عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
مفهوم التنوع العرقي في السودان

تعرضنا في موضوعنا السابق لما ورد في خطاب السيد الصادق المهدي في المحاضرة التي أقامها الاتحاد العام للطلاب السودانيين يوم 22 أبريل 2014 عن الهوية العربية الاسلامية. ونواصل هنا التعليق على ما ورد في الخطاب عن الإثنيات في السودان.

تناول السيد الصادق الإثنيات في السودان في عدد من المواضع في خطابه بدأها بالحديث عن الهوية الاسلامية العربية التي تأسست على الإثنية العربية كما يتضح من خطابه الذي وصف فيه أصحاب هذه الهوية بأنهم : (أمة أصلها العرب *** دينها خير دين يحب) ووضح الصادق المهدي كيف أن تبني هذه الهوية الأحادية أدي إلى تولد التوجهات الافريقانية المعارضة. كما أشار إلى أن النظام الحاكم استخدم التناقض الإثني لحشد التأييد لسياسته وبين النتائج المدمرة التي ترتبت على  ذلك.  ولا أرى أن هنالك تناقض إثني في السودان، لكن النظام استغل الصراع القبلي الذي يحدث أحياناً بين أفراد القبيلة الواحدة ووجهه لتحقيق المكاسب السياسية. وقد وضحت دراسات الحامض النووي والدراسات التاريخية واللغوية الكثير من السمات والقواسم المشتركة بين مختلف الإثنيات في السودان. 

وأود هنا التوقف مع بعض ما ورد في خطب السيد الصادق المهدي في النقطتين العاشرة والخامسة، جاء في الفقرة العاشرة: "السودان شعب أغلبية أهله مسلمون تساكنهم مجموعات وطنية متعددة الأديان، ولغة الخطاب فيه عربية تعايشها ثقافات زنجية ونوبية ونوباوية وتبداوية"(بجة )

تناولت ما يتعلق بالهوية الاسلامية العربية في هذه الفقرة في الحلقة السابقة، وأشرت أعلاه أن أصحاب هذه الهوية كما ورد في الخطاب "أمة أصلها العرب" فهذه الهوية تأسست على الإثنية العربية. وقد قسمت هذه الفقرة  - من ناحية ثانية - سكان السودان إلى قسمين 1- "أغلبية مسلمة لغتها عربية" و2. "مجموعات وطنية متعددة الديانات والثقافات"  والسؤال الذي يبرز هنا هو: هل هنالك مسلمين ومتحدثي العربية بين أفراد المجموعة الثانية ذات الثقافات الزنجية والنوبية بشقيها والبجاوية؟  بالطبع الاجابة نعم. والسؤال الثاني: إذاً لماذا فصلوا من المجموعة الأولى المسلمة متحدثة العربية ؟

الجواب هو أن هذا التقسيم في الأساس قام على الإثنية، فليس كل مسلم يتكلم العربية في هذه الحالة عربيّاً. فالعربي هو الذي لغته الأم عربية. أما الذي يتكلم لغة أخرى (رطانة) فهو غير عربي، وبالتالي لا يدخل في هوية المجموعة العربية المسلمة الذين لا رطانة لهم. الانتساب للعروبة ظهر - يا سادتي - في عصر دولة الفونج، أي قبل نحو خمسمائة سنة فقط. والزنوج مصطلح إن وجد في السودان فهو في حدود لا تكاد تذكر، فأين هم سكان السودان قبل خمسمائة عام ؟

وجاء في الفقرة الخامسة في خطاب السيد الصادق المهدي عن سكان السودان: "في السودان تنوع إثني من خمسة مجموعات: عربية ، زنجية، بجاوية، نوبية ونوباوية"

هل يتكون كل سكان السودان من هذه الاثنيات الخمس فقط ؟ أين موقع قبائل الفور والبرتي والميدوب والتنجر والداجو والزغاوة والميما والمساليت والمسبعات والقرعان وأم بررو والبرقو والبرنو والفلاني والفلاته والهوسى والتكرور والبرتا والبرون والوطاويط والهمج والانقسنا والقمز وكثير غيرهم. أين يقع هولاء من تقسيم السيد الصادق المهدي؟ ومن هم العرب والزنج  في السودان ؟ ومن هم النوبا بشقيهم الجنوبي والشمالي ؟

كل هذه الأسماء - باستثناء البجة - ذات مدلولات حديثة في السودان، ولا تعبر كلها عن تاريخ وتراث كل الشعب السوداني. هذه الإثنيات وأسماء القبائل المتعددة المعروفة حالياً في الوسط والشرق والغرب والشمال ترجع - ما عدا النوبا والبجة - إلى ما بعد القرن 15 الميلادي. فأين هم سكان السودان قبل ذلك ؟  كان السودان قطراً مأهولاً بالسكان ذوي نشاطات مختلفة من زراعة ورعي وصيد، قامت فيه الممالك وشيدت فيه المدن. ورصدت المصادر القديمة ذلك التراث. ويمكن إلقاء نظرة سريعة على بعض ما ورد في بعض المصادر اليونانية والرومانية والعربية.

