عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المحور الغربي: هل كان لتشد دور في انتشار الاسلام في السودان؟
تناولنا في الحلقات الماضية بعض الموضوعات الداخلية في خمسة محاور باعتبارها سبب الخلط والقصور وأحياناً الخطأ في فهمنا لتاريخ السلام في السودان. وتبقى محوران أرى ضرورة التعرف عليهما والبحث عن أثرهما على تاريخ الاسلام في السودان وهما المحور الغربي (تشاد) والمحور الشرقي(أثيوبيا). فقد درجنا في دراستنا لتاريخ الاسلام في السودان على حصر توجهنا في المحور الشمالي (مصر) فقط. فهل للمحورين الآخرين دور في تاريخ الاسلام في السودان؟ سنبدأ بالتعرف على المحور الغربي

المناطق الصحراوية شمال السودان وتشاد قبل الاسلام
المنطقة الصحراوية الحالية الواقعة في شمال السودان وشمال تشاد لم تكن صحراء قاحلة كما هي عليه اليوم، بل كانت تتمتع بقدر معقول من الرطوبة ومصادر المياه وفرت الحياة النباتية والحيوانية وبالتالي الحياة البشرية. وقد ارتبطت هذه المناطق ارتباطاً قوياً بدولتي السودان وتشاد منذ العصور القديمة وتواصل ذلك الارتباط حتى ظهور الاسلام. وتوفر لنا الآثار المصرية معلومات تلقي بعض الظلال على أوضاع هذه المناطق.
يعتبر ما دونه القائد المصري حرخوف في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد من أقدم المعلومات عن سكان المنطقة الصحراوية في شمال السودان. قام حرخوف بعدة رحلات إلى المناطق الواقعة جنوب مصر سلك في إحداها طريق الواحة الخارجة وذكر (سليم حسن ص 27) إنه وجد "رئيس يام الذي كان ذاهباً ضد بلاد تمحو" ووضح إنه صاحَبَ رئيس يام في حربه لتمحو، وأثناء عودته ذكر أن بعض جنود يام صحبوه فقال: (ص 27) "ورأى رؤساء إرثت وستو وواوات مقدار عظم جنود يام" ويرى عبد العزيز صالح (ج 1 ص 149) أن الطريق الذي سلكه حرخوف يحتمل أن يكون الجزء الشمالي للطريق الذي عرف فيما بعد بدرب الأربعين.
ومناطق إرثت وستو وواوات تقع جنوب أسوان، وقد كانت منطقة أسوان على مدار التاريخ الحد الشمالي للسودان. وواضح أن المناطق التي ذكرها حرخوف (إرثت وستو وواوات) تمثل وحدات سياسية خاطبها بيبي نخت قائد الملك ببي الثاني بـ "الممالك" في القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد. (سليم حسن، ص 30) ويتضح أن يام كانت أيضاً وحدة سياسية قوية في المنطقة الصحراوية كما وصفها حرخوف، ويمتد نفوذها داخل الصحراء غربي النيل كما يرى عبد العزيز صالح. (ج 1 ص 149) وإلى الغرب من ذلك توجد بلاد التمحو. وقد اتفقت الآراء أن التمحو كانوا يعيشون في المنطقة الصحراوية الواقعة إلى الغرب من أسوان. وامتدت حدودهم حتى دارفور وكردفان جنوباً، وينتشرون بين النيل والصحراء حتى منطقة البوركو في شمال تشاد. (Mac Michael, Vol., p 16 – 17.)
