عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التعديلات التي طرأت على اتفاق عبد الله بن سعد وما طرأ على العلاقات حتى القرن 14 م
تناولنا في موضوعنا السابق أحداث العلاقات بين المسلمين والنوبة المتمثلة في عدد كبير من المعارك والسفارات والمراسلات، ووضحنا كيف أننا نحتكم إلى حدثين فقط من تلك الأحداث هما حرب عبد الله بن سعد وأعتلاء عبد الله برشمبو عرش مملكة مقرة. وسنلقي هنا بعض الضوء على الاتفاقيات التي وقعت خلال تلك الأحداث وما طرأ عليها من تعديلات.
الاتفاق الأول: ذكر المقريزي (في مسعد ص301) أن عبد الله بن سعد وقع صلحاً مع النوبة أثناء حروبه المبكرة قبل عام 31 هـ. قال المقريزي:
"وأوّل ما تقرّر هذا البقط على النوبة في إمارة عمرو بن العاص، لما بعث عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعد فتح مصر إلى النوبة سنة عشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين في عشرين ألفاً، فمكث بها زماناً، فكتب إليه عمرو يأمره بالرجوع إليه.
فلما مات عمرو رضي الله عنه، نقض النوبة الصلح الذي جرى بينهم وبين عبد الله بن سعد، وكثرت سراياهم إلى الصعيد، فأخربوا، وأفسدوا، فغزاهم مرّة ثانية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، سنة إحدى وثلاثين، وحصرهم بمدينة دنقلة حصاراً شديداً، ورماهم بالمنجنيق، ولم تكن النوبة تعرفه وخسف بهم كنيستهم بحجر، فبهرهم ذلك، وطلب ملكهم واسمه: قليدوروث الصلح، وخرج إلى عبد الله وأبدى ضعفاً ومسكنة وتواضعاً، فتلقاه عبد الله ورفعه وقرّبه، ثم قرر الصلح معه على ثلثمائة وستين رأساً في كل سنة، ووعده عبد الله بحبوب يهديها إليه لما شكا له قلة الطعام ببلده، وكتب لهم كتاباً.

يوضح هذا النص أن عبد الله بن سعد صالح النوبة ووقع معهم اتفاقبة البقط قبل عام 31 هـ، ولما نقض النوبة الصلح حاربهم بعد أن أصبح والياً على مصر ووقع معهم صلحاً وكتب لهم كتاباً. وهذا الكتاب هو المشهور عندنا بـ "معاهدة البقط" فاتفاقية أو صلح البقط صلحان، أحدهما قبل عام 31 هـ والثاني في عام 31 هـ، ولم يوضح المقريزي بنود ذلك الاتفاق الأول. ولم أعثر على إشارة إلى ذلك الاتفاق الأول في المصادر الأخرى التي أشارت فقط إلى صلح عبد الله بن سعد عام 31 هـ.

ولو أخذنا بما ذكره المقريزي من وجود صلحاً سابقاً لصلح عام 31 هـ، نفترض أن ذلك الصلح كان مكتوباً كما هي عادة المسلمين في كتابة اتفاقياتهم ومعاهداتهم. وقد وردت الروايات المبكرة عن حرب عبد الله بن سعد متضمنة الهدنة وعهد الأمان والرقيق مقابل الطعام، كما جاء عند ابن عبد الحكم (في مسعد ص 8) الذي ذكر رواياته دون تحديد زمنها هل وقعت في عام 31 هـ أو قبله. ذكر ابن عبد الحكم: "ليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق إنما هي هدنة أمان بعضنا من بعض" وقال أيضاً: "فهادنهم عبد الله بن سعد" وقال أيضاً: "إن عبد الله صالحهم على هدنة بينهم على أنهم لا يغزونهم، ولا يغزوا النوبة المسلمين، وأن النوبة يؤدون كل سنة إلى المسلمين كذا وكذا رأساً من السبي وان المسلمين يؤدون إليهم من القمح كذا وكذا ومن العدس كذا وكذا في كل سنة" وجاء عند البلاذري (في مسعد ص 26) أن النوبة طلبوا من عبد الله بن سعد عام 31 هـ "الصلح والموادعة، فأجابهم على ذلك بعير جزية لكن على هدنة ثلاثة مئة رأس في كل سنة، على أن يهدي إليه المسلمون طعاماً بقدر ذلك" وقال أيضاً: "إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلوننا" وقال الطبري (في مسعد ص 36) عند تناوله حرب عبد الله بن سعد بعد ولا يته على مصر: صالحهم على هدية عدة رؤوس منهم يؤدونهم للمسلمين في كل سنة، ويهدي إليهم المسلمون في كل سنة طعاماً مسمى وكسوة من نحو ذلك" (انظر نصوص الاتفاقيات في ملحق الفصل الرابع في كتاب السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية الجزء الثالث)

