عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أسماء بعض القبائل السودانية وممالكها في المصادر العربية قبل القرن 15 م
تناولت المصادر العربية - تاريخية وجغرافية وكتب رحالات – مادة غزبرة عن السودان جمع معظمها د مصطفى محمد مسعد في كتابه القيم "المكتية السودانية العربية: مجموعة النصوص والوثائق الخاصة بتاريخ السودان في العصور الوسطى" غطت تلك المادة الفترة الواقعة بين القرنين السابع والخامس عشر الميلاديين تناولت الممالك السودانية والسكان وانشطتهم الاقتصادية والثقافية وعلاقاتهم بالمسلمين في مصر. وسوف نتناول هنا بإيجاز بعض ما ورد في تلك المصادر عن قبائل وممالك السودان قبل القرن 15 م (شرق السودان ومملكتي مقُرة وعلوة) للتعرف عليها ومقارنتها بمعارفنا الحالية عن قبائل السودان.

شرق السودان
تركزت أكثر معلومات المصادر العربية على المنطقة الشمالية من شرق السودان التي كانت على صلات مبكرة ومتصلة بالمسلمين. بدأت تلك الصلات بما تناوله الواقدي من إرسال ملك البجة جنوداً لمساعدة البيزنطيين عند دخول جيش المسلمين مصر بقيادة عمر بن العاص.
ذكر الواقدي (ت207 هـ / 822 م) أن البيزنطيين استنجدوا بملك النوبة وملك البجة عندما حاصر المسلمون مدينة البهنسا في صعيد مصر، وورد في نسخة كتاب الواقدي التي نقل عنها مسعد (المكتبة السودانية ص 2-3) أن البجة والنوبة لم يتمكنا من إرسال نجدة للبيزنطيين لحرب وقعت بينهما. وفي طبعة دار الجيل من كتاب الواقدي – غير التي نقل عنها مسعد – ورد (ج 2 ص 60) أن ملكي النوبة والبجة اعتزرا لحرب جرت بينمهما، ولكن في أمكنة آخرى في نفس النسخة (ج 2 صفحات 227 و228 و143) ذكر أن ملكي البجة والنوبة لبَّيا دعوة البيزنطيين وأرسلا الجيوش لمصر.
وضح الواقدي أن ملك البجة مكسوج أتى ومعه عدد كبير من الجنود وصفهم بأنهم "طوال القامة عراة الأجسام، على أكتافهم وأوساطهم جلود النمور وغيرها من الدرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع والأعمدة الحديدية والطبول والقرون" كما ذكر ابن عبد الحكم (في مسعد ص 10) عن البجة أن عبد الله بن سعد عندما انتهى من حروبه في بلاد النوبة عام 31هـ تجمع له البجة "فسأل عنهم فأخبر بمكانهم فهان عليه أمرهم فَنَفَذ وتركهم ولم يكن لهم عهد ولا صلح." ثم تواترت أخبار البجة في تلك المصادر فتناولت:

ممالك البجة
إلى جانب مملكة البجة المذكورة أعلاه ذكر اليعقوبي (في مسعد ص 21) الممالك التالية: 2- في كتابه التاريخ (في مسعد ص 19) أن هجر مدينة ملك الحداربة والكذبين، وفي كتابه البلدان (في مسعد ص 22) أطلق على المملكة اسم نقيس. 3- مملكة بقلين، كثيرة المدن، واسعة يضارعون في دينهم المجوس والثنوية، 4- مملكة بازين، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة، ويتاخمون بقلين من البجة، 5- مملكة جارين، ولهم ملك خطير، وملكه ما بين بلد يقال له: باضع، وهو ساحل البحر الأعظم إلى حد بركات من مملكة بقلين، 6- مملكة قطعة، وهي آخر ممالك البجة، ومملكتهم واسعة من حد موضع يقال له: باضع، إلى موضع يقال له: فيكون، ولهم حد شديد، وشوكة صعبة.
7. مملكة الحلنقة: ذكرها النويري (في مسعد ص 234) أثناء تتبعه حملة المماليك عام 717 هـ / 1317 م التي توغلت حتى كسلا وحاربت الحلنقة "فقتل من هلنكة أربعمائة وستون نفراً وجرح منهم خلقاً كثير. ولم يتمكن العسكر من أسرهم، فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر. وقتل منهم اثنان من ملوكهم" كما ورد ذكرها باسم مملكة التاكة ضمن الممالك التي أُرسلت إليها سفارة المماليك عام 685 هـ /1286 م، كما ورد ذكرها باسم مملكة التاكة ضمن الممالك التي أرسلت إليها سفارة المماليك عام 685 هـ / 1286 م (ابن عيد الظاهر، في مسعد ص 197)
8- مملكة الخاسة: قال المقريزي ص 295 أثناء تناوله ميناء سواكن "أهلها طائقة من البجة تسمى الخاسة، وهم مسلمون ولهم بها ملك" 9- مملكة تفلين: قال ابن حوقل (في مسعد ص 74) "ودُجْن [وادي القاش] قرى متصلة ... وسط وادي دجن تفلين وهي قرى أيضاً للبادية منهم، ينتجعونها للمراعي حين المطر، ولهم ملك مسلم يتكلم العربية من قِبَل صاحب علوة." ربما هي مملكة بقلين التي ذكرها اليعقوبي.
10- مملكة بنو الهموية في أعالي النيل الأزرق ، ونورد عنها بعض المعلومات:
جاء في رسالة من ملك الحبشة في القرن العاشر الميلادي إلى ماك مقُرة "أن إمرأة ملكةً على بني الهموية ثارت عليه وعلى كورته، وسبت منها خلقاً كثيراً، وأحرقت مدناً كثيرة، وأخربت البيع، وطاردته [أي الملك] من مكان إلى مكان ..." (نص الرسالة كاملة في كتاب ساورس بن المقفع، تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية. في مسعد، المكتبة، ص 87)
وتناول ابن حوقل (في مسعد، ص 76) الذي زار سواحل البحر الأحمر وكتب عن أحداث الحبشة التي كان معاصراً لها في القرن العاشر الميلادي. جاء عنده ما يلي:
"وأما بلد الحبشة فملكتهم إمرأة منذ سنون كثيرة، وهي القاتلة لملك الحبشة المعروف بالحضاني، وهي مقيمة إلى يومنا هذا مستولية على بلدها وما جاورها من بلد الحضاني في دبور الحبشة، وهو بلد عظيم لا غاية له ومفاوز وبراري يتعذر مسلكها"
وجعل كونت روزيني موقع بني الهموية غرب قوجام في اقليم داموت. ويرى روزيني أنه قامت هنالك مملكة كوشية قوية ظلت عائشة حتى نهاية القرن الثالث عشر. (Sergew Hable Sellessie, p 230) مملكة دامت قامت في مناطق الحدود الحالية بين السودان واثيوبيا نحو القرن 6 م وحتى القرن 14 م)
ويفهم من بعض الوثائق أن مملكة بنوالهموية أتت من خارج بلاد الحبشة. فقد جاء على لسان ملك الحبشة في رسالته إلى ملك النوبة أن المحاربين بقيادة الملكة "أعداء احرقوا مدننا واجتاحوا كنائسنا" فالتعبير "بكنائسنا ومدننا" بنون المتكلمين تشير إلى عدم انتماء المخاطبين (الأعداء) إلى بلد الملك، كما ذكر الملك أيضاً أن الأعداء "أخذوا الكثير من الأسرى من قطرنا" (Sergew Hable Sellessie, p 224.) فالأعداء ليسوا من قطر الملك.
ويشير نص ابن حوقل أعلاه عن الملكة أنها في منطقة مجاورة لبلاد الحبشة، فقد ذكر انها "مقيمة إلى يومنا هذا مستولية على بلدها وما جاورها من بلد الحضاني في دبور الحبشة " والحضاني هو اللقب الذي تطلقه المصادر العربية على ملك الحبشة. فملكة بنو الهموية كانت في عصر ابن حوقل تحكم بلدها المجاور لآخر بلاد الحبشة إلى جانب ما استولت عليه من بلاد الحبشة.
كما نقل الرحالة فردريك كايو – الذي رافق اسماعيل باشا في رحلته إلى منطقة فازوغلي ما كان يتردد في التراث السوداني في تلك المنطقة من أن مملكة سنار قامت منذ وقت طويل و"حكمتها اثنتا عشَر ملكة وعشَر ملوك قبل قيام دولة سنار في أول القرن السادس الميلادي" (فردريك كايو،رحلة إلى مروي والنيل الأبيض وما وراء فازوغلي . ص 181)
فهل مملكة بنو الهموية هي المملكة الكوشية التي أطلق عليها الكونت روزيني هذا الوصف "الكوشية" والتي عاشت حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، لأن ملوك الحبشة بدأوا التوسع في هذه المناطق وضموها لحدودهم في القرن الرابع عشر.