وإلى الغرب من التمحو عاش الجرمانت في منطقة فزان. وقد اشتهر الجرمانت بنشاطهم التجاري الواسع من مملكتهم جرمة في فزان رابطين سواحل البحر المتوسط بمناطق السافنا جنوبا. ويقول ماكمايكل إن المعلومات التي ذكرتها المصادر الكلاسيكية وضحت أن الجرمانت كانوا يصلون في تجوالهم في الصحراء الكبرى حتى منطقة الخرطوم الحالية والمناطق الواقعة شمالها. (Mac Michael, Vol., p
وظلت علاقة هذه المناطق التجارية والسياسية متصلة بمصر حتى نهاية العصر الفرعوني، ثم نقلت المصادر اليونانية والرومانية بعض علاقات اليونان والرومان بهذه المناطق. ولعل أبرز تلك العلاقات تحصين الرومان لامتداد مناطق نفوذهم الجنوبية في صحراء مصر وليبيا أمام خطر تحركات القبائل الصحراوية، وإدخالهم الجمل في الصحراء الكبرى لمطاردة تلك القبائل.

دخول الاسلام شمال تشاد
المعلومات عن منطقة شمال دولة تشاد لا تمكن من رسم صورة واضحة لأوضاعها في الفترة السابقة لظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. وما توفر من معلومات – وبخاصة في المصادر العربية – يساعد على إلقاء بعض الضوء على السكان وأوضاعهم السياسية. فإبان الفتح الإسلامي لمصر كان البيزنطيون (الروم) يسيطرون على مناطق الساحل الليبية، بينما كانت مناطق الداخل تحت أنظمتها السياسية المحلية.
وعندما فتح عمر بن العاص من مصر توجه منها عام 21 هـ / 641 م غربا نحو برقة (بنغازي الحالية) واستولى عليها، وتوجه عقبة بن نافع نحو الجنوب فوصل منطقة سبها الحالية في اقليم فزان وأخضع مدينة زويلة، "وأصبح ما بين زويلة وبرقة تحت طاعة المسلمين، يؤدي مسلمهم الصدقة وأقر معاهدهم بالجزية."(البلاذري ص 314 وابن عبد الحكم ص 230) وكانت زويلة أحد المراكز التجارية لمملكة جرمة منذ القرن الرابع الميلادي (محمد سليمان أيوب ص 185)
وعاود المسلمون نشاطهم بعد استقرار أوضاعهم بتولي معاوية خلافة المسلمين، فأعاد عقبة اخضاع منطقة فزان عام 46 هـ / 666 م وذكر ابن عبد الحكم (ص 263 – 264) والبكري (ص 12) أن عقبة أعاد فتح ودان في جنوب برقة واستخرج ما كان فرض عليهم من قبل وهو 360 رأساً من الرقيق. ثم سار جنوباً ثمانية أيام إلى مدينة فزان العظمي كما وصفها ابن عبد الحكم. ودعاهم للإسلام فأجابوا، وفرض عليهم 360 رأساً من الرقيق. "وافتتح قصور فزان قصراً قصراً حتى انتهى إلى أقصاها فسألهم هل وراءكم أحد؟ قالوا نعم أهل خاور (اسمه عند البكري جاوان) وهو قصر عظيم على رأس المفاذة في وعورة على ظهر جبل، وهو قصبة [عاصمة] كوار. فسار إليه خمسة عشرة ليلة، فلما انتهى إليهم تحصنوا فحاصرهم شهراً فلم يستطع لهم شئياً. فمضى أمامه إلى قصور كوار، فافتتحها حتى انتهى إلى أقصاها وفيه ملكها ... وفرض عليهم ثلاثمائة عبد وستين عبداً" وعند رجوعه باغت قصر خوار وفتحه "واستباح ما في المدينة من ذرياتهم وأموالهم، وقتل مقاتلتهم" ثم رجع إلى فزان. وقد ذكر كل من البكري (ص 13) وياقوت الحموي (ج 1 ص 44) فتح عقبة لخاور. وذكر كل من ابن سعيد (بسط الأرض ص 61) وأبو الفداء (المختصر ج 1 ص 87) أن زويلة كانت مقر ولاة المغرب قبل تأسيس مدينة القيروان.
