عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نشر هذا المقال قبل عدة سنوات في موقع سودانايلقبل أن يكمل الموقع إعداد أرشيفه. وقد تطرقت إليها كثيراً مع بعض الزملاء والطلبة فطلبوامني إعادة نشرها للاطلاع عليها كاملة، وها أنا ذا أقوم بذلك وأرجوا من الأخ طارق الجزولي – مشكوراً – أن يستجيب لمطلب القراء.  
------
سادت الملكية المقدسة شعوب العالم القديم حيث اعتقدت بعض الشعوب في ألوهية ملوكهم وتأثير أولئك الملوك على أوضاعهم المعيشية والأمنية فقدسوهم وعبدوهم. وظلت بعض الشعوب تمارس هذه العادة حتي وقت قريب. وقد ارتيط مفوم الملك المقدس أو الملك الالآه في تراث بعض الشعوب وبخاصة الافريقية ارتباطا قويا بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فأمن وسلامة القبيلة ونزول المطر ووفرة الغذاء وسلامة المواشي كل ذلك مرتبط بالملك ومدى قدرته على القيام بواجباته. وقد كتب Sir James George Frezer موضوعا قيما وضح فيه "قتل الملوك حين تضعف قواهم"Kings Killed When Their Strength Fails,  http://www.bartleby. com/196/62 .html  ألخص بعضا منه فيما يلي:

ساد الاعتقاد بين بعض القبائل أن حياتهم وسلامتهم بل وسلامة العالم ومسار الظواهر الطبيعة من حولهم مرتبطة بحياة ملكهم الإلآه. ولذلك فهم يولون اهتماما كبيرا بحياة أولئك الملوك الآلهة الذين ينبغي أن يكونوا على الدوام أقوياء وفي كامل صحتهم ونشاطهم قادرين على ممارسة كل مهامهم. فإذا ما تعرض الملك للمرض أو العجز يعني ذلك تهديد سلامتهم وتعرض مواشيهم وزراعتهم للخطر. فعجز الملك أو تعرضه لأي خطر يعني كارثة على حياة الفبيلة.

غير أنهم مهما بذلوا من العناية لا يستطيعون حماية ملوكهم من التقدم في السن وما قد يعتريه من ضعف، ولذلك فالحل الوحيد عند ظهور أي بوادر ضعف على الملك أن تحل روحه سريعا قبل أن يصيبها الضعف في الشخص الذي سيلي السلطة بعده والذي ينبغي أن يكون سليما وقويا، ويتم ذلك بقتل الملك لتحل روحه في خلفه.

فإذا مات الملك موتا طبيعيا فإن روحه ستنفصل طوعيا من جسده وفي هذه الحالة – كما يعتقدون – فقد ترفض العودة أو تظل أسيرة السحرة والشياطين فلا يكتسب الملك الجديد القداسة وقدرة الإلاه، لأن القداسة في الروح وينبغي أن تحل الروح وهي في كامل قوتها في الملك الجديد. وحتى لو تعرض الملك لموت طبيعي وتمكن زعماء القبائل من قبض روحه وحلولها في خلفه تكون الروح قد أصابها التعب والارهاق فتكون ضعيفة حال حلولها في خلفه فلا يتمكن من القيام بمهامه بصورة مرضية. ولذلك فلابد من قتل الملك متى ما ظهرت عليه أي بوادر عجزٍ.

ويتم قتل الملك وفقا لطقوس دينية معينة يقوم بها زعماء القبيلة وتختلف هذه الطقوس من قبيلة لأخرى كما تختلف الطريقة التي يتم بها قتل الملك ومن يقوم بتلك المهمة.

وقد سادت هذه العادة في الكثير من القبائل الافريقية، كما عُرفت في السودان أيضا. فقد مورس القتل الطقسي في بعض مراحل مملكة مروى كما أشار إلى ذلك سير جيمس جورج فريزر في مقاله الذي أشرنا إليه. وقد نقل ماكمايكل عن ديودورس الصقلي أن نفوذ كهنه مروي كان كبيرا وكانوا يأمرون الملك أن يقتل نفسه حينما يقررون أنه لم يعد صالحا للمارسة السلطة، وذكر أن هذه الممارسة استمرت حتى أيام الملك اركامِن Ergamenes أو Arq    Amen الذي كان معاصرا لحكم الملك بطلميوس الثاني 284- 247 ق م، فعندما طلب الكهنة من الملك قتل نفسه رفض الانصياع لأمرهم وقتلهم. H. M. MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan. London: Frank Cass & Co. 1967 Vol. 1 p 42-43 )

