الحدود الدولية للامبراطوريات والمستعمِرين تزول بزوال من أوجدوها


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحدود الدولية
الحدود بين الدول قد تكون حدوداً طبيعية مثل الجبال والبحيرات والأنهار والصحارى أو حدوداً اصطناعية يتفق عليها الطرفان لتكون فاصلاً بين الدولتين. والحدود الدولية الآن يحميها القانون الدولي الذي يحافظ على كيان وسلامة وسيادة الدول. وقد كان العرف الدولي السائد في السابق يخول الممالك والامبراطوريات حق التوسع وضم ما تتمكن الاستيلاء عليه من أراضي إلى حدودها أي أنه لم تكن هنالك حدوداً دولية ثابتة، بل يعتمد امتداد الحدود وانحسار على قوة وضعف الدول. وقد لعبت الهجرات وتحركات الشعوب والحروب دوراً كبيراً في رسم الحدود بين الدول.
وتعود الحدود الدولية الحالية في افريقيا بصورة أساسية إلى الاتفاقيات التي تمت بين القوى الاستعمارية لتقسيم أراضي القارة، وإلى التسويات التي أعقبت الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد سيطر المستعمرون على شعوب القارة الافريقية عبر نوعين من السيادة. تمثل أحدهما في الاحتلال العكسري مع المحافظة على تراث وخصوصيات الشعوب المحكومة مثل الاستعمار البريطاني في السودان. والنوع الثاني هو الذي تعتبر فيه البلاد المستعمَرة (بفتح الميم) جزء من البلد الذي تخضع له وضمن حدوده. وتذوب في هذه الحالة هوية الشعب المحتل في ثقافة وهوية المستعمِر مثل الحال في الاستعمار الفرنسي لدول المغرب والجزائر وتونس.
لكن بعد زوال الاستعمار وتحقيق تلك الدول استقلالها واعتراف المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة بها أصبح للدول حدودها الدولية التي قبلت بها عند الاستقلال. وغالباً ما تكون تلك الحدود هي الحدود التي كان قد وضعها المستعمِر مراعياً فيها مصالحه الاستراتيجية فقط بغض النظر عن واقع ذلك التقسيم على الشعوب التي تقيم على تلك الأراضي، مثل الحدود الشمالية بيننا وبين مصر. ولذلك فإن أغلب الحدود الدولية في افريقيا تعتبر حدوداً غير حقيقية false borders مثل الحدود الدولية التي فرضها الحلفاء على شرق أوربا وقامت الشعوب الآن بتصحيحها.
وسنتناول في هذه السلسلة من المقالات الحدود بين مصر والسودان عبر التاريخ لنتبين حقيقة تبعية المناطق التي وضعت عليها الخطوط الحدودية الفاصلة بين الدولتين. وينبغي علينا قبل بداية  تناول تلك الحدود ضرورة الانتباه إلى أنه يوجد فرق كبير بين التبعية التاريخية لمناطق الحدود وبين التوسع الامبراطوري أو الاستعماري. فحدود التوسع  الامبراطوري والاستعماري تعتبر حدوداً ارتبطت بمرحلة وجود تلك الامبراوطرية أو الواقع الاستعماري، وتزول تلك الحدود بزوال من أقامها. وذلك مثل حالة المملكة المتحدة التي لم تكن الشمس تغيب عن حدود أملاكها في قارات أمريكا وافرقيا وآسيا، ومثل توسع تركيا (الدولة العثمانية) في عرب آسيا وشمال افريقيا والسودان.
حدود مصرالجنوبية على النيل في العصور القديمة
مصطلح العصورالقديمة يطلق على كل مراحل التاريخ القديم السابق لانهيار الامبرطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي. ولذلك سنتناول تحت هذا العنوان - بما يتيسر من مصادر - حدود مصر الجنوبية مع السودان منذ عصر ما قبل الأسرات (قبل القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد) وحتى القرن الخامس الميلادي، أي أننا سنحاول تتبع تلك الحدود خلال أربعة ألف سنة. ويلاحظ أن كل حدود مصرالجنوبية في الشرق والغرب والوسط كانت ولا زالت تجاور السودان. وسنبدأ بالمنطقة الوسطى المطلة على النيل، وسنقوم بالتعرف على تلك الحدود من الجانب المصري لتوفر المعلومات الواردة عنها وحرص الأسرالتي تعاقبت على حكم مصر من اثباتها.
والمنطقة مجال البحث والتي سنقوم من خلالها بالتعرف على حدود مصر الجنوبية هي منطقة أسوان الحالية وامتدادها جنوبا حتي منطقة وادي حلفا. وهي المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول والثاني، وقد عرفت هذه المنطقة في تلك العصور المبكرة باسم "واوات" ثم اشتهرت عند المؤرخين باسم النوبة السفلى تمييزاً لها من النوبة العليا التي تقع جنوب وادي حلفا. وإطلاق لفظ سفلى وعليا نسبة لانحدار مياه النيل من المناطق العليا جنوباً نحو المناطق السفلى شمالاً. وقد لعبت هذه المنطقة دوراً بارزاً في حضارة وتاريخ وادي النيل منذ بداياته المبكرة.