ففتوحات عقبة في مناطق الصحراء شملت ثلاثة مناطق: 1/ منطقة ودان في جنوب برقة. 2/ منطقة فزان وتضم قصور فزان وزويلة ومدينة جرمة عاصمة مملكة جرمة وتقع غرب مدينة سبهه الحالية. 3/ منطقة كوار وتقع على مسافة خمسة عشر يوماً جنوب منطقة فزان، وهي بذلك تقع داخل المنطقة الشمالية من دولة تشاد إلى الجنوب من مرتفعات تبستي التي تقع على حدود تشاد الشمالية.
ويصف ياقوت الحموي (ج 3، ص 462) كَوار فيقول: "كاوَار: ناحية واسعة في جنوبي فَزَّان خلف الواح بها مدن كثيرة منها قصر أم عيسى، وأبو البلماءِ، والبلاس، وأكبر مدنه أبو البلماء، وألوان أهلها صفر يلبسون ثياب الصوف، وفي بلادهم أسواق، ومياه جارية، ونخل كثير" ويقول عنها اليعقوبي: (البلدان، ج 1 ص 44) ووراء زويلة على خمس عشرة مرحلة مدينة يقال لها كوار، بها قوم من المسلمين من سائر الأحياء، أكثرهم بربر"
وهكذا استقر المسلمون منذ منتصف القرن السابع الميلادي في منطقة فزان وتوسعوا جنوباً – منذ ذلك التاريخ - في المناطق الداخلية من شمال تشاد. ومارست منطقة بحيرة تشاد نشاطها التجاري القديم. فكان طريق فزان كوار من أوائل الطرق التي سلكها المسلمون جنوب الصحراء الكبرى. وقد ذكر اليعقوبي (كتاب البلدان ص 345) في القرن التاسع الميلادي ارتباط طريق كوار هذا بمدينة سرت على البحر المتوسط. وكانت كوار على صلة قديمة بمملكة الجرمانت. فقد كانت مدينة خاور مرتبطة بطريق للقوافل مع مدينة جرمة. (محمد سليمان أيوب، 184)
فارتباط منطقة فزان بتشاد بدأ قوياً منذ منتصف القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) وتأسست المجتمعات الاسلامية في كوار ذات المدن والقصور المتعددة والأسواق كما وصفها ياقوت أعلاه، وذكر ابن الفقيه (ص 245) في القرن التاسع الميلادي بأن " كوار بها قوم من المسلمين من سائر الأحياء وأكثرهم بربر" وكان حاكم جبل نفوسة جنوب طرابلس أبو عبيدة عبد الحميد الجناؤني (800 – 850 م) التابع للدولة الرستمية التي كانت عاصمتها تايهرت في دولة الجرائر الحالية كان يتحدث اللغة الكانورية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها الأمازيغية والعربية. (الشماخي ص 185)

الاسلام في مملكة كانم
يرى الباحثون (Martin, p 10) أن التبو والزغاوة والكانوري كانوا العناصر النشطة التي انتظمت تحت مجموعات سياسية متماسكة في منطقة شمال تشاد منذ بداية القرن الثامن الميلادي. ويرى Yver أن الزغاوة كونوا طبقة حاكمة سيطرت على مناطق واسعة خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين امتدت من دارفور شرقاً وحتى كوار غرباً. (Yver, p 417) واختلط الزغاوة والكانوري بالعناصر الأخرى في المنطقة فأسسوا مملكة كانم في نهابة القرن الثامن الميلادي. (Shinne, p 69; Hodgkin, p 21
وتذهب أغلب الآراء أن إسلام مملكة كانم تم في اول القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) بناءً على ما ورد في محارم مايات كانم برنو. وهي عبارة عن وثائق تسمى محلياً بـ "محارم" تضمنت معلومات كثيرة عن تاريخ وحياة وجهاد الملوك. فقد جاء في المحرم الذي أصدره الماي أوم بن عبد العزيز (1086 – 1097م) أن أول بلد دخله الاسلام في السودان هو برنو على يد الفقيه محمد بن ماني الذي عاصر خمسة من المايات أولهم بولو الذي حكم نحو عام 1020م. (Trimngham, p 32; Al Naqar p 27)
