حملة عبد الله بن سعد عام 31 هـ

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ذكرنا في المقال السابق أن المسعودي وضح أن الحرب التي خاضها عبد الله بن سعد عام 31 هـ كانت مع ملكة مريس (نوباديا) التي تقع شمال مملكة مقُرة. وأن ابن حوقل وضح أن تلك الحرب دارت في منطقة أسوان ووصل جيش المسلمين إلى جزيرة ابلاق التي تنتهي عندها ابحار سفن المسلمين المتجهة جنوباً كما ذكر المسعودي. ولم تذكر كتب الفتوح وغيرها من المصادر العربية - باستثناء نص المقريي مدار الجدل - تقدم جيوش المسلمين جنوب هذه المنطقة. ونود هنا التعرف على المنطقة الواقعة بين اسوان ودنقلة لنرى إمكانية أو عدم امكانية توغل جيش عبد الله بن سعد عبرها حتى مدينة دنقلة. ذكر ابن سليم أسماء بعض مدن مملكة مريس إلى الجنوب من ابلاق حتى آخر حدود المملكة، وقد فصلنا الحديث عنها في الجزء الثاني من كتاب السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية (ص 178 - 200) ونوجز هنا عنها ما يلى. قال ابن سُلَيم (في مصطفى مسعد،المكتبة السودنية ص 92 - 96):  "وبهذه الناحية بجراش مدينة المريس، وقلعة ابريم، وقلعة أخرى دونها، وبها ميناء تعرف بأدواء ينسب إليها لقمان الحكيم وذو النون... وأوّل الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوى، هي ساحل، وإليها تنتهي مراكب النوبة المصعدة من القصر ... ومنها إلى المقس الأعلى، ست مراحل ...وهي من أرض مريس  ... والمسلحة بالمقس الأعلى ... ومن هذه المسلحة إلى قرية تعرف: بساي، جنادل أيضاً ... ثم ناحية سقلودا وتفسيرها السبع ولاة ... وواليها من قبل كبيرهم وتحت يده ولاة يتصرّفون، وفيها قلعة تعرف: بأصطنون، وهي أوّل الجنادل الثلاثة ... قرية تعرف: بيستو، وهي آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة" تناول ابن سليم في هذا النص تسعة مدن ومنطقة إدارية واحدة في مملكة مريس جنوب أسوان، وهي حسب موقعها الجغرافي من الشمال إلى الجنوب كالآتي: القصر وقلعة أبريم وألدو وبجراش وتقوى والمقس الأعلى وصاي ومنطقة سقلوذا وقلعة اصطنون ويستو. ذكر ابن سليم أن القصر "أول بلد النوبة ... بينها وبين بلاق ميل" ووضعها المسعودي على بعد ستة أميال جنوب مدينة أسوان، وبعدها قلعة ابريم. و قلعة ابريم من المدن المهمة شمال الشلال الثاني، فقد أسس فيهاالرومان قلعة لحماية حدودهم الجنوبية في مصر. وحافظت على دورها في المنطقة فقد تناولت عدد من المصادر العربية أخبار قلعة ابريم لأنها كان تمثل خط الدفاع الأول أمام قوات المسلمين التي حاولت غزو مملكة مُقُرة. ولم تتمكن كل الغزوات التي بلغ عددها ثمانية حملات حتى الربع الأخير من القرن الثالث عشرالميلادي من تخطى قلعة ابريم جنوباً.(أنظر النويري في مسعد ص 223) ويلي قلعة ابريم موضع ألدو الذي تردد كثيراً في المصادر العربية، ووردت كتابة الاسم بصور مختلفة مثل: ألدو و دو وأدَوى وعدا، وضبطها النويري (في مسعد ص 218) الدَوّ، ووضح أنه كانت بها قلعة استولت عليها قوات الملك المملوكي الظاهر بيبرس. ويبدو أن الدو كانت خط الدفاع الثاني جنوب قصر إبريم حتى عصر المماليك. ثم تلي ذلك مدينة بجراش التي كتبت أيضاً بصور مختلفة مثل: بوخراس وبوفراس وبوحراس وباخَرَس. و هي مدينة فرس الواقعة إلى الشمال قليلاً من وادي حلفا، وكانت عاصمةً لمملكة مريس ومن أهم مدن المنطقة الشمالية من الشلال الثاني. وأصبحت بعد اتحاد مملكتي مريس ومقرة مقر حاكم المنطقة الذي عُرِف بصاحب الجبل. ووصف أبو صالح الأرمني (في مسعد ص 130) مدينة بجراش بأنها "مدينة المريس، وهي مدينة عامرة آهلة وبها مقام جوسار اللابس العصابة والقرنين والسوار الذهب". وقد اشتهرت مدينة بجراش في المصادر الآثارية باسم دوتاو أو مملكة دوتاو. ووضحت المصادر الآثارية أنها ظلت عاصمة لمملكة مسيحية عثر على أسماء ثمانية من ملوكها وبعض أسماء من أساقفتها حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أي قبل نحو عشرين سنة فقط من تاريخ قيام سلطنة سنار الإسلامية.  