مصر في العصر الفرعوني. إذ لم تكن هنالك حاجة ملحة تؤدي إلى اهتمام المصريين بالبحر الأحمر في بداية تاريخهم القديم وتكبد مشاق الذهاب إليه. وقد تمت مناقشة ذلك بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من كتابنا - في طور الاعداد - "الحدود بين السودان ومصر عبر التاريخ"

وعن بداية العلاقات بين المصريين والبحر الأحمر أنقل هنا ما ذكره عالم الآثار والمؤرخ المصري المشهور سليم حسن في كتابة عن مصر القديمة والذي يقع في 18 جزء. يقول سليم (ج 2 ص 259) عن البحر الأحمر: "لم يركب المصريون متنه في سياحتهم إلا نادراً، إذ كان معظم ملاحتهم في البحر المتوسط" وأشار (ج 2 ص 264) إلى صعوبة السفر عبر البحر الأحمر للوصول إلي البلاد الواقعة جنوبه قائلاً:

"هناك سلسلة عقبات للوصول إلى هذه البلاد، وذلك على فرض أن البحارة يعرفون أوقات هبوب الرياح الملائمةللسياحة والمعاكسة لها طوال العام، وأنه يمكنهم أن يوجدوا علاقات حسنة مع أهالي بُنت يضمنون بها شحن البضائع اللازمة لهم في مدى بضعة أسابيع، وألّا يجدوا في طريقهم بحرًا أية عقبة من العقبات الخطرة... وإذا كانت الأحوال الجوية حسنة تصل البعثة أخيراًإلى القصير ... إلى النقطة التي أبحرت منها بعد غيابعام بأكمله."

فالسفر في البحر الأحمر جنوباً لم يكن بالشيء المعتاد، فقد وصف سليم حسن (ج 2 ص 263) الطريق من بدايتة في قفط على النيل قائلاً: "كانت القوافل تقطع المسافة في مدة أربعة أيام من قفط إلى البحر الأحمرسالكة طريقًا وعرًا لا ماء فيه، شمسه محرقة، وفي النهاية يصل الإنسان إلى ساحل قاحل لا سكان فيه ولاحياة، ومن أجل ذلك كان أول هم للبعثة أن تحمل معها كل المعدات لبناء السفينة أو السفن التي كانت تقلع إلىبلاد بُنت، إذ لم يكن هناك مرفأ للسفن مهيئًا كما كان الحال عند مصبات النيل على البحر الأبيض المتوسطحيث المدن العظيمة، ولذلك كانت كل بعثة تريد الإبحار إلى بلاد بنت تبتدئ بتجهيز المعدات من جديد، فكانت تحضر معها المواد الغذائية والماء بمقادير عظيمة"

فالملاحة في البحر الأحمر لم تكن بالأمر السهل، إذ كان الطريق برّا وبحراً تتخلله المصاعب والعقبات. ولم تكن للمصريين طيلة العصر الفرعوني وجود وميناء دائم على سواحل البحر الأحمر جنوب خليج السويس.ويصف سليم حسن (ج 2ص 220) هذاالوضع قائلً: "ومن المعروف أن المصريين كانوا ينقلون سفنهم مفككة من مدينة قفط بطريق البر إلى شاطئ البحر الأحمر، ثم يشيدونها هناك في ميناء يقع على مقربة من القصير الحالية" وعند نهاية المهمة تفكك السفن وتحمل مرة أخرى إلى النيل.  

ومما حعل علاقة مصر في العصر الفرعوني متقطعة ومحدودة هو عدم امتداد نفوذ السلطة المصرية على الصحراء الشرقية بين النيل والبحر الأحمر. فلم تكن للدولة سلطة حتى على المناطق الصحراوية القريبة من النيل حيث كانت للدولة مصالح في التحكم عليها من أجل المحاجر والمناجم مثل منطقة وادي الحمامات الذي يصب في النيل في منطقة طيبة والذي يمثل نصف الطريق إلى البحر الأحمر.