وقد ذكر ابن سعيد في القرن الثالث عشر الميلادي (الجغرافيا، ج 1 ص 10) ومن مدن الكانم المشهورة مانان ... وفيها سلطان الكانم المشهور بالجهاد وأفعال الخير محمدي من ولد سيف بن ذي يذن. وكانت قاعدة جدود الكفرة قبل أن يسلموا مدينة مانان. ثم أسلم منهم جده الرابع على يد فقهاء الإسلام في بلد الكانم ولهذا السلطان هنالك مثل سلطنة تجوه ومملكة كوار ومملكة فزان وقد أيده الله وكثر نسله وعساكره. والثياب تحمل إليه من الحضرة التونسية. وعنده الفقهاء" وتذهب بعض الروايات أن حكم أسرة سيف بن ذي يذن بدأ عام 60 هـ / 679 م (Barthk vol. 1, p 657)
ونحن هنا لسنا بصدد بحث وتقصي دخول الاسلام في مملكة كانم فهذا يحتاج إلى موضوع مستقل، لكن الغرض هو تسليط الضوء على هذا الموضوع وعرض بعض الملاحظات بالقدر الذي يُبرز الصورة العامة لدخول الاسلام في مملكة كانم ويُسمِح بطرح تساؤلات عن أثر ذلك على منطقة دارفور.
وقد شهد القرن الحادي عشر الميلادي – وهو التاريخ السائد لخول الاسلام مملكة كانم - عدداً من الأحداث التي أثرت على أوضاع دولة كانم. فقد أدى قيام الدولة الفاطمية الشيعية في المغرب العربي وتوسعها حتى مصر إلى نزوح بعض من علماء المذهب المالكي نحو مملكة كانم. كما شهد هذا القرن توسع حدود مملكة كانم شمالاً، فقد ذكر ابن سعيد في القرن الثاني عشر الميلادي (الجغرافيا ج 1 ص 28) أثناء تناوله مناطق غدامس وودان وفزان أن "الجميع الأن في طاعة ماك كانم" هذا إلى جانب دخول القبائل العربية ( المجموعة الهلالية) شمال افريقية وما ترتب عليه من تحركات سكانية واسعة في المنطقة، ودخلت كثير من القبائل الأمازيغية جنوب الصحراء. كما شهد هذا القرن أيضاً قيام دولة المرابطين في المغرب الأقصى. أدى كل ذلك إلى ارتباط كثير من أحداث انتشار الاسلام في مناطق جنوب الصحراء بهذا القرن.
غير أن وصول الاسلام إلى المناطق الشمالية من تشاد منذ القرن السابع الميلادي، وصلات المسلمين التجارية المبكرة بالمنطقة بالإضافة إلى بعض الروايات المحلية يرجِّح انتشار الاسلام في وقت سابق للقرن الحادي عشر الميلادي. فقد وجدث مخطوطة قديمة في تنبكتو جاء فيها أن أربعة من جنود الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 719م) دخلوا منطقة بحيرة تشاد بعد سقوط دولة بنو أمية، وقتلوا حكام البرنو، ونُصّب أحدهم وهو إدريس ملكاً. (طرخان، ص 66) كما ذكر البكري (ص 11) رواية تقول بدخول بعض الأمويين كانم بعد انهيار دولة بنو أمية. ورواية أخرى تدل على أن الاسلام دخل كانم في القرن السابع الميلادي طرخان ص 57)
وقد أتت روايات المصادر العربية عن مملكة كانم قليلة ومقتضبة ومتناقضة في بعض الأحيان، على عكس المعلومات عن المناطق الواقعة إلى الغرب منها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن مناطق جنوب نهر السنغال وأعالي نهر النيجر اشتهرت بوفرة انتاجها من الذهب وتردد عليها التجار بأعداد كبيرة فانتقلت أخبارها مع التجار منذ نهاية القرن السابع الميلادي. وبالإضافة إلى ذلك أدي قيام دولة المرابطين وتوحيدها مناطق نهر السنغال بالمغرب العربي إلى ازدياد توفر المعلومات عن تلك المناطق.