كان اسم سكان السودان منذ الألف الثالث قبل الميلاد  كما ورد في الآثار المصرية القديمة هو "كوش" وعرف  أهله بالكوشيين وحكامهم "بملوك كوش" وظل هذا الاسم علماً على الدولة والشعب والملوك حتى عصر مملكة مروي آخر الممالك الكوشية القديمة التي انتهى حكمها في القرن الرابع الميلاي. 

ثم عرفت افريقيا جنوب الصحراء بما في ذلك السودان في المصادر اليونانية والرومانية باسم اثيوبيا، وعرف سكانها بالاثيوبيين. واشتهر هذا الاسم في ذلك الوقت للدلالة على سكان المملكتين الكوشيتين نبتة ومروي وسكانهما. ومعني الاسم السكان ذوي البشرة السوداء، أي "السود"، كما استخدمت تلك المصادر و المصادر الآثيوبية اسم النوبا للدلالة على سكان مملكة مروي. ثم جاء العرب وأطلقوا اسم السودان أي "السود"  بنفس الدلالة التي استخدمها اليونانيون والرومان للاسم. وإلى جانب اسم السودان خصصت المصادر العربية اسم النوبا للدلالة على سكان مملكتي علوة ومقرة، كما استخدمت اسم الحبش للدلالة على سكان اثيوبيا الحالية وفي بعض الأحيان للدلالة على سكان السودان أيضاً. 

وقد وردت في المصادراليونانية والرومانية معلومات غزيرة عن سكان السودان ومدنهم (في سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان) مثال ذلك ما نقله بليني عن بيون الذي عاش في بداية القرن الثالث قبل الميلاد  من أسماء أكثرمن أربعين مدينة ومناطق حضرية بين دارفور والبحر الأحمر وذكر أسماء 18 قبيلة لا يوجد من تلك الأسماء اليوم سوى النوبا. ومن أمثلة تلك الأسماء بين النيل الأزرق بين النيل والجبال: السمباريون والفاليجي، والأسخان وهم مجموعة من القبائل يسكنون الجبال... يعتمدون في رزقهم على صيد الأفيال الجبال"  

أما المصادر العربية فقد أسهبت في تناول سكان السودان قبل القرن الخامس عشر. فعلى سبيل المثال ذكر ابن حوقل وابن سليم الأسواني من بين سكان مملكة علوة: العنج والكرنيكا وتكنة ومرنكة وكرسي وطُبلي والأحديين وأندا أزكرسا والتبان وكنكا. وحدد ابن حوقل حدود مملكة علوة شرقا بمملكة تفلين في دلتا القاش وغرباً ببلد أمقل التي قال عنها:  

"ناحية كبيرة ذات قرى لا تحصى وأمم مختلفة ولغات كثيرة متباينة لا يحاط بها ولا يبلغ غايتهم يعرفون بالأحديين، وفيهم معادن الذهب الجيد والتبر الخالص والحديد متصلين بالمغرب إلى ما لا يعرف منتهاه، زيهم زي المغاربة، أرباب جمال وخيل ورازين غير تامة الخلق لقصرها وقرب لبودها، وسلاحهم فيه درق كدرق المغاربة بيض وحراب، وسيوفهم أيضا غير تامة، وفيهم جند يلبسون السراويلات المفتحة الطوال ونعالهم كنعال المغاربة وهم على النصرانية، وهم في طاعة ملك علوة". 

وعن قبائل شرق السودان ذكرت المصادر: الحداربة والبلين والزنافجة والخاسة إلى جانب والبجة الداخلة الذين  قال عنهم ابن سليم "في صحراء بلد علوة مما يلي البحر الملح إلى أوّل الحبشة، ورجالهم في الظعن والمواشي واتباع الرعي والمعيشة، والمراكب والسلاح، كحال قبائل الداخل" ومن الأسماء التي وردت عند ابن حقل عن قبائل الداخل: قعصة وبواتيكة وكديم والماتين وبازين وبارية والحلنقة.

معرقتنا الحالية يا سادتي عن سكان السودان وقبائله تأسست على المفاهيم التي سادت في السودان منذ نحو ثلاثة أو أربعة  قرون فقط، وحفظتها لنا روايات التراث المحلي عن أصول سكان السودان. فكل أسماء قبائل السودان المعروفة اليوم - ما عدا القليل جدا - أسماء جديدة  لم تكن موجودة قبل نحو ثلاثة أو أربعة قرون.

نواصل: الاثنيات في السودان كما وردت في المخطوطات المحلية