و يلى ذلك مدينة تقوى في منطقة الشلال الثاني في مكان مدينة وادي حلفا الحالية حيث تنتهي رحلة السفن المبحرة من الشمال إلى الجنوب فلا تستطيع عبور الشلال وبها نقطة جمارك وتفتيش ولا يسمح للأجانب مسلمين أو غير مسلمين عبورها جنوباً - كماذكر ابن سُليم - إلا بتصريح من صاحب الجبل. وإلى الجنوب من تقوى مدينة المقس الأعلى في مكان عكاشة الحالية. وهي من أهم مراكز مملكة مريس جنوب الشلال الثاني، إذ ترابط فيها قوات المملكة للحماية من إي تهديد يأتي من الشمال، وبها منطقة جمارك شديدة الضبط لا يستطيع أحد عبورها إلا "بإذن من الملك" كما عبر ابن سليم. وإلى الجنوب من المقس الأعلى مدينة صاي المعروفة بهذا الاسم حتى الآن، وقد كانت مدينة صاي مدينة مهمة في تاريخ المنطقة القديم، وكانت من أهم المراكز التجارية في مملكة كوش - التي عرفت عند المؤرخين بمملكة كرمة- في الألف الثالث قبل الميلاد. ويرى آدمز إنها بناءً على ما نُقٍّب فيها من آثار لا تقل أهمية في المجال التجاري عن مدينة كرمة عاصمة المملكة. وظلت من المدن المهمة بعد سقوط مملكة كرمة ، وظهرت ضمن المستوطنات الصغرى بعد انهيار مملكة مروي. وإلى الجنوب منها يقع اقليم سقلوذا الواسع، وذكر ابن سليم أن الاسم معناه السبع ولاة، إذ كان تحت إدارة واليه سبعة ولاة مما يدل على كبر وقوة الاقليم. وجنوبيه قلعة اصطفون ويستو آخر حدود مملكة مريس. ثم تبدأ منطقة مقرة التي وصف ابن سليم من مناطقها ناحية بقون الواسعة ثم منطقة سفد بقل التي ذكر أن بها "نحو ثلاثين قرية بالأبنية الحسان والكنائس والديارات..." ثم بعد كل ذلك مدينة دنقلة عاصمة مملكة مقرة.    هذه هي المنطقة الواقعة بين مدينتي أسوان ودنقلة، وذكر ابن سُليم أن المسافة بين المدينتين خمسين مرحلة. فهل توقفت حملة عبد الله بن سعد عام 31 هـ في مدينة ابلاق أم تخطتها جنوباً؟ وهل من الممكن أن تكون الحملة قد قطعت كل هذه المسافة بين اسوان ودنقلة عبر مناطق مأهولة بالسكان و مدن وقلاع محصنة؟ وكيف تم ذلك؟ هل سارت عبر البر أو البحر؟ وكم عدد المعارك التي خاضتها حتى وصلت دنقلة؟ وكيف أمنت خط ظهرها متوغلة في البلاد؟ وقبل كل ذلك هل كان المسلمون مستعدون من حيث العدد والعتاد لمثل تلك الحروب؟ وهل من الممكن أن يسكت ويتجاهل ابن حوقل بقية فتوحات عبد الله بن سعد جنوب مدينة ابلاق لو أن ذلك قد تمّ فعلاً؟ وهل من الممكن أن تسكت كل المصادر عن كل ذلك إذا افترضنا أن الحملة وصلت إلى دنقلة؟ لا أعتقد أن كل المصادر تسكت عن أحداث حملة قد تستغرق على الأقل ثلاثة أشهر في عملياتها، وقد تكون خاضت عشرات المواقع الحربية أمام جنود وصفوهم بالقوة والجرأة والشجاعة حتى عبر ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص 122) عنهم بقوله: "فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم" ثم هل من المعقول أن يتجشم عبد الله بن سعد كل تلك المسافات ويخوض كل المعارك على الطريق إلى دنقلة ليصالح النوبة على الرقيق بالمُقابل، كما ذكر ابن خرداذبة مثلاً: "صالحهم على ثلاثمائة رأس هذية ليست بجزية ولا خراج. ولهم على المسلمين العوض على الموادعة" أرى ان عبد الله بن سعد لم يتعد مدينة ابلاق جنوباً إذ لو حدث ذلك لتناقلت المصادر أخبار الزحف والحروب التي من المفترض خوضها مسافة نحو خمسين مرحلة.

ونواصـــل