يلاحظ أن كل النصوص توضح بصورة جلية عدم تحقيق المسلمين النصر على النوبة، وأحد نصوص البلاذري نَصّ على "الصلح بغير جزية" فقد كان المسلمون يفرضون الجزية على الأمم المغلوبة التي لم تقبل الاسلام.
فلو كان هنالك انتصار لفرضت الجزية كما سيتضح في عصر المماليك. كل ذلك ونحن نستخدم نص المقريزي الذي يقول بانتصار المسلمين وخروج ملكهم ذليلاً.

هل ترجع بعض الاشارات في اتفاقيات الصلح المبكرة أعلاه إلى صلح عبد الله بن سعد الأول؟ ولو وضعنا في اعتبارنا أن أقدم المؤلفات التي كتبت عن حروب عبد الله بن سعد مثل مؤلفات ابن عبد الحكم والبلاذري كتبت في القرن الثالث الهجري (9 م) أي بعد نحو مائتي سنة أو أكثر بقليل من تاريخ تلك المعارك يمكننا أن نتصور إمكانية خلط الرواة بين الاتفاقين خاصة وأن كلاهما وقعه عبد الله بن سعد، ولم يكن الوقت بين توقيع الاتفاقين طويلاً. فما هي البنود التي تضمنها الاتفاق الآولً؟ وهل هي نفس أو بعض البنود التي تضمنها اتفاق عام 31 هـ؟

التعديل الأول:
جاءت أول إشارة لتعديل إتفاق عبد الله بن سعد في ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر 65 – 85 هـ / 684 – 704 م . فقد روى المقريزي (في مسعد ص 304) أن عبد العزيز بن مروان استنكر تقديم المسلمين الخمر للنوبة في اتفاق عبد الله بن سعد. ويلاحظ على نصوص الاتفاق الذي أوردته المصادر المبكرة أن الخمر لم ترد ضمن المواد التي التزم المسلمون بتقديمها للنوبة، فقد ورد فقط تقديم الطعام والكسوة.

وقد ورد في رواية البلاذري أن تقديم الخمر قد وجد منصوصاً علية في نسخة الاتفاق الموجودة في الديوان. فهل كانت الخمرمن ضمن المواد التي وافق المسلمون على تقديمها للنوبة في اتفاق عبد الله بن سعد؟ أم أضيفت لاحقاً؟ ولماذا اضيفت؟ هل اغتنم النوبة فرصة الفتنة والحروب التي أعقبت وفاة معاوية فأغاروا على مصر ووقع معهم اتفاق جديد قبل عام 85 هـ / 704 م. ولكن بما أن الخمر وجد منصوصاً عليه في نسخة اتفاق في الديوان فربما كان هذا الاتفاق تالياً لاتفاق عبد الله بن سعد أو معدلاً له,

التعديل الثاني:
ذكر المقريزي (تاريخ الأقباط ص 94 و96) في حوادث عام 107 هـ (725 م) أن السلطات المصرية زادت الخراج المضروب على الأقباط فبدأت ثوراتهم. وكان اضطراب العلاقات بين الأقباط والسلطات المصرية الحاكمة ينعكس دائماً على علاقاتها مع مملكة مقرة. فقد كان ملوك مقرة يعتبرون أنفسهم حماةً للأقباط في مصر. وقد أدى اضطراب الأوضاع إلى الحرب بين البلدين في عصر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (105-125هـ/723- 742 م) كما ذكر النويري وابن الفرات (في مسعد ص 222 و 259) أو في آخر عصر الخلافة الأموية كما ذكرت المصادر القبطية (في مسعد ص 81 و141) التي وضحت أن سبب الحر هو مصادرة والي مصر لأملاك البطرك وسجنه.