ورغم شح المعلومات في المصادر العربية عن مملكة كانم إلا أن ما توفر منها تضمن كثير من الاشارات إلى انتشار الاسلام في مملكة كانم قبل القرن الحادي عشر الميلادي. فقد ذكر كل من العمري (ص 491) والمقريزي (ج 1 ص 243) رواية تقول بدخول الاسلام كانم على يد الهادي العثماني "من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وصارت بعده، لليزنيين من بني سيف بن ذي يزن" كما ذكر القلقشندي (ج 3 ص 268) رواية مفادها أن ملوك كانم "من بيت قديم في الإسلام وجاء منهم من ادعى النسب العلوي في بني الحسن"
وقد ترددت في المصادر العربية بعد القرن الحادي عشر الميلادي الكثير من الروايات عن اسلام مملكة كانم. ذكر ابن سعيد في أكثر من موضع إسلام الكانم وإسلام ملوكهم، ووضح أن ملوك الكانم مسلمون ويقومون بالجهاد (بسط الأرض ص 57 والجغرافيا ج 1 ص 10 و94) كما نقل ابن خلدون (ج 6 ص 199) والقلقشندي (ج 2 ص 316) عن ابن سعيد اسلام الكانم. ذكر مؤلف كتاب الاستبصار (ص 146) ان الكانم أسلموا "بعد الخمسمائة للهجرة" وفي ذات الوقت ترد بعض الروايات بخلاف ذلك، فقد البكري (ص 11) ان الكانم سودان مشركون.
ويبدو مقبولاً أن يكون الاسلام قد ساد في مملكة كانم قبل القرن الحادي عشر الميلادي، ولكن كان هنالك بعض الكانميين الذين لم يدخلوا في الاسلام. فحدود مملكة كانم كانت واسعة وصفها المهلبي في القرن العاشر الميلادي - كما نقل عنه ياقوت (ج 2 ص 396) - بأنهم "أمم كثيرة". فقول البكري إن "الكانم سودان مشركون" ربما ترجع إلى بعض منطقة جبل لونيا التي قال عنها ابن سعيد (ج 1 ص 21) انها " مجالات زغاوة الكفار". ويلاحظ أن المعلومات الواردة في المصادر العربية لا تمكن من التعرف على كل سكان مملكة كانم الموصوفين بأنهم أمم كثيرة في حدودها التي امتدت بين مملكة كوكو غرياً ومملكتي علوة ومقُرة شرقاً.
ويبدو أن الزغاوة كانوا يمثلون عدد السكان الأكبر في مملكة كانم، فقد ذكر اليعقوبي (تاريخ، ج 1 ص 192 ) في القرن التاسع الميلادي أن "الزغاوة هم النازلون بالموقع الذي يقال له كانم"، وفي بعض الأحيان تتناول بعض المصادر مملكة كانم تحت اسم الزغاوة كما فعل المهلبي. وذكر ابن سعيد (ج 1 ص 10) أن مجالات الزغاوة شرق مانان عاصمة كانم الأولى "ومعظمهم مسلمون تحت طاعة الكانمي" وتناول ابن سعيد (ج 1 ص 11) الزغاوة تحت اسم الزغاوة والتاجويين ويقول “مجالات التاجويين والزغاويين ممتدة في المسافة بين قوس النيل من الجنوب إلى الشمال، وهم جنس واحد لكن الملك وحسن الصورة في التاجويين. وذكر ابن فاطمة [قبل القرن 13م] كم نقل عنه ابن سعيد أن الملوك من الكانم وتاجوة إنما هربوا بقواعدهم من النيل بسبب البعوض فإنه يكثر من مجاورة النيل فيشتد أذاه على الآدميين والخيل. ولهم عيون على الرمال ومياه مشربة من النيل أيام الزيادة." وقد ذكر اليعقوبي (تاريخ ج 1 ص 75) فرع آخر للزغاوة "يقال لهم الحوضن، ولهم ملك هو من الزغاوة". وإلى جانب وجود الزغاوة في مملكة كانم كانت لهم مملكتهم الخاصة على حدود مملكة كانم الشرقية وتمتد حتى حدود مملكتي مقُرة وعلوة.
