عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السمرقندي وبعض مراجع رواة الأنساب
*************
تناولنا في المقال السابق الرسائل الثلاث التي وردذكر تبادلها بين السلطان العثماني من وجهة وبين السلطان عمارة بن السلطان عدلان وشيخ العبدلاب من جهة أخرى: وسنتناول هنا الرسالة الرابعة التي ذكر نعوم شفير (ص 100) أنها تتضمن أنساب القبائل العربية في السودان والتي جمعها السمرقندي بتكليف من السلطان عمارة، وتُعرف هذه الرسالة في التراث السوداني بـ "كتاب السمرقندي" ويحيط بشخصية السمرقندي الكثير من الغموض، ويرى البعض أنه شخصية اسطورية لا وجود لها. وقد رجع إليه بعض النسابة السودانيين في تتبعهم لأنساب القبائل السودانية، أشاروا إليه أحيانا بالسمرقندي وأحياناً أخرى بأبي محمد السمرقندي كما في مخطوطة أحمد الفكي (Mac Michael, Vol 2, p 343 ) كما أشاروا إليه بالسمرقندي الكبير تمييزاً له من السمرقندي اللاحق له.
فهنالك شخصان - في مخطوطات أنساب القبائل السودانية - عرفا باسم السمرقندي رجع إليهما النسابة السودانيون، عاصر أحدهما السلطان عمارة في بداية القرن السادس عشر الميلادي، وعاش الآخر في فترة لاحقة. ويبدو ذلك واضحاً مما ورد في مخطوطة شيخ البطاحين طلحة عبد الباقي حين عَرَّف بدارسي النسب المشهورين في السودان وهم "الشيخ أبو سليمان العركي والشيخ محمد السمرقندي والشيخ عبد الله بن سعيد السمرقندي والشيخ عبد الرحمن البحراني" وقد ورد في مخطوطة اسحاق محمد شداد البديري (Mac Michael, Vol. 2 p 105) التي يرجع أصلها إلى القرن السابع عشر الميلادي أن السمرقندي سمع من الشيخ عبد الله بن الوزير الحضرمي. ولم أعثر على ترجمة للحضرمي هذا في كتب التراجم.
ويبدو أنه ليس من السهل التحقق من شخصية السمرقندي، فقد ذكر العصامي المتوفى عام 1111 هـ / 1699 (ج 2 ص 441) شخصاً باسم محمد السمرقندي، ونقل عنه حدثاً متعلق بأسرة بني نمي حكام مكة يرجع تاريخه إلى عام 903 هـ، ولم يورد العصامي معلومات عنه. والحدث الذي أشار إليه وقع في عام 903 هـ فيجعله ذلك معاصراً لقيام دولة الفونج. كما ذكر الزركلي (ج 6 ص 102) شخصاً باسم محمد بن حسين بن عبد الله السمرقندي المتوفى عام 996 هـ / 1587م وذكر أنه: "كاتب من آل الحسيني، من أهل المدينة المنورة ووفاته بها، كان يعرف كثيرا من اللغات مثل العربية والفارسية والرومية والهندية والحبشية. وله علم بالانساب صنف (تحفة الطالب) في نسب بعض الطالبيين"
وربما كان سمرقندي العصامي هو نفسه سمرقندي الزركلي العالم بالأنساب. غير أن تاريخ وفاته يجعل عمره نحو 80 سنة حين جمعت مادة كتاب الأنساب في عصر السلطان عمارة. فهل يتمكن شخص في تلك السن من الارتحال بين المدينة وسنار في رحلة تستغرق شهوراً؟ والبحث عن شخصية السمرقندي يتطلب الرجوع إلى كتب التراجم والطبقات وعلى وجه الخصوص في مكة والمدينة بافتراض أنه كان من أهل الحجاز وزار مملكة سنار وتناولت سيرته كتب التراجم.