سكان شرق السودان
ذكرت المصادر عدداً من قبائل شرق السودان منها: 1- الحداربة 2- البليون 3- الزنافجة 4- الحلنقة 5- الخاسة 6- كديم 7- بواتيكة 8- قعصة 9- أهل تفلين 10- بازين 11- باريه. وقد تناولت هذه القبائل بشئ من التفصيل في الفصل الثاني من كتاب السودان : الوعي بالذات وتأصيل الهوية. وسأوجز هنا بعض الأمثلة عما ورد عن بعض تلك القبائل.

قبيلة الحداربة: قال اليعقوبي (في مسعد ص 22) عن الحداربة: " ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب، فمنهم: الحدرات، وحجاب، والعماعر وكوير، ومناسة، ورسفة، وعربرتعة" وقال عنهم ابن حوقل (في مسعد ص 72) "وعبدك وكوك رئيسا الحداربة أجمع ، وفيهم رئيسان: رئيس لأهل كل بيتٍ زمامٍ، ورئيس يسوسهم ... فأما بطون الحدارب فمنهم: العريتيكة والسوتبار والحوتمة والعنكبيرا والنجريروا والجنيتيكة والواخيكة والحربيب بطن واحد ويتفخذ لهؤلاء القوم كل بطن إلى نحو مائة فخذ، ولكل فخذ رئيس أو رئيسان" مدن الحداربــة : هجر وعيذاب وسواكن وبختة وصنجة.
قبيلة قعصة: من قبائل البجة في الداخل الذين قال عنهم ابن سُليم (في مسعد ص 113) في صحراء بلد علوة مما يلي البحر الملح إلى أوّل الحبشة، ورجالهم في الظعن والمواشي واتباع الرعي والمعيشة، والمراكب والسلاح، كحال الحدارب" وقال ابن حوقل (في مسعد ص 71) عن قبيلة قصعة "وبركة تقارب جزيرة باضع وبينهما يوم وتكون نحو ثلاث مراحل مملوءة ببطون قعصة وهي من أجل بطون البجة الداخلة وأكثرها مالاً وأعزها"

قبيلة بواتيكة: وصف ابن حوقل (في مسعد ص 72) القبيلة ومواطنها قائلاً: "والذي بين وادي بركة وجبلها المدعو ملاحيب راجعاً إلى الإىسلام قلعيب وابنوديت وجبال دروريت مياه متصلة وبلدان عامرة ببواتيكة من قبائل البجة ، تزيد على الاحصاء ولا يُبلغ عددها لتوغلهم في أعماق الصحارى"

مملكة مقُرّة
ذكر اليعقوبي أن مقُرة بلاد واسعة وعريضة ومسافة ما بينها وبين علوة مسيرة ثلاثة أشهر، بينما جعل الادريسي طولها على النيل مسيرة شهرين وأكثر. قال الحسن الوزان عام 1526 م (وصف افريقيا ص 180) عن مملكة النوبة: "تمتد مملكة النوبة على طول النيل متاخمة قفر القرعان جنوبا وأراضي مصر شمالا." وأشار إلى صحراء بيوضة باعتبارها صحراء القرعان.

سكان مملكة مقُرّة: ورد في المصادر العربية من بين سكانها: النوبة، اللاب، الجبليون. وعلى حدودها الغربية: الزغاوة والتاجويين، القرعان. وقد تناولنا بلاد و سكان مملكتي مقرة وعلوة في الفصل الرابع من الجزء الثاني كن كتاب السودان: الوعي بالذات، ونتناول هنا بعضاً مما ورد عن النوبة والزغاوة.

النوبــــة: وصف الدمشقي (في مصعد ص 236) النوبة بأنهم "طوائف من السودان ... وهم أصناف على ما ذكره تجار أسوان: أنج [عنج] وأزكرسا والتبان وأندا وكنكا. فأنج وكنكا يسكنون جزيرى عظيمة من جزاءر النيل تسمى أندا" ويقصدد بالجزيرة منطقة الجزيرة الحالية. قال القلقشندي (في مصعد ص 286) عن النوبة: "ولون بعضهم يميل إلى الصفاء، وبعضهم شديد السواد" وقال الادريسي (في مسعد ص 129) عن سكان مدينة دنقلة انهم: "سودان لكنهم أحسن السودان وجوهاً وأجملهم شكلاً ... وطعامهم الشعير والذرة والتمر يجلب إليهم من البلاد المجاورة لهم وشرابهم المزر المتخذ من الذرة واللحوم التي يستعملونها لحوم الإبل طرية ومقددة ومطحونة ويطبخونها بألبان النوق وأما السمك فكثير عندهم جدا."