ويلاحظ أن المصادر العربية لم تتطرق إلى عناصر السكان الأخرين في مملكة كانم المترامية الأطراف. ويبدو أن لغة الكانوري كانت لغة التجارة إلى جانب اللغة الأمازيغية والعربية كما ذكر الشماخي أعلاه عن إجادة حاكم جبل نفوسة للغات الكانورية والأمازيغية والعربية، لكن لم ترد معلومات في المصادر العربية عن الكانوريين. وقد تناول ابن حوقل (في مسعد ص 75) مجموعات من السكان يبدو أنهم في المناطق الجنوبية لمملكة كانم حيث ذكر:
وفي غربي هذا النيل الأبيض أمة يعرفون بالجبليين في طاعة ملك دنقلة ... وبين علوة وبين الأمة المعروفة بالجبليين مفازة ذات رمال إلى بلد أمقل وهو ناحية كبيرة ذات قرى لا تحصى وأمم مختلفة ولغات كثيرة متباينة لا يحاط بها ولا يبلغ غايتهم يعرفون بالأحديين، وفيهم معادن الذهب الجيد والتبر الخالص والحديد متصلين بالمغرب إلى ما لا يعرف منتهاه، زيهم زي المغاربة، أرباب جمال وخيل وبرازين غير تامة الخلق لقصرها وقرب لبودها، وسلاحهم فيه درق كدرق المغاربة بيض وحراب، وسيوفهم أيضا غير تامة، وفيهم جند يلبسون السراويلات المفتحة الطوال ونعالهم كنعال المغاربة وهم على النصرانية، وهم في طاعة ملك علوة، وبينهم وبين ملك علوة خمس مراحل ثلاثة منها في مفازة."

الاسلام في الجوار الغربي لتشاد
وإذا ألقينا نظرة سريعة على مناطق الجوار الغربي لتشاد نجد أن الاسلام انتشر أيضاً مبكراً فيها عبر منطقة فزان وواحات الجزائر التي كانت مراكزاً تجارية نشطة. وقد أدى نشاط المسلمين المبكر في تلك المناطق إلى قيام عدد من المركز التجارية التي أصبحت مراكز اشعاع انتشر عبرها الاسلام مثل كوكو وجاو وأجادس وتادمكة وتنبكت.
وقد تواصل المسلون مع هذه المراكز التي نما بعضها وتطور إلى ممالك كبيرة. ومن أشهرها مركز كوكو (جاو) على انحناءة نهر النيجر. فقد تطور هذا المركز سريعاً فأصبح مملكة كبرى قال عنها اليعقوبي (تاريخ، ج 1 ص 75) في القرن التاسع الميلادي "مملكة كوكو من أعظم ممالك السودان، وأجلها قدراً، وأعظمها أمراً، وكل الممالك تعطي لملكها الطاعة، والكوكو اسم المدينة، ودون هذا عدة ممالك يعطونه الطاعة، ويقرون له بالرئاسة على انهم ملوك بلدانهم"
ونقل ياقوت الحموي (ج 4 ص 9) عن المهلبي في القرن العاشر الميلادي عن ملك كوكو" وملكهم يظاهر رعيته بالإسلام وأكثرهم يظاهر به وله مدينة على النيل من شرقيه اسمها سرناة بها أسواق ومتاجر، والسفرُ إليها من كل بلد متصل. وله مدينة على غربي النيل سكنها هو ورجاله وثقاته، وبها مسجد يصلي فيه ومصلى الجماعة بين المدينتين، وله في مدينته قصر لا يسكنه معه أحد ولا يلوذ فيه إلا خادم مقطوع، وجميعهم مسلمون وزي ملكهم رؤساء أصحابه القمصان والعمائم، ويركبون الخيل أعراء ومملكته أعمر من مملكة."