كما نقل ماكمايكل ايضا عن بروس أن ملك الفونج كان يعلم قبل اعتلائه العرش أنه ربما يقتل على يد أحد أتباعه إذا ما قرر محلس الزعماء تنحيته عن السلطة. وكان سيد القوم في البلاط السناري هو الذي يقوم بمهمة قتل الملك لكنه لا يملك سلطة عزله مها ارتكب الملك من جرائم.(وانظر كذلك: يوسف فضل حسن، القتل الطقسي عند الفونج، مجلة الدراسات السودانية 1- 2 (1970)

وقد ورد في مخطوطة تاريخ سنار(انظر ماكمايكل ج 2 ص 364) أن فونج الجنوب المعروفين "بجنود لولو" عندما بلغهم سوء سلول ملك الفونج أونسا قرروا عزله لأنه كانت لديهم سلطة تعيين وعزل الملك دون قتله. ورغم محاولات أونسه ووساطاته لهم انصاع أخيراً إلى أمرهم بعد أن حصل على ضمان بسلامته وسلامت أسرته.

وما رست قبيلة الشلك عادة  القتل الطقسي أيضا إذا ما ظهر على ملكهم أى بوادر ضعف تعوق أداء مهامه بصورة مرضية. ومظاهر الضعف عندهم تتضمن العجز الجنسي (الاخصاب)، فإذا بلّغت زوجات الملك زعماء القبيلة بعجز الملك الجنسي ينبغي قتله. وقد يقتل الملك إذا ما تحداه أحد على السلطة ويتم ذلك في قتال حتى الموت بين الملك ومتحديه.

أما قبيلة الدينكا فإن القتل الطقسي عندهم كان يقع على الكجورrain maker   لأهمية المطر القصوى في حياة القبيلة فلا بد أن يكون الكجور في كامل قواه. وعندما يصير الكجور عجوزا يخبر أبناءه بأنه يريد أن يموت فيتم ذلك في حفل يدفن في نهايته حيا.    

وقد ورد في مخطوطة صغيرة عن تاريخ العبدلاب (في ماكمايكل رقم D, 5 a  لم أر الأصل العربي، وقد ترجم ماكمايكل جزء منها  Vol 2 p 333) ما يلي:

"من إحدى عوائد العبدلاب أن شيخهم كان عرضة للقتل في أي وقت، ويتم ذلك على يد أحد أبناء عمومته. فإذا قرر أحد أبناء العم قتل الشيخ  يخبره بذلك ويوافق الشيخ خشية وصمه بالجبن في حالة الرفض. فيستعد الشيخ للقتل ويحلق شعر رأسه ويصلي ثم يضع سيفه أمامه ويجلس متجها نحو القبلة منتظرا قدوم ابن العم. ويأتي ابن العم ويطلب الإذن بالدخول، فيدخل ويقف خلف الشيخ ويقطع رأسه دون أن يقول شيئاً، ثم يدخل زعماء القبيلة ويضعون الطاقية على رأس ابن العم رئيساً جديداً للقبيلة. وكانت هذه عادتهم منذ القدم."

جُمعت هذه المخطوطة مع بعض المخطوطات الأخري عام 1913 بواسطة أحد المفتشين في مصلحة المعارف ( Department of Education) وهي بالطبع عبارة عن روايات محلية متداولة – مثل شجرات النسب – تم تدوينها في فترات مختلفة منذ القرن السادس عشر الميلادي. وتحمل هذه المخطوطة عنوان " تاريخ العبدلاب"

ولا توجد معلومات في الوثيقة – النص المترجم الذي اطلعت عليه – عن الأسباب التي تؤدي إلى قتل الشيخ، ولماذا يقوم بهذا العمل أحد أبناء عمومته؟ فلماذا مارس العبلاب هذه العادة التي لم تعرف عند القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية؟ وما هو مصدرها؟ أعتقد أن التفسير المقبول أن هذا القتل هو القتل الطقسي الذي كان معروفا وممارسا في المطقة التي أسس عليها العبدلاب مملكتهم، فمصدره القبائل المحلية.

وأغلب الظن أن الذي دون هذ الخطوطة عن تاريخ العبدلاب كان هدفه تسجيل تراث هذه القبيلة للدور الكبير الذي لعبته في تارخ السودان الحديث، وكان من بين ما دونه هذه العادة التي لم يعلق عليها، وكل ما قاله أن "هذه هي عادتهم منذ القدم" ولو افترضنا أن هذه المخطوطة دونت في بداية القرن العشرين فهي بدون شك تحمل روايات ترجع إلى ماضٍ بعيد مثل رواية القتل الطقسي هذه، فمتى بدأت؟ ومن أين اكتسب العبلاب هذه العاده الافريقية الجذور غير المعروفة لدى القبائل العربية التي ينتسب إليها العبدلاب؟ وكيف حدث ذلك؟ تحتاج مثل هذه الأسئلة إلى المزيد من البحث والتقصي.