ولم تذكر المصادر معلومات عن هذه المعركة ونتائجها، ولكن ورد أنه في عام 141 هـ / 758 م أرسل والي مصر رسالة إلى كرياكوس ملك مقرة (تفاصيلها والتعليق عليها في كتاب السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية ج 3 ص 56 – 64) وقد اطلعت على الترجمة الانجليزية للرسالة (Blumley p. 141) التي جاء فيها: "أنت تعلم اتفاقنا معك والذي التزمت بتنفيذه" ويتضح مما ورد في الرسالة أن الاتفاق يعالج العلاقات بين الطرفين مثل تنظيم التجارة وطلب والي مصر من الملك كرياكوس الافراج عن مبعوثيه وعن التجار المعتقلين. كما طلب الوالي دفع البقط الذي لم يدفع منذ مدة. لكن الرسالة لم تبين تفاصيله.

والرسالة تشير إلى اتفاق وقع مع الملك كرياكوس والتزم الملك بتنفيذه "اتفاقنا معك والذي التزمت بتنفيذه" فهنالك اتفاق جديد بشروط جديدة خاطبت وعالجت ما تتطلبه العلاقات في ذلك الوقت إلى جانب طلب تنفيذ اتفاق البقط القديم الذي لم توضح الرسالة تفاصيله. هل هو اتفاق البقط الذي راجعه والي مصر عبد العزيز بن مروان قبل أكثر من سبعين سنة؟ أم هو تعديل لحق لذلك لم تشر إليه المصادر؟ ويبدو معقولاً أن يكون الاتفاق الذي رجعت إليه الرسالة قد وقع بعد الحرب التي وقعت بين الجانبين في آحر العصر الأموي. وقد ذكرBlumley (ص 244) في تعليقه على النص أن لفظ "لبقط" لم يذكر في الوثائق القبطية التي عثر عليها مع هذا الخطاب.

التعديل الثالث
لا تتوفر معلومات عن العلاقات ببن المسلمين في مصر ومملكة مقرة في السنوات التي تلت رسالة والي مصر عام 141 هـ / 758 م. حتى عصر الخليفة العباسي المهدي 159 – 169 هـ / 775 – 785 م. ففي عصر هذا الخليفة ذكر البلاذري (في مسعد ص 27)
"كان المهدي أمير المؤمنين قد أمر بإلزام النوبة في كل سنة ثلاثمة وستين رأساً وزرافة ، على أن يعطوا قمحا وخل خمر وثيابا وفرشا أو قيمته وكان المهدى أمير المؤمنين أمر بإلزام النوبة في كل سنة ثلاث مئة رأس وستين رأسا وزرافة، على أن يعطوا قمحا وخل خمر وثيابا وفرشا أو قيمته. وقد ادعوا حديثا أنه ليس يجب عليهم البقط لكل سنة، وأنهم كانوا طولبوا بذلك في خلافة المهدى فرفعوا إليه أن هذا البقط مما يأخذون من رقيق أعدائهم، فإذا لم يجدوا منه شيئا عادوا على أولادهم فأعطوا منهم فيه بهذه العدة: فأمر أن يحملوا في ذلك على أن يؤخذ منهم لكل ثلاث سنين بقط سنة" وعلق البلاذري على ذلك ناقلا عن مصدر معلوماته قائلاً: "ولم يوجد لهذه الدعوى ثبت في دواوين الحضرة"
يبدو من هذا النص أن هنالك تعديلان تمّا علي أصل اتفاق عبد الله بن سعد. فقد ذكر النص أولاً أن المهدي " أمر بإلزام النوبة في كل سنة ثلاث مئة رأس وستين رأسا وزرافة" يبدو أن المسلمين كانوا لا يلتزمون بدفع ما عليهم وبالتالى لا يقوم النوبة بدفع ما التزموا به نت الرقيق. وورد في النص تقديم النوبة "زرافة" ولم ترد الزرافة في النصوص المبكرة التي رواها ابن عبد الحكم والبلاذري والطبري فيما يقدمه النوبة للمسلمين. ولذلك يبدو أن المهدي أضاف الزرافة إلى جانب الرقيق في كل سنة.