وذكر البكري( ص 183) أن العرب تسمي أهل مدينة كوكو البزركانيين، وأنها "مدينتان مدينة الملك ومدينة المسلمين ... وهم يعبدون الدكاكير كما تفعل السودان. ملكهم مسلم لا يولون غير مسلم. عندما يتولى الملك يُعطَى خاتم وسيف ومصحف يزعمون ان أمير المؤمنين بعثها إليهم"
ومن المراكز التي اشتهرت في ذلك الوقت مركز تادكة الذي يقع إلى الشمال الشرقي من كوكو. تأسس هذا الركز في منتصف القرن السابع الميلادي. (Bovill p. 138; Fage, 27) وفي القرن التاسع الميلادي أصبحت تادمكة مملكة كبيرة ضمت خليطاً من العناصر السكانية وصف ابن حوقل ( ص 105) ملوكها بأنهم "سودان ابيضت أبشارهم وألوانهم" وإلى الغرب من كوكو تأسس مركز تنبكت المشهور في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي كثير من الأحيان يكتب اسم هذا المركز بالميم (تمــبكت) والصحيح كتابته بالنون (تنــبكت) كما كتبه ابن بطوطة والسعدي في تاريخ السودان وكعت في الفتاش وابن فودي في انفاق الميسور.
ومن خلال هذا العرض السريع لدخول الاسلام في المنطقة الممتدة من حدود مملكتي علوة والمقرة شرقاً وحتى مناطق غربي بحيرة تشاد غرباً يتضح أن الاسلام دخل وانتشر في هذه المناطق منذ القرن السابع، ونشأت المراكز التجارية والثقافية التي ازدهرت فيها دور العلم والأنشطة الثقافية، وتأسست الممالك الصغيرة والكبيرة التي وثقت صلاتها بالعالم الاسلامي وبخاصة في شمال افريقيا. ويبرز سؤال يفرض نفسه هنا وهو كيف كانت علاقة تلك الممالك بمملكتي علوة ومقُرة واضعين في اعتبارنا أن التسامح والتعايش كان سائداً بين أصحاب الديانات المختلفة، فقد رأينا صورة هذا التسامح فيما ذكر عن مجتمع كوكو ومدينة المسلمين. كان هنالك حكام مسلمين تابعين لدولة علوة المسيحية، كما كان هنالك حي للمسلمين في سوبا عاصمة مملكة علوة منذ القرن العاشر الميلادي..
فما هو أثر كل ذلك على غرب السودان؟ وهل يعقل أن لا تتأثر دارفور بهذا النشاط الذي استمر على حدودها الغربية نحو ثمانية قرون قبل قيام سلطنة دارفور؟
نحن نعتمد في معرفتنا لتاريخ غرب السودان قيل القرن الخامس عشر الميلادي على ما كتبه الرحالة الأوربيون وعلى ما كتبه الاداريون البريطانيون، واكتفبنا في مناهجنا ومعارفنا العامة على بعض ما تردد في تلك المراجع عن الداجو والتنجر. فالبحث عن تاريخ الاسلام في غرب السودان يتطلب اهتمام وتضافر جهود المؤسسات البحثية وأقسام الآثار والتاريخ في الجامعات السودانية للبحث عن مظان مصادر تلك الحقبة، وبخاصة في العدد الهائل من الآثار والمناطق الأثرية مثل المقابر والمباني والرسوم الصخرية وغيرها من الآثار المادية الأخرى قي غرب السودان.