وقد ذكر محمد صالح ضرار في كتابه (تاريخ سواكن والبحر الأحمر ص 49) أنه تحصل على نسخة خطية من هذا الكتاب في مدينة شندي، إنه سينشره في تاريخ بني عامر. وقد قام ضرار صالح ضرار ابن المؤلف بنشر بعض كتبه، وظهر اسم كتاب "تاريخ بني عامر" ضمن الكتب الجاهزة للنشر ولا أعلم هل نشر الكتاب أم لا، وقد توفي ابن المؤلف ضرار صالح ضرار، ولعل بعض الافادات تصلنا من القراء الكرام.
وذكر محقق كتاب الفحل تاريخ وأصول العرب في السودان (ص 17) أن الفحل اطلع على "تاريخ السمرقندي لدى المغفور له الشيخ أحمد الشيخ طه البكري البطحاني" ومؤلف الكتاب الفحل المتوفى عام 1975 كان قد أكمل كتابه بعد أن مكث وقتاً طويلاً في تأليفه عام 1966 (الفحل ص 33) فإنه يكون قد رأى مخطوطة السمرقندي نحو نهاية النصف الأول من القرن العشرين، مما يجعل إمكانية الحصول عليها عالية، ولكن لم ترد ألاشارة إلى أي السمرقنديين رجع مؤلف الكتاب.
وأرى أنه ليس من الضروري البحث عن شخصية السمرقندي بقدر ما ينبغي علينا النظر في المادة المنقولة عنه والموجودة في كثير من المخطوطات المحلية، ذكر ماكمايكل (ج 2 ص 7) أن مخوطات النسب رجعت إليه في تسعة مواضع.
والملاحظة المثيرة للانتباه فيما نقلته مخطوطات أنساب القبائل السودانية المنشورة في كتاب ماكمايكل عن السمرقندي أنها لا تتضمن معلومات عن العبدلاب، بل نُقل عنه كما في مخطوطة شيخ البطاحين (Mac Michael, Vol. 2 p 132 ) ومخطوطة اسحاق محمد شداد البديري (Mac Michael, Vol. 2 p 103) معلومات مقتضبة عن قبيلة رفاعة جاءت كما يلي: "عاشوا في البداية مع البجة ثم ارتحلوا للنيل، وينتمون إلى قحطان، والله أعلم"
ولا أعتقد أن السرقندي الأكبر الذي عاصر قيام حلف العبدلاب والفونج يتجاهل العبدلاب ولا يدرجهم في كشف ونسب القبائل العربية في المملكة. ومن المنتظر أن تكون أهمية العبدلاب تالية لأسرة الفونج الأموية في كتابه. ثم من المنتظر أيضاً أن يعطي قبيلة رفاعة حقها وحجمها في كتابه لا أن يتناولها في سطر واحد ينتهي بـ "الله أعلم" كما في مخطوطة شيخ البطاحين، فـ "الله أعلم" هنا توحي بنوع من الشك، خاصة وأنها لم تُذكر فيما ورد من معلومات عن القبائل السابقة والتالية لقبيلة رفاعة. ولعل هذا يدعم وجهة نظر من يشكون في وجود شخصية السمرقندي، أو يسند الرواية التي ترى أن العبدلاب ظهروا على مسرح الأحداث بعد قيام دولة الفونج في آخر عصر السلطان عمارة (مكي شبيكة، ص 62). فلم يصلوا للسلطة في عصر السلطان العثماني سليم الأول الذي أرسل له كتاب السمرقندي.
وإلى جانب السمرقندي اعتمد جامعو النسب السودانيون على بعض النسابين مثل الشيخ عبد الرحمن البحراني أو أبو سليمان البحراني والشيخ أبو سليمان العركي، كما رجع جامعو نسب القبائل السودانية إلى بعض قوائم النسب التي وصلت إليهم من خارج السودان. واستعانوا كذلك ببعض المؤلفات التي أشاروا إليها مثل كتب الحديث والسيرة النبوية. وقد أشار أحمد بن اسماغيل الأزهري في مخطوطته (Mac Michael, Vol. 2 p 77) إلى أنه لم يعثر على كتاب نسب ما عدا كتاب سالم بن محمد السنهوري.
