عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

انتساب المجموعة الجعلية للعباس
الرسول صل الله عليه وسلم
يتناول هذا الموضوع – الأخير في سلسلة مصادر معرفتنا – مثالاً لبعض لما ورد في مخطوطات النسب عن نسب المجموعة الجعلية للعباس. اتفقتت الروايات التي وردت في المخطوطات المنشورة في كتاب ماكمايكل في ربط الصلة بين المجوعة الجعلية بـ "الفضل"، لكنها لم تتفق في صلة الفضل المباشرة بالعباس كما ينضح من الروايات التالية:
1. رواية مخطوطة الشيخ بدوي قاضي بربر في عصر دولة المهدية (Mac Michael, Vol. 2 p 101) هذه الرواية جعلت الفضل الابن المباشر لعبد الله بن العباس، لكنها جعلت العباس إبناً لعبد الله بن عبد المطلب، فأوردت نسب الفضل كالآتي: الفضل بن عبد الله بن العباس بن عبد الله بن عبد المطلب. وبهذا النسب يكون العباس أخاً للرسول صل الله عليه وسلم. وهذا خطأ كبير. ولو افترضنا أن هذا الخطأ الكبير أتى من نساخ أشجار النسب، فهذا أيضاً يؤكد عدم دقة الناسخين الأمر الذي يعرض محتوى النسبة للأخطاء مما يؤدي إلى عدم مصداقيتها. أما لو افترضنا أن هذا الخطأ أتى من جهل الرواة – وهو أمر يتكرر في الروايات – فإن ذلك يسقط الثقة والمصداقية فيها.

2. رواية مخطوطة عمدة البشارية العقليين التي ترجع أصولها إلى الشيخ كامل المرشد البديري التي أحضرها من مكة. (Mac Michael, Vol. 2 p 114) هذه الوراية جعلت الفضل ابناً لعبد الله بن عبد المطلب، فيصبح الفضل أخاً للرسول صل الله عليه وسلم، وهذا كسابقه خطأ واضح في أبناء عبد المطلب جد الرسول صل الله عليه وسلم. فالفضل وفقاً لهتين الروايتين إما ابناً للعباس بن عبد المطلب أو إبناً لعبد الله بن عبد المطلب. فتكرار مثل هذا الخطأ يؤدي إلى الشك في معرفة الرواة حتى بنسب آل البيت مما يقلل من قيمة رواياتهم.
3. رواية مخطوطة النور عنقرة التي يرجع أنها نقلت من مخوطة الشريف بن عبد الله الركابي التي يرجع أصلها إلى نسخة الجابراب (Mac Michael, Vol. 2 p 37) أتت فيها نسبة الفضل – كما في أغلب المخطوطات – إلى عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
4. رواية الفحل (ص 145) جعل الفحل ثلاثة أباء بين الفضل وبين عبد الله بن العباس، فجاءت نسبته كالآتي:الفضل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
ويبدو واضحاً أن تضارب الروايات يعزى إلى إعتماد رواة الأنساب على روايات شفاهية متداولة لا مصدر ولا أساس لها. وإذا ترددنا في قبول الحكم بأن ما ورد من أخطاء في الورايتين الأولى والثانية تدخلهما في دائرة الشك وتسقط مصداقيتهما، وبالتالي عدم قبول ما ورد فيهما من معلومات، فإن ما ورد في الروايتين الثالثة والربعة عن الفضل الجد الأول للسلالة التي كونت المجموعة الجعلية يؤيد ويؤكد هذا الحكم.
فإن الخلل الأكبر والذي لا يمكن معالجته ولا يقبل التصويب في هذه الورايات هو ما ورد عن الفضل بن عبد الله بن العباس، أو الفضل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. فقد اتفقت الروايات أن ابراهيم جعل الذي تنتسب إليه كل المجموعة الجعلية (13 قبيلة) ينتسب إلى سلالة الفضل المذكور في الروايات الأربعة أعلاه. وقد اتفقت كتب النسب في التراث العربي بصورة قاطعة أن الفضل المذكور في الروايات الأربعة أعلاه لا سلالة له.
