مفهوم المواطنة والهًوِية في التراث الاسلامي

وإذا انتقلنا إلى غرب آسيا - حيث شبه جزيرة العرب - قبل الاسلام نجد أن الهوية كانت قبلية، فالفرد ينتمي للقبيلة. لم يكن هنالك كيان سياسي واحد ضم سكان شبه الجزيرة، حتى الممالك التي قامت هناك - باستثناءات قليلة في الجنوب – قامت على أسس قبلية. فالقبيلة كانت محور الحياة في شبه الجزيرة، يتمتع المنتمي للقبيلة بالأمن وكافة الحقوق المتعلقة بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية. والانتماء للقبيلة ليس من الضروري أن يكون عبر صلة الدم، فالقبيلة بصورة عامة تنتمي إلى جدٍّ واحد يرجع إليه نسب أفرادها. ولكن لم تكن رابطة الدم شرطاً في الانتماء للقبيلة. فقد تضم القبيلة شخصاً لا صلة له بها، ويعرف ذلك بنظام الولاء يتمتع الفرد فيه بكافة حقوق الأفراد الآخرين الذين يتمتعون بصلة الدم في القبيلة. 

 

فالعرق هنا رغم أهميته لم يكن ركناً حاسماً في الانتماء، والانتماء للعروبة كهوية جامعة كما يقول المؤرخ العراقي المشهور والمتخصص في تاريخ العرب القديم جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 1 ص 22-23) لم يحدث إلا في القرون القليلة السابقة للاسلام، وكانت الهوية قبل ذلك هوية قبلية.

 

ويضيف الدكتور السيد عبد العزيز سالم (تاريخ العرب قبل الاسلام ص 44) "ولا نعرف على وجه الدقة متى استخدم لفظ "عرب" للدلالة على معنى قومي يتعلق بالجنس العربي، والقرآن الكريم هو أول مصدر - ولا يرتقي عن الاسلام إلى عهد جدّ بعيد – استخدم فيه لفظ العرب للتعبير بوضوح عن الجنس العربي." (تمت مناقشة هذه الموضوعات في كتاب للمؤلف بعنوان السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية طبع في ماليزيا 2008 ص 10 - 14)

 

وحدث تغيركبير لمفهوم المواطنة بعد ظهورالاسلام، فبقيام دولة المدينة بعد هجرة الرسول () توحدت الانتماءات العرقية والقبيلة القديمة في شبه الجزيرة في هوية جديدة وهي الانتماء للأمة بغض النظر عن العرق أو اللغة أو الدين. فسكان المدينة من عرب ويهود وغيرهم من فرس وروم وحبش مسلمين وغير مسلمين وأصبحوا جميعا مواطنين في دولة المدينة.

 

فالمواطنة أصبحت حق تمتع به كل المواطنون وفقاً لنصوص وثيقة المدينة التي جاء فيها: "هذا كتاب من محمد النبي() بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس ... وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ... وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتق [أي يهلك] إلا نفسه. وأن ليهود بني النجار ... وليهود بني الحارث ... وليهود بني ساعدة ... وليهود بني جُشَم ... وأن ليهود بني الأوس ... وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ..." 

 

وقد وضعت وثيقة المدينة - أو دستور دولة المدين كما يطلق عليها أيضاً – أسس الدولة التي تأسست بالمدينة مباشرة عقب وصول الرسول () إليها. وأطلقت الوثيقة على سكان دولة المدينة اسم "الأمة"، ووضحت أن الأمة تكونت من المهاجرين من قبيلة قريش ومن سكان مدينة يثرب، وكان هذا هو اسمها الذي تغير بعد هجرة الرسول إليها إلى المينة "مدينة الرسول". 

 

ووضحت الوثيقة أن سكان المدينة نواة الأمة، التي تكونت في  بدايتها من العرب (قريش وعرب المدينة)  ومن اليهود. وإلى جانب هؤلاء كانت هنالك بعض العناصر والأفراد الآخرين من غيرالعرب واليهود مثل مواليهم الذين أشارت إليهم الوثيقة باعتبارهم جزءاً من الأمة، بالاضافة إلى العناصر والأفرد الآخرين الذين لم تشر إليهم الثيقة صراحة مثل الفرس ممثلين في سلمان الفارسي والحبش ممثلين في بلال الحبشي والروم ممثلين في صهيب الرومي، انتمى هولاء بحكم الواقع للأمة. وفُتِح باب تكوين الأمة – كما نصت الوثيقة – لمن لحق بهؤلاء، والمقصود بذلك من سينضم للأمة في مراحل تكوينها التالية. لأن  حدود الأمة في ذلك الوقت كانت منحصرة في المدينة فقط.

 

وقد عالجت نصوص الوثيقة  أوضاع المواطنين (أفراد الأمة) في الدولة، ولم تميز بين عرق وآخر، فالكل ينتسبون للأمة بغض النظر عن عرقهم ودينهم ولغاتهم وثقافاتهم. وهنالك من يرى أن الأمة تتكون من المسلمين فقط وليس هذا بصحيح بناءً على نص وثيقة الرسول() التي وضحت أن لليهود التابعين للأمة دينهم، ولم تلزمهم بالاسلام كما لم تلزمهم الخروج من حدود الأمة. وقد إجلى الرسول () اليهود من المدينة لأنهم نقضوا شروط وثيقة المدينة، وظل بقية اليهود شمالي المدية مقيمين في مواطنهم حتى عصر الخليفة عمر بن الخطاب.    

