عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جرت العادة حين تناولنا لدخول العرب في السودان أن يكون مدخلنا "في خلال السبعة قرون التي تلت دخول العرب في مصر ومجومهم على دنقلة عام 651/652 م تسرب العرب جماعات وأفراداً في يسر وبطء إلى بلد البجة ومملكتي مقرة وعلوة عبر طريقين أساسيين هما: طريق الشرق وطريق النيل." وقد تعرضنا في موضوعاتنا السابقة إلى عدم ورود معلومات في المصادر العربية حتى القرن الخامس عشر الميلادي عن دخول العرب في السودان عبر المنطقة الشرقية. فماذا ورد في تلك المصادر عن دخول العرب في السودان عبر النيل.
ارتبطت معرفتنا عن دخول العرب في السودان عبر النيل بأحداث بارزة في العلاقات بين الممالك السودانية على النيل وبين العرب والمسلمين في مصر. ومن أبرز تلك الأحداث حملة عبد الله بن سعد عام 31هـ651 م واتفاقية البقط وسقوط مملكة مقرة. وسنلقي بعض الضوء على ما قالته المصادر العربية عن تلك الأحداث لنرى مدى تطابق ما ورد فيها نع معرفتنا ومسلماتنا عن دخول العرب في السودان. وسنعتمد في ذلك بصورة رئيسة على نصوص المصادر العربية التي وردت في كتاب مسعد، المكتبة السودانية. ونبدأ بالحدث الأول وهو حملة عبد الله بن سعد عتم 31 هـ.

ذكرت المصادر العربية نشوب عدد من المعارك بين عامي 21 هـ / 651 م وصفها ابن عبد الحكم (في مسعد ص 8) قائلاً: "فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوائف الروم" وقال عنها المقريزي (في مسعد ص 301)) "في إمارة عمرو بن العاص، لما بعث عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعد فتح مصر إلى النوبة سنة عشرين، وقيل سنة إحدى وعشرين في عشرين ألفاً، فمكث بها زماناً، فكتب إليه عمرو يأمره بالرجوع إليه. فلما مات عمرو رضي الله عنه، نقض النوبة الصلح الذي جرى بينهم وبين عبد الله بن سعد، وكثرت سراياهم إلى الصعيد، فأخربوا وأفسدوا، فغزاهم مرّة ثانية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، سنة إحدى وثلاثين"
وكانت معركة عبد الله بن سعد عام 31 هـ / 651 م هي آخر تلك المعارك المبكرة بين النوبة والمسلمين في عصر الخلافة الراشدة. فما ذا قالت المصادر العربية عن هذه المعركة؟
انحصرت معرفتنا عن هذه المعركة في نَصٍّ واحد هو نَص المقريزي المشهور عن البقط (في مسعد ص 301) حيث ذكر:
"أول ما تقرر هذا البقط على النوبة في إمارة عمرو بن العاص لما بعث عبد الله بن سعد بن ابي سرح - بعد فتح مصر – إلى النوبة سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين في عشرين ألفاً ... فغزاهم مرّة ثانية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، سنة إحدى وثلاثين، وحصرهم بمدينة دنقلة حصاراً شديداً، ورماهم بالمنجنيق، ولم تكن النوبة تعرفه وخسف كنيستهم بحجر، فبهرهم ذلك، وطلب ملكهم واسمه قليدوروث الصلح، وخرج إلى عبد الله وأبدى ضعفاً ومسكنة وتواضعاً، فتلقاه عبد الله ورفعه وقرّبه، ثم قرر الصلح معه ... وكتب لهم كتاباً"
وهذا الكتاب هو المشهور عندنا بـ "معاهة البقط" ووفقاً لما أورده المقريزي جاءت معاهدة البقط طويلة ومفصلة بدأت بـ " عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته ... من حد أسوان إلى حد أرض علوة" وقد وردت تفاصيل كثيرة في المعاهدة وضحت ما ينبغي على المسلمين تنفيذه ومراعاته وتناولت المعاهدة تنظيم العلاقات عبر الحدود بين الطرفين، والعناية بالمسجد الذي بناه المسلمين بدنقلة ، والالتزام بدفع عدد 360 رأس من الرقيق كل عام إلى إمام المسلمين.

فمعاهدة البقط أو اتفاق عبد الله بن سعد مع النوبة التي أورها المقريزي بهذه الصيغة والمحتوى تختلف اختلافاً كلياً عن صيغة ومحتوى ما ورد عن اتفاق عبد الله بن سعد في المصادر العربية المبكرة والسابقة لعصر المقريزي الذي توفى عام 1445 م أي بعد نحو 800 سنة من عصر تلك الحروب. تلك المصادر المبكرة مثل مؤلفات ابن عبد الحكم (توفى عام 823 م) والبلاذري (توفى عام 892) والطبري (توفى عام 932) أوردت صيغاً مخصرة جداً لاتنفاق عبد الله بن سعد في نحو ثلاثة أو أربعة أسطر تضمنت وقف الحرب والهدنة بين المسلمين والنوبة وتقديم النوبة للسبي (الرقيق) على أن يقدم المسمون في مقابل ذلك طعام وكسوة ومواد أخرى. وكل ذلك لم يرد في نص البقط الذي رواه المقريزي.

