عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ذكرنا في المقال السابق أن أهم المحاور أو الأحداث التي تتأسس عليها فهمنا ودراستنا لتاريخ الاسلام في السودان يمكن تناولها في الآتي: 1/ هجرة العرب للسودان قبل الاسلام 2/ معاهدة البقط 3/ اشتغال المسلمين بالتعدين في أراضي البجة 4/ انتشار قبيلة جهينة في السودان 5/ مسألة الوراثة عن طريق الأم 6/ سقوط مملكة مقرة 7/ الحلف السناري العبدلابي وقيام دولة الفونج 8/ قيام مملكة دارفور. وسنسلط بعض الضوء على هذه الأحداث، ونعلق على مآخذنا على المنهج الذي نتبعه في دراستها متل:
- اعتمادنا الكلي على الروايات الشفاهية أو على مصادر مجروحة، غير ذات مصداقية، وحتى الأحدث التي تعتمد على مصادر وموثقة استخدمت بطريقة تخدم القضايا المطروحة بغض النظر عن المصداقية.
- تغييب الكثير من أحداث تاريخ السودان بين القرنين 7 – 15 م
- فصل تاريخ السودان بمحورين في غاية الأهمية وينبغي الاهتمام بهما ودراسة دورهما في تاريخ السودان بين القرنية 7 – 15 م وهما المحور الشرقي (محور اثيوبيا) والمحور الغربي (محور تشاد)
وقد تناولنا في الحلقة الماضية المحور الأول وهو "هجرة العرب للسودان قبل الاسلام" ونواصل تناول بقية المحاور فنتناول هنا المحور الثاني وهو:
معاهدة البقط
تنولت معاهدة البقط بالتحليل والنقد في عدد من الموضوعات كان أولها عام 1991م في مجلة حروف التي كانت تصدرها دار جامعة الخرطوم للنشر، وفي الصحافة الالكترونية وفي كتاب "المؤتمر العالمي الأول لمعاهدة البقط" الذي نشرته جامعة افريقيا العالمية عام 2011 وفي مجلة الدراسات السودانية التي تصدرها جامعة الخرطوم، المجلد 21 عام 2015. كما تم تناول موضوع البقط بالتفصيل في الجزء الثالث من كتاب الوعي بالذات وتأصيل الهوية. وسأتناول هنا بعض النقاط المهمة التي وردت في تلك الكتابات:
1. لم تكن حملة عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مدينة دنقلة وملك مملكة مقُرة كما هو سائد في مفاهيمنا، بل كانت حملة عبد الله بن سعد – كما ذكر المسعودي - على مملكة مريس. يقول المسعودي (مروج الذهب ج 2 ص 21): "وأبى عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المجاور للمسلمين المدعو بملك مريس من أرض النوبة وغيرها من ممالك النوبة المتقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب"
2. واضح من النص أعلاه أن عبد الله بن سعد حارب ملك مريس. ومريس هو الاسم الذي أطلقته المصادر العربية على مملكة نوباديا التي تقع شمال مملكة مقرة وتمتد حتى منطقة أسوان. يقول المسعودي (في مسعد ص 51) عن ملك مقُرة " والبلد المتصل بمملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من ارض الصعيد ومدينة أسوان." ويقول المسعودي في مكان آخر (مروج الذهب، ج 1، ص 177 موقع الوراق) "البلاد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مريس"
3. وذكر ابن حوقل (صورة الأرض ص 55) أن معركة عبد الله بن سعد عام 31 هـ كانت في منطقة أسوان ولم تكن في دنقلة، يقول ابن حوقل: "وكانت البجة أمة تعبد الأصنام وما استحسنوه إلى سنة إحدى وثلاثين، فإن عبد الله بن أبي سرح لما فتح مدينة أسوان، وكانت مدينة أزلية قديمة، وكان عبر إليها من الحجاز قهر جميع من كان بالصعيد وبها من فراعنة البجة وغيرهم ... وحدثني أبومنيع أحمد الجعدي الأسواني: أن أسوان افتتحها عبد الله ابن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين، وافتتح هيف وهي المدينة التي تجاه أسوان من غربي النيل، وقد تدعى قرية الشقاق، وافتتح ابلاق وهي مدينة في وسط النيل على حجر ثابتة وسط الماء منيعة وبينها وبين أسوان ستة أميال، وبحذائها على النيل من جهة الشرق مسجد الرّوينيّ وقصر آليه، وتحت المسجد بيعة النوبة، وهو آخر حد الإسلام وأول حد النوبة." ولم يذكر ابن حوقل أن عبد الله بن سعد تقدم بعد فتحه لمنطقة أسوان نحو مملكة مقرة وحارب ملكها. (أنظر الفصل الأول من كتاب الوعي بالذات بعنوان: الحروب بين المسلمين ومملكة مريس.