كما يوضح النص أن النوبة احتجوا على دفع الرقيق وعدم استطاعتهم دفعه سنوياً فاستجاب الخليفة لطلبهم وعدل في قراره وجعل دفع الرقيق كل ثلاثة بدلاً من كل سنة. ولم ترد إشارة للزرافة، هل ستفع مثل الرقيق بعد كل ثلاث سنوات أم كل سنة؟ وما ورد من أنهم بحثوا في الديوان عن الكتاب الذي حمل هذه التعديلات فلم يعثروا عليه لا يعني بالضرورة أن الأمر كان فقط إدهاءً من النوبة وأنه لا يوجد أصل للتعديل.

التعديل الرابع
ذكر المقريزي(في مسعد ص 304) أن والى مصر عبد الله بن طاهر راجع عام 211 هـ / 826 م اتفاق المسلمين مع النوبة، ووجد من بين بنوده الخمر فاستنكره. ولم يتضح السبب الذي من أجلة راجع الوالي الاتفاق. ولكن يلاحظ أن استنكار الخمر برز مرة أخرى دون الاشارة إلى إلغائها.
وقد تطورت العلاقات في عصر الخليفة العباسي المعتصم 219 – 231 هـ / 834 – 845 م . فقد ذكر المقريزي (في مسعد ص 305) "نظر المعتصم إلى ما كان يدفعه المسلمون فوجده أكثر من البقط" ولم يرد ذكر لتقديم الخمر. وذكر ابن المقفع (في مسعد ص 84) أن المعتصم طلب من زكريا ملك مقرة دفع متأخرات أربعة عشرة سنة من البقط. فقرر الملك إرسال إبنه جرجة (قيرقي) لبغداد لمقالة الخليفة. ذهب الأمير لبغداد ، ووافق الخليفة على اعفائهم من متأخرات البقط، وجعل دفعه كل ثلاث سنوات بدلاً من كل سنة كما تقرر في عصر الخليفة المهدي. وأجرى لهم في ديوان مصر عند وصول البقط سبعمائة درهم وأشياء أخرى . وذكر المقريزي (ص 305) أن الخليفة "وهب له الدار التي نزل بها في بغداد ، وأمر بشراء دار له في كل منزل ينزله على الطريق لتكون دوراً لرسلهم. وكان الأمير قد امتنع عن دخول دار أحد في طريقه"
والتعديل الواضح على الصلح هنا هو دفع المسلمون سبعمائة درهم للنوبة. ولا يتضح هل النقود بديل بعض ما كان يقدمه المسلمون من الكسوة والطعام، أم هي إضافة لما كان يقدم سابقاً. ولا يتضح أيضاً ما هي المواد أو الأشياء الأخرى التي تضمنها الاتفاق ونص عليها بـ"وأشياء أخرى"

التعديل الخامس
لا تتوفر معلومات عن اتفاقيات أو تعديلات بعد عصر الخليفة المعتصم وحتى دخول الفاطميين مصر في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي. رغم أن هذه الفترة شهدت توتراً في العلاقات بين مملكة مقرة والمسلمين في مصر. فقد أغارت جيوش مملكة مقرة مرتين على مصر، مرة على الواحات عام 339 هـ / 950 م ومرة على أسوان عام 342 هـ / 963 م، كما هاجمت جيوش الاخشيديين من مصر شمال مملكة مقرة وتوغلوا حتى قلعة ابريم شمال مدينة حلفا. ولم تتطرق المصادر العربية إلى نتائج تلك الحروب. وقد لخص المقريزي (في مسعد ص 306) هذا الوضع بعد نهاية تناوله تعديلات الخليفة المعتصم قائلاً:
"ولم يزل الرسم جارياً بدفع البقط على هذا التقرير، ويدفع إليهم ما أجراه المعتصم إلى أن قدمت الدولة الفاطمية إلى مصر ذكر ذلك مؤرخ النوبة" ومؤرخ النوبة يقصد به ابن سُليم الأسواني. ويُفهم من عبارة " إلى أن قدمت الدولة الفاطمية" أن الوضع قد تغير بعد مجيئها، وحدث تعديل على الاتفاق الذي أُقره الخليفة المعتصم، لكن لم أعثر على ما تم من تعديل. وفي واقع الأمر فإن المصادر العربية تناولت باختصار شديد العلاقات بين مملكة مقرة والمسلمين في مصر خلال هذه الفترة.