الزغاوة والتاجويين (الداجو؟): المسعودي ( مروج الذهب ج 1 ص 89) "مملكة الزغاوة واسعة كبيرة، منها على النيل مما يحاذي النوبة،" وذكر ابن سعيد (الجغرافيا ج 1 ص 11) ومجالات التاجويين والزغاويين ممتدة في المسافة التي بين قوس النيل من الجنوب إلى الشمال وهم جنس واحد، ولكن الملك وحسن الصورة والأخلاق في التاجويين. وهم كفار عصاة على الكانمي يألفون الصحارى والجبال في الإقليم الأول والثاني. وذكر ابن فاطمة أن الملوك من الكانم وتاجوه إنما هربوا بقواعدهم من النيل بسبب البعوض، فإنه يكثر من مجاورة النيل فيشتد أذاه على الآدميين والخيل. ولهم عيون في الرمال ومياه مشربة من النيل أيام الزيادة."
وذكر الادريسي (ج 1 ص 6) "ومن انجيمى [في مملكة كانم] إلى مدينة زغاوة ستة أيام ومدينة زغاوة مدينة مجتمعة الكور كثيرة البشر وحولها خلق من الزغاويين يشيلون بإبلهم ولهم تجارات يسيرة وصنائع يتعاملون بها ... ومن مدينة مانان إلى مدينة تاجوة ثلاث عشرة مرحلة وهي قاعدة بلاد التاجوين وهم مجوس لا يعتقدون شيئاً وأرضهم متصلة بأرض النوبة. ومن بلادهم سمنة ومدينة سمنة هذه مدينة صغيرة وحكى بعض المسافرين إلى مدائن كوار أن صاحب بلاق توجه إلى سمنة وهو أمير من قبل ملك النوبة فحرقها وهدمها وبدد شملهم على الآفاق وهي الآن خراب ومن مدينة تاجوة إليها ست مراحل ومن مدينة تاجوة إلى مدينة نوابة ثماني عشرة مرحلة"
ذكر ياقوت( في مسعد ص 163) أن للزغاوة مدينتان يقال لإحداهما مانان وللاخرى ترازكي، ووضح (ج 3 ص 462) أن كاوار ناحية واسعة تقع "في جنوبي فَزَّان خلف الواح بها مدن كثيرة منها قصر أم عيسى، وأبو البلماءِ، والبلاس، وأكبر مدنه أبو البلماء، وألوان أهلها صفر يلبسون ثياب الصوف، وفي بلادهم أسواق، ومياه جارية، ونخل كثير، ولهم سلطان في طاعة ملك الزغاوة"
مدن مملكة مقرة: القصر،بلاق، بجراش (فرس)، إبريم، أدواء، تقوى (منطقة الشلال الثاني) المقس الأعلى، صاي، سقلودا، بيستو (الشلال الثالث) دنقلة، شنقير، بلاق، كوشة.