  وتوسعت دولة المدينة في العقود التالية لعصر الرسول () حتى وصلت إلى الهند شرقاً والأندلس غرباً، وسارت الدولة على نهج وهدي وثيقة المدينة، وأصبح الانتماء الأول لكل المواطنين للأمة.  ولأن مجتمع الأمة مجتمعاً عالميّاً انتظم أجناساً وديانات ولغات وثقافات متعددة، فقد اعترف بالانتماءات المحلية والعرقية والقبلية ولم يلغها إلغاءاً كاملاً بل جعلها تعريفاً وهويةً ثانوية أو صغرى تابعة للانتماء للأمة.

 

ولذلك نجد بعض الألقاب مثل الأندلسي والبغدادي والقرشى. تلك الألقاب أشارت إلى تعريف يأتي في مرتبة تالية للهوية العامة. فالمواطنة من وجهة النظر الاسلامية انتماء عام للأمة بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللغة. وكل السكان داخل حدود الخلافة في المراحل المبكرة من تاريخ الدولة الاسلامية حتى القرن الثالث الهجري تمتعوا بكامل حقوق المواطنة. ومنذ القرن الثالث تعرضت الأوضاع السياسية لظروف جديدة، وقامت العديد من الدول الاسلامية، فماذا حدث للمواطنين ولمفهوم المواطنة بعد تلك التغيرات؟   

 

وقبل الإجابة على هذا السؤال نتوقف قليلاً مع بعض القواميس العربية المبكرة لنرى كيف أتى معنى "أمة" فيها. عرف الخليل بن أحمد في كتاب العين (ج 2 ص 212 موقع الوراق) الأمة بأنها: "جماعةٌ أرسل إليهم رسولٌ  سواء آمنوا أو كفروا. وقال الليث كل قوم نسبوا إلى نبى فأضيفوا إليه فهم أمته" وعرف الزبيدي في تاج العروس من جواهرالقاموس (ج 1 ص 7609 موقع الوراق) الأمة بإنها:

 

"كلّ قومٍ نُسِبوا إلى نبيٍّ وأضيفوا إليه فهم أمّته.. وقد يجيءُ في بعضِ الكلام أنّ أمّة محمّد صلّى الله عَليه وآله وسلّم هم المسلمون خاصّة، وجاء في بعض الحديث: أنّ أمّته من أُرسل إليه ممن آمن به أو كفر به، فهم أمّته في اسم الأمّة لا الملّة

 

ووفقاً لتعاريف التراث فإن مفهوم الأمة يبدوا واسعاً يتعدى حدود الدولة. فرسالة الاسلام عالمية، والرسول محمد () أرسل إلى الناس كافة، وبناءً على تعريف الخليل والزبيدي فأمة محمد تتمثل في كل من أرسل إليهم، وبما أن الرسول محمد () أرسل إلى الناس كافة، فأمته تصبح ممثَّلة في كل الشعوب منذ عصر بداية الدعوة حتى الوقت الحاضر. وبالطبع كان هذا هو المفهوم القديم للأمة. فكان مفهوم الأمة والمواطنة في تراثنا لا يرتبط بالحدود بل يتعداداها إلى المجتمع العالمى.

 

وإذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية الحديثة وجدنا تعريفاً مختلفاً تماماً عن المعاني التي وردت في القواميس المبكرة. فالمعجم الوجيز الذي أعده مجمع اللغة العربية بمصر يعرف الأمة بأنها "جماعةُ الناس الذين يكونون وحدة سياسية، وتجمع بينهم وحدة الوطن واللغة التراث والمشاعر" جاء هذا التعريف معبراً عن واقع المسلمين المعاصر، فالمسلمون اليوم يعيشون في دول متعددة.

 

ودول المسلمين اليوم قامت على نمط الدول القومية الأوربية التي تجعل من الحدود سدّاً منيعاً أمام تحرك السكان من  دولة إلى أخرى، ولا يتمتع السكان خارج حدود دولتهم بحقوق المواطنين في الدولة الآخرى حتى ولو اشتركوا مع سكان تلك الدولة في العرق واللغة والدين والتاريخ المشتركما هو الحال في الدول العربية، أو دول عالم الملايو في جنوب شرق آسيا. ومن الجدير بالملاحظة أن أوربا – التى أتت بالدولة القومية وقوانينها – بدأت في التخلي التدريجي عن تلك القوانين، وأصبح الحس القومي ضعيفاً حل محله الانتماء القاري الواسع.

 

ووفقاً لتعريف القواميس الحديثة للأمة فهنالك عدد كبير من الأمم بعدد الدول الاسلامية. فكل جماعةُ من الناس تضمها وحدة سياسية، وتجمع بينهم وحدة الوطن واللغة التراث والمشاعر يكونون أمة. فهنالك الأمة السعودية، والأمة العراقية، والأمة المالية، والأمة الماليزية وهكذا. فنحن إذاً لدينا تعريف جديد للأمةً يجعلها أمماً، ويعني هذا إلغاء مفهوم الأمة في تراثنا وتبني مفهوم الأمة القائم على مفهوم الدولة القومية.

 

وإذا حدث أن تغيرت حدود بعض السكان امتد ذلك التغير لهوياتهم. فعلى سبيل المثال لو ضُمّت حلايب للحدود المصرية لتغيرت هوية المواطنين من سودانيين إلى مصريين، ولو وضع الانجليز إقليم وادي حلفا ضمن الحدود المصربة لكان سكانه الآن مصريين، فالمواطنة مرتبطة ارتباطا أساسيّاً بالدولة. فهل دولنا القومية الحالية مثل الدول الاسلامية في تراثنا؟ وكيف نفسر تعريف الأمة الواحدة مع تعدد الدول الاسلامية في تراثتا؟ وهل تغيرت هوية السكان واختلفت حقوقهم بتعدد الدول الاسلامية؟