فقد ذكر مصعب بن الزبير(ج 1 ص 10) أن الفضل بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب لم يترك ولداً إلا أم كلثوم، وذكر ابن حزم (ج 1 ص 8) "أن العباس ومحمد والفضل وعبد الرحمن أبناء عبد الله بن العباس ين عبد المطلب لا عقب لواحد منهم ولا عقب لعبد الله من غير علي." وذكر البلاذري (أنساب الأشراف ج 1 ص (475"أما العباس بن عبد الله بن العباس: فولد له ابن يقال له عون وبه كان يكنى وامه حبيبة بنت الزبير بن العوام، فدرج ولا عقب له" ودرج معناها كما في لسان العرب (ج 2 ص266) "مات ولم يخلف نسلاً" ويعني هذا أن كل نسبة إلى الفضل بن العباس غير صحيحة. الفضل بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب لم ينجب ولداً باتفاق مصادر النسب في التراث العربي ويعني هذا أن كل نسبة إلى الفضل بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب نسبة غير صحيحة.
وينطبق هذا الحكم أيضاَ على رواية الفحل التي جعلت الفضل ابناً للعباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. يقول البلاذري (475) عن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب."لا عقب له ولا لأحد من ولد عبد الله بن العباس سوى علي بن عبد الله بن عباس السجاد" وهذا يعني أن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس لم بنجب، أي ليست له سلالة، وأن كل نسبة إليه تعتبر غير صحيحة.
وهكذا فإن كل الشواهد تدل على أن انتساب المجموعة الجعلية للعباس بن عبد المطلب من كل الوجوه لا أصل لها، وقد ذكر محقق كتاب الفحل (ص 22) عن الفضل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: "أجمعت كتب النسب التي دونت في تلك الأزمان أن الفضل لا عقب له من الذكور، بينما ذكرت بعض المراجع أن الفضل له إبنة واحدة، وبذلك لا تصح النسبة إليه عندهم. بينما نجد في مخطوطات الآنساب السودانية وفي هذا الكتاب أيضاً [يقصد كتاب الفحل] أن الفضل له ابناً اسمه سعد من زوجته الحميرية، وهذا يدل على أن للفضل أكثر من زوجة أغفلتها كتب الآنساب في زمانها"
فمحقق كتاب الفحل لا بأخذ بما أجمعت عليه مصادر النسب في التراث العربي المحققة والمعتمدة عند المؤرخين، لكنه يأخذ بروايات جامعي النسب في السودان الذين تختلف وتتضارب وتخطئ رواياتهم التي لا تستند إلى مصدر. وأرى أن هذا منهجاً غير سليم. وذكر محقق الكتاب أيضاً أن للفضل بن العباس هذا بنتاً. وهذا أيضاً يختلف عما ورد في كتب النسب فلم تذكر له بنتاً، بل ذكرت البنت للفضل بن عبد الله بن العباس. (مصعب بن الزبير ج 1 ص 10)
هذا بعض ما ورد عن الصلة المباشرة للمجموعة الجعلية بالعباس وهو كما رأينا لا مصدر ولا أصل له، ولكن نتناول هذه الأمثلة للمزيد من التوضيح، فإن ما انطبع في أذهاننا عن هذه الأنساب يحتاج إلى الاستعانة بكل ما يتوفر من أدلة للنظر إلى تلك الأنساب نظرة موضوعية ومنهجية لتصحيح فهمنا لها. وسنلقي نظرة سريعة على ما ورد عن ابراهيم جعل الذي ينتسب إلى الفضل والذي تنتسب إليه المجموعة الجعلية، ونتناول ثلاثة روايات.
1. الرواية الأوسع انتشاراً جعلت ابراهيم جعل إبناً لادريس. وادريس كما تقول الروايات ينتسب إلى سلالة الفضل بن عبد الله بن العباس الذي أجمعت مصادر التراث العربي أنه لا عقب ولا سلالة له.
وإلى جانب ذلك فإن الرواية تحمل أيضاً ما يوضح عدم مصداقيتها. تقول الرواية إن إدريس خرج من بغداد عندما غزاها المغول وسقطت الدولة العباسية في منتصف القرن 13م. وقد تفاوت عدد الآباء أو الأجيال بين ادريس والد ابراهيم جعل وبين الفضل، ويتراوح تقدير الروايات بين 10 و12 أب أو جيل. (لفحل ص 148-172 ونسبة الشيخ اسحاق محمد شداد البديري، ماكمايكل ج 2 ص 28-29 وكذلك مخطوطات أخرى ج 2 صفحات و103 و117 و123 و126) وتقدر الفترة الزمنية الي عاشتها هذه الأجيال بتقدير 33 سنة بين كل جيل والجيل التالي له 12×33=396 سنة.