كما ينبغي أيضاً الاهتمام بالعدد الكبير من الكتب المخطوطة والوثائق العربية غير المصنفة في دور الكتب والمؤسسات البحثية في شمال افريقيا وكذلك في غرب افريقية. وأرى في النهاية أن علينا جميعاً التفكير معاً في الوسائل والسبل التي تساعد على الشروع في البحث عن تاريخ غرب السودان قبل قيام سلطنه دارفور وأثر مناطق الجوار الغربي عليه.
ونواصل: المحور الشرقي

المراجع
- ابراهيم علي طرخان، امبراطورية البرنو الاسلامية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975.
- ابن حوقل، صورة الأرض في محمد مصطفى مسعد، المكتبة السودانية العربية، ط 2، الخرطوم: دار المصورات للنشر 2014.
- ابن سعيد المغربي، بسط الأرض في الطول والعرض، تحقيق خوان قرنيط خينيس، تطوان 1958.
- ابن سعيد المغربي، كتاب الجغرافيا، موقع الوراق warraq.com
- ابن عبد الحكم، تاريخ مصر والمغرب، تحقيق عبد المنعم عامر، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة ب. ت.
- العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، مخطوط، القاهرة: دار الكتب المصرية رقم 2568 تاريخ ورقم 559 معارف عامة.
- أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر: المطبعة الحسنية المصرية 1325 هـ.
- البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، جزء من كتاب المسالك والممالك. الجزائر 1857.
- البلاذري، فتوح البلدان،بيروت: دار الكتب العلمية، 1983.
- السعدي، عبد البحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر توفى عام 1655 ، تاريخ السزدان، طبعن انجبي 1898. (المقصود بالسودان هنا ممالك غرب افريقيا)
- سليم حسن، تاريخ السودان المقارن إلى أوائل عهد بيعانخي، القاهرة: شركة نهضة مصر للطباعة والنشر 2000.
- الشماخي، السير الاباضية، مخطوط، الفاهرة: دار الكتب المصرية رقم 679تاريخ.
- عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم: الجزء الأول مصر والعراق، القاهرة: مكتبة الانجلة المصرية 1990.
- القلقشندي، صبح العشى في صناعة الإنشاء، موفع الوراق. warraq.com
- محمد سليمان أيوب، "جرمة في عصر ازدهارها من 100 إلى 450 م" في كتاب ليبيا في التاريخ، طرابلس: كلية الآداب حامعة ليبيا 1968.
- المقريزي، الخطط، موقع الوراق
- مؤلف مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتحقيق سعد زغلول، جامعة الاسكندرية 1958.
- اليعقوبي، كتاب البلدان، بيروت ، 1960.
- اليعقوبي، كتلب التاريخ، موقع الوراق.
- Al Naqar, Umar, the Pilgrimage Traditions in West Africa, Khartoum: University of Khartoum, 1974.
- Barth, Heinrich, Travels and Discoveries in North and Central Africa 1849 – 1855, London: 1965.
- Bates, Uric, the Eastern Libyans, London: New Impression, Frank Cass & Com. Ltd, 1970.
- Bovill, E. W. “Niger and Songhay” Journal of African History, Vol. XXV, 1925-1926.
- Fage, J. D. An Introduction to the History of West Africa, Cambridge: 1955.
- Hedgkin, Thomas, Nigerian Perspectives, Oxford: 1960.
- Mac Michael, A history of the Arabs in the Sudan, London: Second Impression, Frank Cass & Com. Ltd, 1967.
- Martin, B. G. !967, “Kanem, Bornu and Fezzan: Notes on Political History of African Route” Journal of African History, Vol, X, Part 1.
- Trimingham, J. S. History of Islam in West, Oxford: 1970.
- Yver, G. Encyclopaedia of Islam, Art Kanem..