4. قال المقريزي أن عن حرب عبد الله بن سعد للنوبة: "فغزاهم مرّة ثانية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، سنة إحدى وثلاثين، وحصرهم بمدينة دنقلة حصاراً شديداً، ورماهم بالمنجنيق، ولم تكن النوبة تعرفه وخسف بهم كنيستهم بحجر، فبهرهم ذلك، وطلب ملكهم واسمه: قليدوروث الصلح، وخرج إلى عبد الله وأبدى ضعفاً ومسكنة وتواضعاً، فتلقاه عبد الله ورفعه وقرّبه، ثم قرر الصلح معه على ثلثمائة وستين رأساً في كل سنة، ووعده عبد الله بحبوب يهديها إليه لما شكا له قلة الطعام ببلده، وكتب لهم كتابا" هذا الكتاب هو ما عرف بمعاهدة البقط.
5. هنالك أكثر من 18 نص اتفاق بين المسلمين والنوبة في عصري عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد روتها المصادر العربية، وكلها تختلف اختلافاً كبيراً عن نص المقريزي المشهور بيننا. لماذا نتجاهل كل تلك النصوص ونختار فقط النص الذي انفرد بروايته المقريزي المخالف لنصوص كل المصادر العربية الأخرى؟ (انظر هذه النصوص في ملحق الفصل الرابع من الجزء الثالث من كتاب الوعي بالذات)
6. معاهدة البقط كما هو سائد في كتاباتنا – سودانيين وأجانب – حكمت العلاقات بين المسلمين في مصر والنوبة خلال ستة قرون منذ دخول المسلمين مصر في القرن السابع الميلادي وحتى دخولهم لأول مرة مدينة دنقلة في القرن الثالث عشر وتنصيب عبد الله برشمبو ملكاً على مملكة مقرة، بينما حدثت في هذه الفترة نحو 25 معركة بين المسلمين في مصر والنوبة، وتلت تلك الحروب اتفاقيات جديدة وتعديل في الاتفاقيات، وقد أحصيت عشرة تعديلات أجريت على الاتفاقيات بين المسلمين والنوبة منذ عصر عبد الله بن سعد وحتى عصر المماليك. (انظر الفصل الخامس من الجزء الثالث من كتاب الوعي بالذات بعنوان "التعديلات التي طرأت على الاتفاقيات"
7. الاهتمام الكبير والتركيز فقط على رواية المقريزي لاتفاقية البقط أدى إلى عدم الالتفات وتجاهل علاقات المسلمين في مصر مع البجة والتي بدأت قبل توقيع معاهدة البقط، بل بدأت قبل اكتمال فتح المسلمين لمصر، كما انصرفنا كذلك عن الاهتمام ودراسة ممالك البجة التي عاصرت ممالك النوبة، وعن الاهتمام ودراسة الممالك الاسلامية في بلاد البجة والتي قامت قبل قيام ممالك سنار ودارفور والمسبعات وتقلي.
8. ينبغي علينا الرجوع إلى عشرات المصادر العربية التي تناولت حروب المسلمين في مصر وتدخلهم العسكري المتواصل في شؤون بلاد النوبة وبلاد البجة بين القرنين السابع والرابع عشر الميلادي. وآخر رواية عن تلك التدخلات ما ذكره المقريزي (في مسعد ص 364) من وصول ملك مقرة عام 1397 م مستنجداً بالمماليك ضد ابن عمه الذي خرج عليه، وتوجيه الأمر لوالي أسوان للقيام بالواجب. يلاحظ وجود مملكة مقرة في نهاية القرة الرابع عشر أي بع نحو ثمانية عقود مما تعارفنا عليه من سقوط مملكة مقرة في بداية القرن الرابع عشر.

ونواصل المحور الثالث: اشتغال المسلمين بالتعدين في أراضي البجة
الممراجع
- أحمد الياس حسين، السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية، الخرطوم: مركز بناء الأمة للبحوث والدراسات 2012.
- ابن حوقل، كتاب صورة الأرض. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة 1979
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1958
- مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، الطبعة الثانية، الخرطوم: دار المصورات للنشر 2014.