وقد جرت عادة المؤرخين على إطلاق اسم النوبة على هذه المنطقة وامتدادها جنوباً حتى جنوب الشلال الثالث، وأحياناً حتى جنوب الشلال السادس. وفي واقع الأمر فإن استخدامنا لكلمة نوبا فية الكثير من التجاوز والخلط. فنحن نتحدث عن النوبا منذ عصر ماقبل عصر الأسرات في الوقت الذي ظهر قيه اسم النوبا بعد نحو ثلاثة ألف سنة من ذلك العصر
النوبا في المصادر اليونانية والرومانية هم سكان شمال ووسط وغرب السودان
تناول زاهر حواس كلمة نوبا في بحثه عن "حدود مصر الجنوبية منذ عصور ما قبل الأسرات حتى نهاية عصر الانتقال الثاني" المنشور في كتاب (الحدود المصرية السودانية عبر التاريخ، إعداد عبد العظيم رمضان ص 49) والبحوث المنشورة في الكتاب هي أعمال ندوة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة بالاشتراك مع معهد البحوث والدراسات الافريقية بجامعة القاهرة اي عقدت لفي ديسمبرعام 1997. أعد بحوث تلك الندوة مجموعة متميزة من الأساتذة المصريين. يقول الدكتورحواس أثناء تناولة كلمة نوبا: "يعتقد الكثيرون أنها مشتقة من الكلمة المصرية القديمة " نبو" وتعني الذهب ... ولم يُعثر على هذه التسمية في أي وثيقة من الوثائق المصرية القديمة أو البطلمية." وذكر حواس أن اسم النوبا ورد لأول مرة عند المؤرخ الروماني سترابو نحو نهاية القرن الأول قبل الميلاد.
وفي واقع الأمر فإن اسم النوبة ظهر في المصادر اليونانية قبل عصر سترابو.  ولم يرتبط  اسم النوبا في ذلك الوقت بمنطقة شمال السودان، فقد ذكر اراتوثينس وارستوكريون في القرن الثالث قبل الميلاد وجود النوبا في مناطق  النيل الأزرق ومنطقتي صحراء بيوضة وشمال كردفان الحاليتين، وأشار إليهم أجاثرخيدس في القرن الثاني قبل الميلاد في الصحراء الواقعة إلى الغرب من النيل. ثم ذكرهم سترابو إلى جانب التروجلودويت والبليميين والميجاباري في جنوب مصر، ثم ذكرهم بطلميوس في القرن الأول الميلادي في مناطق شمال دارفور(انظر لكل ذلك سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان صفحات 70 و79 و129 و165) وفي القرن الرابع الميلادي أشارت النقوش الأكسومية إلى وجود النوبا في مناطق الجزيرة والبطانة الحاليتين وعلى طول نهر النيل. 
فاسم النوبا في تلك الفترة لم يكن يشير فقط إلى سكان جنوب كردفان وشمال السودان بل  كان اسماً عاماً يكاد يكون مرادفاً لاستخدام اسم "اثيوبيا " في المصادراليونانية والرومانية. وقد تناولنا هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الفصل الرابع من الجزء الأول من كتابنا: الوعي بالذات وتأصيل الهوية، وفي  الفصل الثالث من الجزء الثاني من نفس الكتاب.
وقد شاءت الأقدار أن يبدأ دمار تاريخ وتراث منطقة النوبا السفلى بإنشاء خزان أسوان في مطلع القرن العشرين بعد أن وضعت حكومة مصر هذه المنطقة داخل الحدود المصرية بمقتضى اتفاقية عام 1998. وانتهت المرحلة الأولى من تشييد الخزان بارتفاع 13 قدماً عام 1902. وتمت تعليتة الثانية إلى 16.5 قدم، وفي عام 1933 زيدت تعليته إلى 18 قدماً. ثم أتي المسح الشامل لهذه المنطقة واختفائها تحت مياه بحيرة النوبة عند انشاء السد العالي الذي بلغ علوه 200 قدم وبسعة تخزينية يبلغ نحو أربعة ترليون قدم مكعب من الماء.
وسنتناول بإيجاز تاريخ الحدود بين مصر والسودان منذ العصور القديمة لنتبين تبعية هذه المنطقة عبر العصور، تاركين فرصة الخوض بالتفصيل في ذلك إلى وقت لاحق، أو إلى من يقوم بهذا العمل من المهتمين بذلك التراث، وسنبدأ بالحديث عن حدود مصرالجنوبية قبل القرن  20 قبل الميلاد.
///////////