فقد وردت الاشارة إلى أن الفاطميين عندما انتقلوا إلى مصر أرسل جوهر الصقلي قائد جيش الفاطميين ابن سليم الأسواني إلى مملكة مقرة . وكان السبب المعلن كما ذكر المقريزي (في مسعد ص 369) هو دعوة جورج الثاني ملك مقرة للاسلام وطلب ما عليه من البقط, وذكر المقريزي أن ابن سليم "دعاه للإسلام ... فكبر ذلك عليه وجمع علماءه وأساقفته وأحضر ابن سليم للمناظرة، وقرأ عليه كتاباً جواباً عن الكتاب الوارد معه يدعو فيه جوهرا للنصرانية، ويحتج فيه كما احتج عليه بنسخ الشرائع فطالت بينهما المناظرة"
ولا تتوفر معلومات عما حدث بعد هذه السفارة وعن العلاقات بين الطرفين حتى عام 469 هـ / 1066 م ذكرت المصادر ( ابن الفرات ص 259النويري ص 223) غزو القائد الفاطمي ناصر الدولة بن حمدان مملكة مقرة. وذكرت أنه "كبسه السودان ونهب جيشه وأخذت كل ما معه وثقله ورجع خاسراً" وهذا كل ما ورد عن المعركة ونتائجها. فهل حدث التعديل الذي أشار إليه المقريزي قبل هذه المعركة أم بعدها؟ هذا ما لا يتيسر الاجابة عليه.

التعديل السادس
أرسل المماليك عام 674هـ / 1275م حملة عسكرية إلى مملكة مقرة، وصلت الحملة مدينة دنقلة ونصبت شكندة ملكاً عليها وحلفوه يمين الطاعة للمماليك، وذكرت النويري (ص 219) أنه "تقرر عليه قطيعة، وعرض على أهل النوبة الاسلام أو القيام بالجزية أو القتل، فاختاروا القيام بالجزية، وأن يقوم كل واحد منهم بدينار عيناً في السنة." وجاء في يمين الولاء الذي أداه الملك شكندة لسلطان المماليك الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس:
"وأنى أبذل جهدي وطاقتي في تحصيل مرضاته، وأني ما دمت نائبه لا أقطع ما قرر على في كل سنة تمضي، وهو ما يفضل من مشاطرة البلاد على ما كان يتحصل لمن تقدم من ملوك النوبة، وأن يكون النصف من المتحصل للسلطان مخلصا من كل حق، والنصف الآخر أرصده لعمارة البلاد وحفظها من عدو يطرقها، وأن يكون على كل سنة: من الأفيلة ثلاثة، ومن الزرافات ثلاث، ومن إناث الفهود خمس، ومن الصهب الجياد مائة، ومن الأبقار الجياد المنتخبة أربعمائة. وأنني أقرر على كل نفر من الرعية الذين تحت يدي في البلاد من العقلاء البالغين دينارا عينا، وأن تفرد بلاد العلى والجبل خاصا للسلطان."
ومشاطرة البلاد – كما وردت في هذا النص - لا تبدو واضحة بصورة جلية. فقد ورد في بداية النص أن على ملك النوبة في كل سنة "ما يفضل من مشاطرة البلاد على ما كان يتحصل لمن تقدم من ملوك النوبة" فهل كان ملوك النوبة السابقين يشاطرون السلطات المصرية ؟ ومتى حدث ذلك؟ هل تضمنته إتفاقية بعد واحدة من الحروب المتعددة بين الجانبين قبل هذه الحرب؟ وفي نهاية النص ورد أنه " تفرد بلاد العلى والجبل خاصا للسلطان" وبلاد الجبل والعلى هي الاقليم الشمالي من مملكة مقرة الواقع شمال الشلال الثاني.فهل هذا الجزء هو المقصود بالمشاطرة؟ فهل يطالب المماليك مشاطرة البلاد جنوب الشلال الثاني بالاضافة إلى كل دخل الاقليم الشمالي. كل ذلك بالاضافة إلى ما أطلق عليه النويري – كما في النص – القطيعة. وقد وضح ابن الفرات ( في مسعد ص 262) أن "القطيعة هي: في كل سنة فيلة ثلاثة، زرافات ثلاثة، فهود إناس خمسة، صهب جياد ماية، أبقار جياد منتخبة ماية"
ومن الواضح أن شروط هذه الاتفاقية - الجزية والقطيعة ومشاطرة دخل البلاد - كانت قاسية على المقٌرِّيين، فلم يستقر الوضع للمماليك. لأن المقُرِّيين لم يلتزموا بتقديم ما تقرر عليهم فتوالت حملات المماليك العسكرية على مملكة مقرة. ففي عام 686 هـ / 1287 م أرسلت حملة على مدينة دنقلة، وغادر سمامون ملك مقرة مدينة دنقلة فدخلها جيش المماليك، ونصب ملكاً جديداً. وذكرت المصادر (النويري ص 224) أنه تقرر على الملك ونائبه دفع "قطيعة" يحملانها إلى الأبواب السلطانية في كل سنة"
بعد عودة الحملة عاد سمامون واستعاد عرشه مما أدى إلى إرسال المماليك حملة أخرى عام 688 هـ / 1289 م دخلت الحملة دنقلة ، ولم تتمكن من القبض على ملكها سمامون لأنه تقهقرجنوباً، فنصبوا ملكاً جديداً "وتقرر عليه البقط المستقر" وحلفوه على يمين الطاعة للمماليك. (النويري ص 227) ومرة أخرى عندما رجع جيش المماليك عاد سمامون ويمكن من استرجاع عرشه. وأدى ذلك إلى إرسال حملة أخرى كما ذكر ابن عبد الظاهر (في مسعد ص 199) إلى مملكة مقرة - تاريخها غير واضح في المصدر - يرى مسعد (ص 199 حاصيم رقم 1) أنها كانت بين عامي 689- 692 هـ / 1290 - 1293 م ونجحت الحملة في تحقيق هدفها ونصبت ملكاً جديداً وحلفته يمين الطاعة للماليك. ولم ترد إشارة إلى توقيع اتفاق.