المنطقة بين أسوان ودنقلة
نورد ملخصاً لوصف ابن سُليم (في مسعد ص 91-97) للمنطقة "وأوّل بلد النوبة، قرية تعرف بالقصر من أسوان إليها خمسة أميال، وآخر حصن للمسلمين، جزيرة تعرف ببلاق، بينها وبين قرية النوبة ميل، وهو ساحل بلد النوبة ... ومنها إلى الجنادل الأولى من بلد النوبة، عشر مراحل، وهي الناحية التي يتصرف فيها المسلمون... وهذه الناحية بجراش مدينة المريس، وقلعة ابريم، وقلعة أخرى دونها، وبها مينا تعرف بأدواء يُنسب إليها، لقمان الحكيم، وذو النون، وبها بربا عجيب، ولهذه الناحية والِ من قبل عظيم النوبة يعرف بصاحب الجبل من أجلّ ولاتهم لقربه من أرض الإسلام ... ولا يطلق لأحد الصعود إلى مولاه لمسلم ولا لغيره.
وأوّل الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوى ... ولا يطلق لأحد من المسلمين، ولا من غيرهم الصعود منها إلا بإذن من صاحب جبلهم، ومنها إلى المقس الأعلى، ست مراحل ... وهي من أرض مريس، وصاحب الجبل واليهم، والمسلحة [الخامية] بالمقس الأعلى صاحبها من قبل كبيرهم شديد الضبط لها، حتى أنّ عظيمهم إذا صار بها وقف به المسلحي، وأوهم أنه يفتش عليه، حتى يجد الطريق إلى ولده ووزيره ... ولا يطلق لأحد أن يجوزها إلا بإذن الملك، ومن خالف كان جزاؤه القتل كائناً من كان، وبهذا الاحتياط تتكتم أخبارهم ... ومن هذه المسلحة إلى قرية تعرف بساي ... ثم ناحية سقلودا وتفسيرها السبع ولاة، وهي أشبه الأرض بالأرض المتاخمة لأرض الإسلام في السعة والضيق في مواضع، والنخل والكرم والزرع وشجر المقل ... وفيها قلعة تعرف بأصطنون، وهي أوّل الجنادل الثلاثة .. وقُبْلِيه فُرش حجارة في النيل نحو ثلاثة بُرد إلى قرية تعرف: بيستو، وهي آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة، ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي ... وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام" ثم بقون وسفد بقل ومدبنة دنقلة.
مدينـة دنقلة، وذكر ابوصالح الأرمني دنقلة بأنها "مدينة عظيمة على شاطئ بحر النيل المبارك، وبها كنائس وآدر كبار وشوارع متسعة ودار الملك شاهقة البناء بقباب عدة مبنية بالطوب الأحمر تحاكي أبنية العراق مما كان اقترحه رفائيل ملك النوبة إلى آخر سنة اثنين وتسعين وثلثمائة" [ 1001م]"
مدينة نوابية أو نوابة : ذكر ابن سعيد (ج 1 ص 11) أن مدينة نوابة تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة دنقلة. وقال عنها الادريسي (في مسعد ص 126)"وهي مدينة صغيرة وأهلها مياسير ... وإليها تنسب النوبة وبها عرفوا" وقال ابن سعيد (ج 1 ص11) "من مدن النوبة نوابة التي سموا بها"
مدينة كوشـــة، "بينها وبين مدينة نوابة ستة أيام وهي تبعد عن النيل يسيراً وموضعها فوق خط الاستواء" (الادريسي، في مسعد ص 127) وحدد ابن سعيد (ج 1 ص 11) - وعنه نقل أبو الفداء والقلقشندي - موقعها بأنها جنوب غربي مدينة دنقلة. وذكر ابن فضل الله العمري (في مسعد ص 245) أن كوشة من مدن النوبة ولم يحدد موقعها. وقد افترض كراوفورد بناءً على تحديد الادريسي بأنها قامت على مكان زانكور الحالية في شمال كردفان عند بداية وادي المٍلك.

مملكة علـوة
جاء أول ذكر لعلوة كما ذكر ماكمايكل (A History of the Arabs in the Sudan, Vol. 1, p 46 – 47.) على مسلة الملك الكوشي نستاسن الذي أرخ له رايزنر(298 – 278 ق م ) حيث تلقب بلقب ملك علوة Alut إلى جانب المناطق الأخرى من مملكته. وقد شيد الملك ناستاسن معبداً في علوة مما يؤكد أهميتها كأحد أقاليم أو مدن مملكته. كما ورد ذكر علوة أيضاً في نقش عيزانا في القرن الرابع الميلادي.

وقد أوضحت المصادر العربية الامتداد الواسع لمملكة علوة، فعلى سبيل المثال قدر اليعقوبي (في مسعد ص 21) امتدادها بنحو ثلاثة أشهر. وهكذا امتدت حدود مملكة علوة – بناءً على المصادر العربية - على النيل الأبيض جنوباً، ووصلت حدودها شرقاً إلى منطقة كسلا وغرباً إلى مناطق دارفور.