وقد ترجم العصامي (ج 2 ص 495) للسنهوري فقال: "المالكي المصري تفنن في العلوم ومهر في الفقه حتى صار معتمد المالكية في عصره" وقال حاجي خليفة (ج 2 ص 1623) " العلامة المحقق سالم بن محمد السنهوري المتوفى عام 1015 هـ / 1606م) وذكر الزركلي (ج 4 ص 157) أنه عاش بمكة. فقد عاش السنهوري بمكة في القرن الخامس عشر، ولكن لم تذكر المصادر التي ترجمت له أنه وضع كتاباً في النسب. وربما قصد أحمد بن اسماعيل الآزهري بتعبيره "كتاب سالم بن محمد السنهوري" رسالة أو مخطوط في النسب. والكتاب والرسالة يستخدمان أحياناً في نفس المعنى.
فمخطوطة السمرقندي الأصلية – كما ترد الاشارة إليها - كانت معروفة لدى النسابة. كانت معروفة في منطقة دنقلة في القرن السابع عشر ، نقل منها الشيخ عمارة عووضة شكال القارح، حضري ولد بدنقلة كان عائشاً عام 1660م / 1656 كما ورد في كتاب الطبقات (ص 272) وقد اعتمدت عليه بعض مخطوطات النسب مثل مخطوطة آل سوار الدهب (Mac Michael, Vol. 2 p 61) ومثل مخطوطة اسحاق بن شداد البديري (Mac Michael, Vol. 2 p 103) ومخطوطات نسب الشكرية (Mac Michael, Vol. 2 p157-159)
ويلاحط أن جامعي نسب القبائل السودانية لم يرجعوا إلى المصادر المعروفة والمشهورة في علم النسب والتي أشرنا إليها في سلسلة هذه الموضوعات (رقم 11) بما فيها كتب نسب القبائل العربية التي أُلفت في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي مثل كتابي القلقشندي (ت 822 هـ /1418 م) نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب وقلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان وكتاب المقريزي (ت845 هـ / 1445 م) البيان والاعراب عمن بأرض مصر من الأعراب، وكتاب لب اللباب في تحرير الأنساب للسيوطي (ت 911 هـ / 1505م). وقد يبدو سبب عدم استخدام جامعي نسب القبائل السودانية لهذه المصار أنها لم تتضمن معلومات عن قبائل عربية في السودان.
وليس الغرض من هذا الموضوع تتبع ودراسة كل المراجع التي استند عليها جامعو نسب القبائل السودانية وإنما أريد فقط أن أشير إلي ضرورة البحث المراجع التي أخذت عنها مخطوات النسب، ومقارنة المعلومات التي وردت في المخوات عن نسب القبائل لاستخراج الصحيح منها وطرح ما دون ذلك. فعلى سبيل المثال من المراجع التي أخذت منها النسابون السودانيون بعض نسخ النسب التي ذكر أنها أتت من مكة ونسخة نسب أولاد جابر.
وقد وردت الاشارات إلى عدد من نسخ النسب التي ذُكِر أنها أتت من مكة مثل نسخة عمدة البشارية المعاقلة في كردفان التي جاء فيها" (Mac Michael, Vol. 2 p 112) "هذه النسبة نقلها الشيخ كامل المرشد من نسخة في مكة" وكذلك نسخة الفكي أحمد محمد التي نقلت من نسخة الشيخ كامل المرشد البديري (Mac Michael, Vol. 2 p 115) وتوجد نسخة أخري تنسب إلى كامل المغربي أشارت إليها مخطوطة أل سوار الدهب. وقد ذكر جامع نسب أل سوار الدهب أيضاً أنه وجد نسبة نسخها جده لأمه العالم الجليل الحاج محمد بن بشارة من نسخة عثر عليها في مكة عندما أدى فريضة الحج كتبها الشريف سرور. (Mac Michael, Vol. 2 p 62) كما توجد أيضاً مخطوطة قديمة ترجع إلى أوائل القرن السادس عشر، فقد جاء في مخطوطة النور عنقرة (Michael, Vol. 2 p 37) أنها نقلت من نسخة محمد بن الفكي النور الجابرابي من أولاد جابر، والتي نقلها من نسخة جابر بن محمد بن عون بن سليم بن رباط بن غلام الله بن عائد.