والفضل بن عبد الله بن العباس عاش في القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي) فالزمن بين الفضل (القرن 7م) وإدريس والد ابراهيم جعل (القرن 13م) نحو 6 قرون، وهو زمن اكثر بكثير من زمن عدد الأجيال (396 سنة) في تقدير الروايات.
2. رواية جعلت ابراهيم جعل بن قيس بن اليمان بن ادريس، أ – 8 ص 123، وتجعل الروابة 12 جيل بين ابراهيم والفضل، وحكمها كحكم الرواية السابقة
3. رواية جعلت ابراهيم جعل بن سعد بن الفضل (ماكمايكل ج 2 ص 114 و116 و125) ففي هذه الحالة يكون الفضل بن عبد الله بن العباس الجد المباشر لابراهيم جعل. تندرج هذه الرواية تحت حكم الروايات التي جعلت للفضل نسلاً وسلالة وهو في الواقع لا سلالة له، ومن جانب آخر لا تجد – أيضاً - سنداً في مصادر التراث العربي. فقد أُلِّفت مئات المصادر بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين في مجالات التاريخ والتراجم والطبقات والبلدان والموسوعات تناولت تاريخ وانتشار أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم والتابعين وتابع التابعين في قارات آسيا وأوربا وافريقيا، ولا توجد إشارة إلى دخول ابراهيم جعل بن الفضل الذي حعلته الروايةعائشاً في القرن الأول الهجري (7 م). كما تناولت مصادر التراث العربي منذ القرن التاسع الميلادي - التي أشرنا إليها في موضوعنا السابق رقم 10 - تاريخ وممالك البجة في شرق السودان وتاريخ مملكتي مفُرة وعلوة وسكانهما ولم ترد فيها إشارة إلى دخول أحد أو جماعة من سلالة العباس إلى السودان.
وكما اختلف الرواة في نسب القضل إلى عبد الله أو إلى والده العباس أو إلى عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول صل الله علبه وسلم اختلف الرواة كذلك في نسب ابراهيم جعل ما بين 10 و12 جد وبين جد واحد إلى العباس. ومع كل ذلك فنحن ننظر إلى مخطوطات وأشجار النسب هذه باعتبارها خطوطاً حمراء ينبغي عدم التعرض لها.
قبائل عربية في مخطوطات التراث
وهنالك أمر مهم وجدير بالملاحظة وهو أننا انتقينا بعضاً من أشجار النسب لنثيت بها عروبة بعض القبائل وسكتنا أو تجاهلنا تلك التي تناولت أنساب قبائل عربية أخرى ورد نسبها في مخطوطات التراث التي جمعها Mac Michael. وقد تناواناها في موضوع نشر في الصحف الالكترونية منذ مدة، نعيد نشرها هنا مرتبة حسب الحروف الهجائية:
- البرنو: نسبتها مخطوطة الشريف الطاهر إلى جهينة ( Vol. 2 p 25) ونسبتها مخطوطة ود دوليب إلى حمير Vol. 2 p 195 )
- البرقو : نسبتها مخوطة الشريف الطاهر إلى جهينة Vol. 2 p 25 )
- البجة : نسبتهم مخوطة ناظر الكواهلة إلى قريش، الزبير بن العوام (Vol. 2 p 151)
- البشاريين: نسبتهم مخوطة ناظر الكواهلة إلى قرسش، الزبير بن العوام (Vol. 2 p 151 )
- التنجر : نسبتهم مخوطة الشريف الطاهر إلى جهينة، ونسبتهم مخطوطة ود ودليب إلى بني هلال Vol. 2 p 25, 195 )
- التعايشة : نسبتهم مخطوطة صادق الحضرة إلى جهينة Vol. 2 p 92)
- جلابة هوارة : نسبتهم مخطوطة ود ودليب إلى قوم عاد ( Vol. 2 p 196 )
- الحلنقة : نسبتها مخطوطة ابن الفكي معروف إلى هوازن ( Vol. 2 p 348 )
- الحدارب : نسبتها مخطوطة ابن الفكي معروف إلى هوازن ( Vol. 2 p 349 )