ولا يتضح فيما ورد في المصادر هل ظل ملوك مقرة ملزمين بدفع ما تقرر على الملك شكندة بعد حملة عام 674 هـ / 1275 م والتي تقرر فيها الجزية ومشاطرة البلاد إلى جانب القطيعة؟ أم تقررت عليهم القطيعة فقط، لأنها هي التي نصت عليها المصادر بعد حربي عامي 1287 و1289م، إذ لم تشر المصادر إلى شئ آخر غيرها. ولم يرد ما يوضح الشروط الني فرضت على مملكة مقرة في الحملة التي قدر مسعد إرسالها بين عامي 1290 – 1293م.

كما أشار ابن عبد الظاهر (في مسعد ص 204) إلى سفارة من ملك دنقلة لا يتضح تاريخها قدرها مسعد بعلم 1291م اعتذر فيها الملك بالتفريط في دفع "البقط المقرر" ويوضح الملك أن أسباب ذلك ترجع إلى "الخراب بسبب دخول العساكر الاسلامية كرة بعد كرة بعد كرة " وأرسل الملك هدية كما ذكر ابن عبد الطاهر مكونة من: "رقيق مائتان رأساً وهجن وجمال مائتان وتمر مائتان أردباً وشب مائة وعشرون قنطاراً وسنباذج ألف وخمسمائة رطل وفهود وهزبر أربعة إلى غير ذلك مما جرت العادة بإهدائه"
ويبدو أن هذه السفارة أرسلت بعد الحملة التي قدر لها بين عامي 1287 و1289م. ويلاحظ أن ما قُدِّم رغم كثرته ورد في سياق الهدية ولم ترد إشارة إلى القطيعة أو البقط . كماوردت الاشارة (المقريزي ص 341) إلى أن كرنبس ملك مقرة وصل إلى مصر عام 711 هـ / 1311 م "بالقود المقرر عليه" وهنا أيضا يبرز السؤال هل "القود المقرر" مقصود به ا"لبقط القرر" فقط أم يتضمن ما فرض على شكندة ملك مقرة في عام 674هـ / 1275م.