فقد تحدثت نصوص الأسرة مصرية الحادية عشرة (القرون 21 - 20 ق م)عن بعثتين كبيرتين لتوطيد الأمن بالصحراء وتأمين الوصول إلى ساحل البحر الأحمر. خرجت إحدى البعثتين في عشرة ألف رجل بين مدنيين وعسكريين ترأسها الوزير أمنمحات لتوطيد الأمن في وادي الحمامات. وقد حدثت -أثناء عمل البعثة - معجزة هطول الأمطار وظهور البئر التي لم تلاحظها القبائل البدوية في المنطقة كما ورد في الأحداث التي دونتها البعثة. وقد أقامت البعثة تحصينات حدودية في المنطقة  الموازية للنيل من الشمال إلى الجنوب.(عبد العزيز، الشرق الأدنى القديم ص 174) ويفهم من خروج هذا العدد الكبير من العسكريين لتوطيد الأمن في وادي الحمامات المتصل بالنيل وإقامة الحصون لتأمين مناطق النيل من غارات القبائل البدوية، وهي قبائل المِجا أسلاف قبائل البجة الحالية، فحدود الدولة في الصحراء لم تكن تبتعد عن النيل كثيراً.

 وخرجت البعثة الثانية برئاسة موظف كبير يدعى حنو أو حننو بلغ تعدادها ثلاثة ألف رجل. كانت تهدف أيضاً إلى تأكيد الأمن في مسالك القوافل وتطهير الآبار القديمة وحفر أخرى جديدة، وتحصيل الهدايا باسم القصر الملكي. ثم الاشراف على إنزال سفن ?جُبيلية? على البحر الأحمر" (عبد العزيز نفس المكان السابق)

ويفهم مما ورد في هذا النص عن "تحصيل الهدايا باسم القصر" أنه لم تكن هنالك ضرائب مفروضة على مواطنين مصريين في تلك المناطق بل كان يطلب من القبائل البدوية تقديم الهدايا باسم القصر. والمهمة الأخرى والأهم هي الاشراف على إنزال السفن في البحر. ولما كانت البعثة قد خرجت من قفط فتكون قد عبرت الصحراء عن طريق وادي الحمامات إلى البحر في منطقة القصير الحالية حيث يتم تركيب السفن للابحار بها. ولم تتوفر معلومات عن نتائج البعثة،هل نجحت في مهمتها؟ وإلى أي منطقة وصلت؟ وهي أول حملة موثقة تبحر في البحر الأحمر جنوباً.

وأخبار رحلات  البحر الأحمر أتت فق مي عصر الدولة الحديثة  في عصر الملكة حتشبسوت، الأسرة 18 (القرن 15 ) وفي عصر الملك رمسيس الثالث في الأسرة 20 (القرن 12 ق م). ويبدو أن أكثر من رحلة واحدة قد حدثت في عهده. ووضح برستد (J. H. Breasted, Ancient Egypt from the Erliest Times to the Persian Conquest. p  276.) طريق بعثة حتسبسوت، فذكر أنها بدأت من عاصمة الدولة مدينة طيبة - في مكان الأقصر الحالية- ثم أبحرت في النيل شمالاً حتى وصلت وادي Tumilatالذي كان يتصل بقناة عبر أحد فروع دلتا النيل الشرقية بالبحر الأحمر. ثم ابحرت في البحر الأحمر جنوباً.

أما رحلة رمسيس فقد أبحرت السفن - كما ذكر بدج ( The Egyptian Sudan Vol. 1 p 642) من منطقة جبلية بالقرب من القصير. وذكر برستد (المكان السابق) أن طريق النيل شمالاً إلى الدلتا فوادي Tumilatفالبحر الأحمر لم يعد في هذا العصر مستخدماً. ووصلت السفن إلى بلد يقع على الساحل الافريقي جنوب البحر الأحمر يسمى Neter-taui وعادت محملة بالبضائع المطلوبة وفرغت السفن حمولتها من البضائع في ميناء مقابل لمنطقة طيبة - لم يذكر برستد اسمه- ثم رحلت بالحمير إلى النيل.  