- الدينكا: نسبتهم مخطوطة النور عنجرة إلى دوكة بن حسن الهلالي من جهينة ( Vol. 2 p 27)
- السقارنج: في جبال النوبا نسبتهم مخطوطة الشريف الطاهر إلى قريش، العياس ( Vol. 2 p 27)
- الشلك: نسبتهم مخطوطة النور عنجرة إلى دوكة بن حسن الهلالي من جهينة ( Vol. 2 p 27)
- العبابدة : نسبتهم مخطوطة ناظر الكواهلة إلى قريش، الزبير بن العوام ( Vol. 2 p 151 )
- الغديات : نسبتهم مخطوطة شيخ البطاحين إلى قريش، العباس ( Vol. 2 p 129 )
- الفلاتة : نسبتهم مخطوطة شيخ البطاحين قريش (عقبة بن عامر) ونسبتهم مخطوطة الشريف الطاهر إلى جهينة ونسبتها مخطوطة ود دوليب في رواية إلى قريش وفي رواية أخرى الى الأنصار ( Vol. 2 p 25, 132, 195)
- الكنجارا : نسبتهم مخطوطة شيخ البطاحين إلى قريش، العباس ونسبتهم مخطوطة صادق الحضرة إلى جهينة ونسبتهم مخطوطة المسبعات إلى إلى بني هلال ( Vol. 2 p 89, 139, 154 )
- المحس : نسبتهم مخطوطة صديق الحضرة إلى الخزرج ونسبتهم مخطوطة كترانج إلى قريش، العباس ( Vol. 2 p 82, 156)
المساليت: نسبتهم مخطوطة صديق الحضرة إلى جهينة ( Vol. 2 p 92 )
- المسبعات : نسبتهم مخطوطة المسبعات إلى إلى بني هلال ( Vol. 2 p 154)
- الميمـا : نسبتهم مخطوطة ود ودليب إلى قوم عاد ( Vol. 2 p 195 )
أنا بالطبع لا أطلب من منسوبي هذه القبائل عرض ونشر أشجار أنسابهم كما يفعل غيرهم، خاصة وأن الجميع يشتركون في نفس المراجع. فعلى سبيل المثال المراجع التي قالت بانتساب المجموعة الجعلية لقريش هي نفسها المراجع التي قالت بانتساب سقارنج جبال النوبة لقريش، والمراجع التي قالت بانتساب المسيرية لجهينة هي نفسها المراجع التي قالت بانتساب الشلك لجهينة.
وأخيراً أود أن أوضح أن غرضي من هذه الكتابات ليس الطعن في أنساب القبائل السودانية، بل غرضي هو إجراء العمليات الضرورية اللازمة لمراجعة أشجار النسب وإخضاعها لدراسة منهجية لتقييمها. وكلنا يعلم أن أحاديث الرسول صل الله عليه وسلم خضعت لمراجعة دقيقة من العلماء المبكرين، واستنبطوا علم مصطلح الحديث لهذا الغرض، فتمكنوا من تقييم أحاديث الرواة عن النبي صل الله عليه وسلم ودونوا صحاح الأحاديث، ووضعوا لنا منهجاً لتقييم الرواة وروايايهم، وليس هنالك راوٍ أو رواية لا يخضع أو تخضع للمراجعة. فنحن نستدل ونحتج بأشجار النسب هذه دون أن نطلع عليها ناهيك من مراجعتها دراستها دراسة منهجية.
هذه هي الحلقة الأخيرة في مراجعات مصادر معرفتنا بتاريخنا القومي، وآمل أن تساهم في التوجه نحو إعادة النظر بشفافية وموضوعية في ذلك الكم الهائل من مخطرطات وأشجار النسب.
ونواصل راجعين إلى موضوعنا السابق: تاريخ غرب السودان القديم.

المراجع:
- البلاذري (أنساب الأشراف، موقع الوراق warraq.com
- ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، موقع الوراق
- الفحل الفكي الطاهر، تاريخ وأصول العرب في السودان/ تحقيق عمر فضل اللهالخرطوم: دار المصورات للنشر 2015.
- مصعب ببن الزبير، نسب قريش
- Mac Michael, H. A, A History of the Arabs in the Sudan, London: Frank Cass& Com. Ltd. 1967. ترجم هذا الكتاب للغة العربية سيد مخمد علي ديدان، ونشره مركز عبد الكريم ميرغني عام 2012