وفي عام 716 هـ / 1316 م ذكر ابن خلدون ( في مسعد ص 280) "امتنع كرنبس من أداء الجزية" ويفهم من ذلك أن مملكة مقرة كانت تدفع الجزة وهي جزء مما تقرر على الملك كرنبس عام 674 هـ وهو ما لم نرد الإشارة إليه في الاتفاقيات التي تلت حلات الماليك العسكرية بعد عام 674 هـ. وأدى امتناع كرنبس لدفع ما تقرر عليه إلى إرسال حملة عسكرية عام 1316م. دخلت الحملة مدينة دنقلة، ونسبت الأمير المفُريعبد الله برشمبو ملكاً على مملكة مقرة. وكان عبد الله برشمبو قد اعتنق الاسلام في بلاط المماليك. ويختصر ابن خلدون ما حدث لمملكة مقرة بعد أن قتل أهلها عبد الله برشمبو في سطر واحد جاء فيه: "وبلغ الخبر إلى السلطان فبعثه [يقصد كرنبس] إلى النوبة فملكها، وانقطعت الجزية باسلامهم"
وهذا المختصر غير المفيد لا يوضح ما حدث لمملكة مقرة، فبعد مقتل برشمبو تولى أمير كنزي عرش المملكة، وعندما أرسل المماليك كرنبس ملكاً على مقرة، عاد الكنوز بمساعدة العرب وقتلوا كرنبس وتولى الأمير الكنزي الملك مرة أخرى. وبعد سنوات من تولية كنز الدولة ورد ما يوضح وجود ملك مسيحي على عرش مملكة مقُرة كما وضحنا في الموضوع السابق رقم 8.

وتبقى الأسئلة: هل انتهت مطالبة مملكة مقرة بدفع ما كان مقرراً عليها بعد تولية عبد الله برشمبو؟ وهل أسلم أهل مملكة مقرة عند اعتلاء برشمبو العرش فسقطت الجزية بإسلامهم كما ذكر ابن خلدون ؟ وماذا حدث بعد عودة كرنبس ملكاً ووجود اسم ملك مسيحي بعد ذلك؟ فمتى أسلم ملوك وأهل مملكة مقرة؟ ولدينا وثائق (آدمز ص 471) بوجود ملوك مسيحيين حتى عام 1484 م في الاقليم الشمالي من المملكة – في دوتاو – بعد أكثر من 170 سنة من عصر برشمبو.

وأخيراً فإن صلح عبد الله بن سعد كما روته المصادر المبكرة مثل مؤلفات ابن عبد الحكم والبلاذري والطبري وضح تقديم النوبة للرقيق مقابل الطعام والكسوة، وهذا يختلفف اختلافاً كلياً عن محتوبات معاهدة البقط التي رواها المقريزي والمنتشرة في كل كتبنا ومفردات مناهجنا في كل مراحل التعليم. وحتى ذلك الصلح المبكر لم يحكم العلاقات بين المسلمين في مصر والنوبة إلا نحو خمسين سنة فقط ورد بعدها ما يوضح مراجعته. ثم توالت المراجعات والتعديلات المرة تلو الأخرى عبر القرون.

ومع توفر كل هذه المعلومات ووقوف الكثير من الدارسين والباحثين وأساتذة التاريخ في الجامعات عليها لا نزال نحصر معرفتنا بعلاقة المسلمين في مصر بالنوبة في نص المقريزي المشهور بمعاهدة البقط. نحن في حاجة ماسة وكبيرة إلى مراجعة وتصحيح هذا الخطأ الكبير في مناهجنا الدراسية وكتب التاريخ لكي نؤسس دراستنا للعلاقات بين النوبة والمسلمين في مصر بين عامي 651 – 1405 م على أسس سليمة تعتمد على الوقائع التاريخية الموثقة.

ونواصل
المصــادر
- أبو الفداء ، المختصر في أخبار البشر، موقع الوراق warraq.com
- المقريزي، تاريخ القبط المعروف بالقول الابريز، دراسة وتحقيق د. عبد المجيد دياب، دبي: دارالفضيلة ب. ت.
- مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، الخرطوم: دار المصورات للنشر 2014.
- وليام آدمز ، النوبة رواق افريقيا، ترجمة محجوب التجاني محمود، القاهرة: 2008.
- Blumley Martin “An Eight-Century Letter to the King of Nubia” Journal of Egyptian Archaeology, Vol. 61 (1975)