مدن مملكة علوة: سوبة، الأبواب، الجزيرة الكبرى، كرسي
مدينة سوبة وصف ابن سليم (في مسعد ص 102) مدينة سوبة قائلاً "مدينة العلوي شرقيّ الجزيرة الكبرى التي بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشماليّ منها عند مجتمعهما، وشرقيها النهر الذي يجف ويسكن بطنه، وفيها أبنية حسان ودور واسعة، وكنائس كثيرة الذهب، وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين" وذكر أبو صالح الأرمني (في مسعد ص 138) أن مدينة سوبة "بها جيش ومملكة عظيمة جداً وأعمال متسعة، وبها أربعمائة كنيسة ... وبها كنيسة عظيمة جداً متسعة محكمة الوضع والبناء أكثرمن جميع الكنائس التي بها وتسمى بكنيسة منبلي."
الجزيرة الكبرى (النوبة والكرسي وغيرهم) أطلق ابن سليم (ص 103) على المنطقة الواقعة بين النيلين الأبيض والأزرق اسم الجزيرة الكبرى، قال عنها: "وبين هذين النهرين، جزيرة لا يعرف لها غاية، وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية، فأوّلهما يعرف عرضه، ثم يتسع فيصير مسافة شهر، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض، لأنّ فيهما أجناساً كثيرة وخلقاً عظيماً، قال: وبلغني أنّ بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها، فلم يأتِ عليه بعد سنين" ووصف ابن حوقل (في مسعد ص 75) الجزيرة قائلاً: "جزيرة لا يعرف لها غاية ، بها جميع الوحش ويسكنها النوبة والكرسي ومن لايقدر – لامتناع جانبه – أن يحاط به.