ولم ترد أخبار رحلات أخرى إلى بلاد بنت عبر البحر الأحمر حتى نهاية عصر الدولة الحديثة في القرن 11 ق م. وكانت هذه الرحلة هي آخر علاقة لمصر الفرعونية بالبحر الأحمر.

ويتضح مما ورد من معلومات أن نشاط المصريين الملاحي في البحر الأحمر كان منحصراً في منطقة خليج السويس، ولم تكن هنالك ملاحة بحرية منتظمة أو سفن موجودة بصورة دائمة جنوب خليج السويس لعدم وجود ميناء دائم مجهز لخدمة الملاحة وصناعة أو صيانة السفن. وظلت الأمور على هذا الحال حتى عصر رمسيس الثالث في القرن 12 ق م.

وما ذكر عن وجود بعض المراكز المصرية على الساحل قبل هذا التاريخ مثل ساوو أو ثاعو أو إينوم كانت كلها في منطقة القصير الحالية أو وادي الجواسيس المقابلة لمنطقة الأقصرعلى النيل. ولم تكن تلك المراسي دائمة ومهيأة لابحار أو استقبال السفن، بل كانت مراسي مؤقتة تستخدمها البعثات التي تأتي بكل لوازمها بما في ذلك المراكب، وينتهي نشاط المرسي بنهاية المهمة التي أتت من أجلها البعثة. ثم تعود إليها بعثة أخري بعد عدد من السنين لنفس الغرض.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم تقم في العصر الفرعوني مدناً وموانئ على البحر الأحمر خلال نحو ألفي سنة من بداية التاريخ المصري القديم وحتى نهاية عصر الدولة الحديثة، بينما امتدت حدود امبراطورية مصر في عصر هذه الدولة حتى شمال العراق؟ يبدو أن أهم الأسباب هو فقر وقساوة الحياة في تلك المناطق مما جعلها -في نظرهم- غير قابلة للعمران. وأدى هذا الموقف إى عزوف الأسر المصرية المتتابعة من بسط سيادتها وضم تلك المناطق أو بعضها إلى حدودها. فلم يكن هنالك ما يغري قدماء المصريين بالتوسع على ساحلي البحر الأحمر. وكان كل اهتمامهم بالبحر الأحمر منصبّاً في التجارة مع مناطق الجنوب.

وقد تمكن المصريون منذ بداية تاريخهم من الأتصال بمناطق الجنوب عبر النيل بطرق ووسائل متعددة مثل الرحلات والبعثات التجارية والغارات العسكرية والاحتلال. وتحصلوا عبر تلك الطرق على السلع المطلوبة. فلم تكن لهم حاجة ملحة في البحر الأحمر وسواحله. ولذلك كانت سواحل البحر الأحمر حتى المواجهة لعاصمتهم طيبة خارج حساباتهم. وظل البحر الأحمر جنوب خليج السويس -والذي تفصله نحو مائتي كيلو متر من المجال الحيوى للمصريين على النيل- بعيداً عن أذهانهم في كل العصر الفرعوني.    

وبعد العصر الفرعوني وقعت مصر تحت الاحتلال الأجنبي المتمثل في الحكم الليبي ثم السوداني ثم الأشوري ثم الفارسي ثم اليوناني والروماني. ولم يتيسر للقوى الأجنبية التي حكمت مصر- باستثناء السودانيين - الوقت والرغبة في سواحل البحر ا\لأحمر حتى العصر اليوناني. فقد أهتم اليونانيين والرومان بالبحر الأحمر ملاحة ودراسة، أي أن الاهتمام والصلات التي تمت من الاراضي المصرية بالبحر الأحمر لم يقم بها المصريون بل تمت على يد الحكام الأجانب، وهي الفترة التي أشار إليها المتحدث في الندوة لميناء سواكن.

ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.