هذه أمثلة لبعض المراجع التي اعتمدت عليها مجموعات من أشجار نسب القبائل السودانية. وقد جمع ماكمايكل في الجزء الثاني من كتابه القيم The History of the Arabs in the Sudan 33 مخطوطة قام بنقلها إلى اللغة الانجليزية وعلق عليها، وتحتوي معظم تلك المخطوطات على نسب القبائل السودانية من بينها طبقات ود ضيف الله، (محمد النور بن ضيف الله) وبعضها عن تاريخ السودان منذ عصر الفونج. وتضمن كتاب ماكميل ترجمة لـ 256 شخصية من طبقات ود ضيف الله من جملة الـ 270 ترجمة الذين ضمتهم النسخة التي حققها يوسف فضل حسن.
وبالطبع يوجد كم هائل من المخطوطات وأشجار النسب في أيدي الكثير من الأسر السودانية وفي دار الوثائق القومية. وتمثل هذه المخطوطات مصادر لا غنى عنها للباحثين في تاريخ السودان الحديث منذ القرن الخامس عشر الميلادي. وينبغي على الباحثين والمؤسسات التعليمية بصورة عامة وأقسام التاريخ واللغة العربية في الجامعات السودانية بصورة خاصة الاهتمام بهذا التراث وجمعه وتحقيقه والعمل على تقييم المعلومات الواردة فيه ومقارنتها بالمعلومات الواردة في مصادر التراث العربي مثل كتب النسب والطبقات والتراجم والسير والتاريخ والبلدان والموسوعات. ويمكن أيضاً الاستعانة بحساب الزمن بين الأجيال أو الآباء وفقاً للتقدير المتفق عليه بين الباحثسن وهو 33 سنة بين كل جبل والأخر.
فعلى سبيل المثال ذكر ماكمايكل (ج 2 ص 3) إن عدد الأجبال المتفق عليها بين الباحثين في فترة الثلاثة عشر قرناً بين عصر أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم (القرن الأول الهجري = القرن السابع الميلادي، سنة 1 هـ = 622 م) والقرن العشرين تقدر بـ 40 جيل أو أب. وبذلك يمكننا تقدير الزمن الذي عاشته تلك الأجيال (40×33=1320 سنة) فهل هذا التقدير يرجع بنا إلى عصر الجيل الأول في القرن السابع بافتراض أن الجيل الأخير عاش في منتصف القرن العشرين؟
لدينا مثال لشجرة نسب من هذا القبيل أثارت اهتمام عالمي كبير وهي نسب الملكة إلزابث الثانية ملكة المملكة المتحدة كما في الموقع: http:/yournewswire.com/queen-elizabeth-descendant-muhmmad/ والتي أرجعت أصولها إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وبلغ عدد الأجيال بين الملكة إلزايث والحسين 41 جيل. فلدينا عدد الأجيال (41) والزمن بين كل جيل والجيل التالي 33 سنة، ويمكننا إذاً تقدير الزمن الذي عاشته هذه الأجيال، وهل يرجع ذلك إلى زمن الجيل الأول في القرن السابع.
(41×33=1353 سنة) منتصف القرن العشرين (عام 1950-1353سنة = عام 647) أي القرن السابع، فتكون النسبة معقولة.
ونواصل: الحلقة التالية والأخيرة في هذه السلسلة عن نسب المجموعة الجعلية.
المراجع
- حاجي خليفة، كشف الظنون موقع الوراق warraq.com
- الزركلي الاعلام، موقع الوراق warraq.com
- العصامي: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، موقع الوراق warraq.com
- الفحل الفكي الطاهر، تاريخ وأصول العرب بالسودان، تحقيق عمر فضل الله، الخرطوم: دار المصورات للنشر2015.
- محمد صالح ضرار، تاريخ سواكن والبحر الأحمر الخرطوم: الدار السودانية للكتب 1988.
- مكي شبيكة، السودان عبر القرون، ط 3، بروت: دار الجيل 1991
- Mac Michael, H. A, A History of the Arabs in the Sudan, London: Frank Cass& Com. Ltd. 1967. ترجم هذا الكتاب للغة العربية سيد مخمد علي ديدان، ونشره مركز عبد الكريم ميرغني عام 2012