فعلى سبيل المثال جاء عند بن عبد الحكم (في مسعد ص 8) "فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم" يعنى ذلك عدم انتصار المسلمين. المسلمون لنتصروا على النوبة في نص المقريزي. وقال البلاذري ص 26 : "فخرجوا إلينا ذات يوم فصافونا ...فما قدرنا على معالجتهم" تأكيد لعدم انتصار المسلمين. وقد راجعت نحو 30 نص عن معركة عبد الله بن سعد في 12 وكلها ذكرت أن عبد الله بن سعد حارب النوبة، ولم تذكر الضرب بالمنجنيق أو اسم الملك كما لم تذكر مكان المعركة ما عدا نص المقريزي المشار إليه ونص ابن حوقل الذي سنرجع إليه. (أنظر تلك النصوص في ملحق الفصل الرابع من كتاب الوعي بالذات الجزء 2 صفحات 174 – 189) وقد اتفقت كل المصادر أن المسلمين حاربوا النوبة، فمن هم النوبة الذين حاربهم عبد الله بن سعدً؟

ذكر المقريزي (في مسعد ص 301) أنه "لما مات عمرو رضي الله عنه، نقض النوبة الصلح الذي جرى بينهم وبين عبد الله بن سعد، وكثرت سراياهم إلى الصعيد، فأخربوا، وأفسدوا، فغزاهم مرّة ثانية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، سنة إحدى وثلاثين"
فالنوبة بناءً على هذا النص كانوا يغيرون على صعيد مصر قبل عام 31 هـ، وإغارتهم على صعيد مصر تتطلب وجودهم في منطقة أسوان، مما يرجح أن أسوان كانت تحت حكم المملكة التي كانت تجاور حدود مصر الجنوبية والمعروفة في المصادر اليونانية والرومانية باسم مملكة نوباديا.

وكانت هذه المملكة على علاقات طيبة مع البيزنطيين الذين هزمهم المسلمون وأجلوهم من مصر. وسكان مملكة نوباتيا هم أول من تعامل معهم المسلمون في جنوبي مصر. ويبدو معقولاً أن المسلمين أطلقوا عليهم اسمهم الذي وجدوه في المنطقة وهو النوباديين وهو الاسم الذي أصبح “النوبة ” فيما بعد في اللسان العربي. فيكون اسم "النوبة" في الوثائق الاسلامية المبكرة راجعاً إلى مملكة نوباديا في حدود مصر الجنوبية.

فكلمة النوبة لم تطلق في المصادر العربية في كل الأوقات على منطقة واحدة بعينها، بل ورد إطلاقها عامّاً مرة ومحدوداً مرة أخرى. وفي كلا الحالتين قد يأتي اطلاقها دون الاشارة إلى أي المعنين هو المقصود. وفي هذه الحالة ينبغي على القاريء التعرف على مدلول كلمة النوبة هل هو إطلاق عام أم إطلاق خاص؟ فعندما يقول المسعودي (ص 53) "ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدون خراجها إلى ملك النوبة" فالنوبة هنا تعني -من خلال المفهوم العام للنص- المنطقة الشمالية من مملكة مُقُرة المجاورة لأسوان فقط. وعندما يقول المسعودي (ص50) "وأما النوبة فافترقت فرقتين في شرقي النيل وغربيه" يشير هنا إلى نوبة علوة ونوبة مُقُرة .

وقد أطلقت المصادر العربية كلمة النوبة في كثير من الأحيان وتقصد بها الاقليم الشمالي لمملكة مقرة الممتد حتى منطقة أسوان وهي المنطقة المعروفة في المصادر العربية بمريس. فقد قال ابن سليم الاسواني (ص 98) "أعلم أن النوبة ومُقُرة جنسان بلسانين كلاهما على النيل، فالنوبة وهم المريس المجاورون لأرض الاسلام." كما تبدو دلالة كلمة النوبة على السكان المجاورين للحدود المصرية واضحةً عند الجاحظ (في مسعد ص 405) حيث ذكر أن "النوبة هم المريس المجاورون لأرض الاسلام" وقد تردد في المصادر العربية ذكر النوبة إلى جانب مقُرة مما يوضح الفصل بينهما، ويشير إلى أن استخدام كلمة النوبة يصدق في أغلب الأحيان على سكان الاقليم الشمالي لمملكة مقرة.