سكان مملكة علوة تناولت المصادر العربية أربع عشرة جماعة سكانية أو قبيلة هم: العنج والديجون وأهل تفلين والكرنيكا ومرنكة وكرسا وطبلى وأندا أزكرسا وتكنة ونوبة النيل الأبيض والأحديين والتبان وكنكا. وقد ورد القليل من الوصف العام للسكن، وتناولت المصادر في أغلب الأحيان هذه الجماعات باختصار شديد بلغ في بعض الأحيان ذكر اسم الجماعة فقط. وفيما يلي نتناول بعضها
العنـــج: ذكر ابن عبد الظاهر (في مسعد ص 197) أن "صاحب العنج" كان من بين الحكام الذين توجهت إليهم سفارة المماليك عام 689 / 1290م لتأديب ملك المقرة سمامون لخروجه عن طاعة المماليك. وقد طاردت الحملة جنوبي مدينة دنقلة أحد الأمراء الخارجين على السلطان ويدعى "آني". ووضح أن الحملة وجدت من أخبرها أن الأمير آني:
"له يومان مذ رحل إلي جهة الأنج [العنج]، فتبعه العسكر مسافة أخرى، وعادوا بعد أن قتلوا خلقاً كثيراً، وأسروا حريمهم، وأخذوا مالهم، ورجعوا بغنيمة عظيمة؟ ولم يسلم الملك آني إلا ومعه سبعة أنفار، وما أخر العسكر من لحاقه إلا شدة العطش، ولأن البلاد التي وصلوا إليها بلاد خراب، مأوى الفيلة والقردة والخنازير والزرافات والنعام." وقد نقل الدمشقي (ت 739 هـ / 1328 م) عن تجار أسوان أن أصناف النوبة هم: أنج وأزكرسا ووالتبان وأندا وكنكا. (الدمشقي في مسعد ص 236) يلاحظ أن العنج سذكرون ضمن سكان مملكتي مقرة وعلوة.
الكرسا/كرسي قال ابن سليم (في مسعد ص 103): "في الجزيرة الكبرى الواقعة بين البحرين جنس يعرف بالكرسا لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر ... وهذه الناحية التي فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد، وميرة بلد، علوة ومتملكهم من هذه الناحية، فيوجهون المراكب فتوسق" ويقصد بالبحرين هنا النيلين الأبيض والأزرق. ووصف ابن ابن حوقل (في مسعد ص 75) كرسى بأنهم أمة كثيرة من النوبة، وتقع ديارها على نهر أتمتي المتفرع من أعلى نهر أور، ونهر أتمتي هو الدندر. وتمتد ديارهم على النهرحتى بلاد الحبشة . وذكر الدمشقي (في مسعد ص 236) "أزكرسا" ووصفهم بأنهم صنف من النوبة، ربما كانوا هم الكرسى رغم أنه وضعهم بعيدين عن النيل.
مرنكة ذكر ابن حوقل (في مسعد ص 75) أن "مرنكة قبيلة من النوبة ... تقطن على نهر أور في أعالي بلاد علوة والذي يجري من الشرق إلى الغرب ويصب في النيل" ويقصد بنهر أورالنيل الأزرق.
أندا جعل الدمشقي أندا من أصناف النوبة ويسكنون "جزيرة عظيمة من جزائر النيل تسمى أندا، وهم بها، لا يستترون بشئ البتة ." وربما أندا هو اسم الجزيرة الكبرى التى كتب عنها وعن سكانها ابن حوقل وابن سليم.
بلد طبلي أورد ابن حوقل (في مسعد ص 78) أنه "ذكر قوم أنهم يجتازون في أعالي هذا النهر – أعني النيل – من أعالي بلد كرسي ببلد طُبلي. وهو منتهي ملك علوة على النيل"
تكنة اتفقت آراء المؤرخين الذين كتبوا عن تكنة – ابن الفقيه (ص 31) والمسعودي (ص 50) وياقوت الحموي (ص 166) – على أن موقع تكنة أقصى جنوب بلاد علوة، ولم توصف بانتمائها للنوبة مثل الكنينا وأندا وكرسى بل وصفوا بأنهم أمة من السودان عراة، أرضهم تنبت الذهب .
نوبة النيل الأبيض: أشارابن حوقل (في مسعد ص 75) إلى سكان النيل الأبيض من النوبة، ولم يورد معلومات عنهم، ولم أعثر لهم على ذكر في المصادر الأخرى. ذكر ابن حوقل: "ومن غربي النيل نهر يجري من ناحية الغرب كبير غزير الماء يعرف بالنيل الأبيض وعليه قوم من النوبة."
الأحديين في بلد امقل: تناول ابن حوقل (في مسعد ص 75) منطقة متوغلة في الصحراء غربي النيل الأبيض أطلق عليها اسم امقل ذكرأنها
"بين علوة وبين الأمة المعروفة بالجبليينمفازة ذات رمال إلى بلد امقل، وهو ناحية كبيرة ذات قرى لا تحصى وأمم مختلفة ولغات كثيرة متباينة لا يحاط بها ولا يبلغ غايتهم يعرفون بالأحديين، وفيهم معادن الذهب الجيد والتبر الخالص والحديد متصلين بالمغرب إلى ما لا يعرف منتهاه، زيهم زي المغاربة، أرباب جمال وخيل وبرازين غير تامة الخلق لقصرها وقرب لبودها، وسلاحهم فيه درق كدرق المغاربة بيض وحراب، وسيوفهم أيضا غير تامة، وفيهم جند يلبسون السراويلات المفتحة الطوال ونعالهم كنعال المغاربة وهم على النصرانية، وهم في طاعة ملك علوة، وبينهم وبين ملك علوة خمس مراحل ثلاثة منهافي مفازة."
التبان أشار إليهم الدمشقي (في مسعد ص 236) ولم يحدد موقعهم، "وذكر أنه يوحد بأرضهم معادن الحديد، ولا يعيش بأرضهم حيوان لشدة حرها"
كنكا ذكرهم أيضاً الدمشقي (في مسعد ص 236) ولم يحدد موقعهم ولم يورد معلومات عنهم.
هذه أمثلة لبعض ما ورد في المصادر العربية عن سكان السودان حتى القرن الخامس عشر الميلادي، أي قبل نحو خمسة قرون فقط. وأغلب أسماء السكان الذين ورد ذكرهم في تلك المصادر غير معروفة لدينا الآن، علينا البحث عنها والتعرف على أسمائها الحديثة. ومن جانب آخر نلاحظ أن القبائل السودانية المشهورة حالياً مثل المجموعات الجعلية والجهنية لم يرد ذكرها في المصادر العربية حتى القرن الخامس عشر الميلادي، فما هو مصدر معرفتنا بها؟؟

نواصل

المراجع
- مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، الخرطوم: دار المصورات للنشر 2014.
- ابن سعيد، كتاب الجغرافيا، موقع الوراق.
- الحسن بن محمد الوزان المعروف بليو الافريقي، وصف افريقيا. تحقيق محمد حجي ومحمد الأخضر ط 2 دار الغرب الاسلامي 1983
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، موقع الوراق.
- Mac Michael, A History of the Arabs in the Sudan, London: Frank Cass & Com. Ltd.1967.
- Sergew Hable Sellassie, Ancient and Medieval Ethiopian History. Addis Ababa: 1972.