ففي الرسالة التي وجهها والي مصر عام 141 هـ / 758 م إلى ملك النوبة (السودان 2 ص 57) خاطبه فيها بملك "النوبة ومقرة" وياقوت الحموي (في مسعد ص 166)عندما تحدث عن ملك دنقلة قال: "وكتاباته إلى عماله وغيرهم من كابيل ملك مقرى ونوبة" وجعل ابن سليم الأسواني عنوان كتابه ""أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل" فسكان منطقة النيل عند ابن سُليم هم بالترتيب من الشمال إلى الجنوب هم النوبة ومقرة وعلوة.

فالنوبة الذين كانوا يغيرون على المسلمين وحاربهم غبد الله بن سعد هم المريس الذين قال عنهم المسعودي (ص 52): "وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق، وأبى عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المجاور للمسلمين المدعو بملك مريس من أرض النوبة وغيرها من ممالك النوبة المتقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب"

فنَص المسعودي هذا يبين بوضوح أن عبد الله بن سعد لم يحارب ملك مقرة في مدينة دنقلة بل حارب ملك مريس الذي كانت مملكته ممتددة من أسوان وحتي شمال دنقلة. وقد ألقى ابن حوقل (صورة الأرض ص 55) - الذي ألف كتابه صورة الأرض في القرن العاشر الميلادي أي قبل خمسة قرون من عصر المقريزي - المزيد من الضوء على مكان معركة عبد الله بن سعد حيث قال:
وحدثني أبومنيع أحمد الجعدي الأسواني: أن أسوان افتتحها عبد الله ابن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين، وافتتح هيف وهي المدينة التي تجاه أسوان من غربي النيل، وقد تدعى قرية الشقاق، وافتتح ابلاق وهي مدينة في وسط النيل على حجر ثابتة وسط الماء منيعة الجزبرة و بينها وبين أسوان ستة أميال، وبحذائها على النيل من جهة الشرق مسجد الرّوينيّ وقصر آليه، وتحت المسجد بيعة النوبة، وهو آخر حد الإسلام وأول حد النوبة."

يوضح هذا النص بصورة جلية الأماكن التي خاض فيها عبد الله بن سعد حروبه عام 31 هـ. فقد أخضع أسوان ثم فتح مدينة هيف وتوسع بعد ذلك جنوبي أسوان ففتح مدينة أبلاق وهي وجزيرة تقع على بعد ستة أميال جنوب أسوان. فابن حوقل لم يذكر تقدم عبد الله بن سعد إلى الجنوب من مدينة بلاق. فقد حارب عبد الله بن سعد – كما ذكر المسعودي – ملك مريس، وكانت الحرب – كما ذكر ابن حوقل – في منطقة أسوان.

فمعرفتنا بمعركة عبد الله بن سعد اعتمدت على نَص واحد يخالف عشرات النصوص التي تناولت تلك المعركة. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا انحصرت معرفتنا بحرب عبد الله بن سعد عام 31 هـ على نص المقريزي مع وجود عشرات النصوص الأخرى المتشابه في محتواها والمختلفة عن نص المقريزي؟ اعتقد أن بداية معرفتنا بمعاهدة أو اتفاقية البفط ارتبطت بالمراجع الانجليزية التي توفر لمؤلفيها نص المقريزي عن البقط منذ القرن التاسع عشر. فقد ذكر بوركهارت في رحلته التي ظهرت طبعتها الأولى عام 1819: "هذه ترجمة من الجزء الأول من كتاب المقريزي الممتاز، والمعروف جيداً في أوربا"وقد ترجم بوركهارت في الملحق رقم 3 اتفاقية البقط كما رواها المقريزي إلى جانب بعض المعلومات عن مملكة مقرة.( Burkhardt, Travel in Nubia, 493, 511 )
ثم نقل نعوم شقير (تاريخ السودان ص 60) نص المقريزي عن البقط فأصبح هذا النص معروفاً في وقت مبكر لدارسي تاريخ العلاقات المبكرة بين السودان والمسلمين في مصر. ويلاحظ أن المخطوطات السودانية المبكرة التي تناوات أشجار النسب بغزارة لم تهتم بتلك العلاقات المبكرة. وقد صادف محتوى نص المقريزي عن البقط قبولاً واستحساناً لدي جمات كبيرة من الدارسين والسياسين، فأصبح هو السائد في ثقافتنا العامة والفيصل في علاقتنا المبكرة مع المسلمين والشاهد على دخول العرب في السودان.

ونواصل

المصـادر
- مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية الهربية: مجموعة النصوص والوثائق الخاصة بتاريخ السودان في العصور الوسطى، ط 2 الخرطوم: دار المصورات للنشر 2114.
- ابن حوقل، كتاب صورة الأرض. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة
- نفوم شقير: تارخ السودان، تحقيق وتقديم محمد ابراهيم أبو سليم، بيروت: دار الجيل 1981,
- أحمد الياس حسين، السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية، الخرطوم: مركز بناء الأمة للبحوت والدراسات 2012.
- Jhon Lewis Burkhardt, Travel in Nubia. London 1987 p 493, 511.