مملكة الدفار
تتوقر بعض المعلومات عن منطقة الدفار في بعض كتب الرحالة الذين مروا بالمنطقة، مثل أوليا شلبي وبونسيه وكرمب ولينان وإنجلش وكايو. فقد أشار بعضهم إلى الآثار التي لاحظوها في المنطقة ووصفها ورسمها البعض الآخر، كما توفرت بعض المعلومات في كتابات علماء الآثار وبخاصة البولنديين الذين زاروا المنطقة.
دخل أوليا شلبي السودان في النصف الثاني من القرن السابع عشر قادماً من مصر، وتتضمن رحلته مجلدات ضخمة تناول الجزء العاشر منها مصر والسودان. ويشك المؤرخون بصورة عامة فيما ورد في رحلته من معلومات لتعارض بعضها مع الحقائق التاريخية والمواقع الجغرافية. وقد وصف شلبي دنقلة ومنطقتها، وذكر "رباط دفار" بعد بلدة ارقي ووضح أن الرباط عبارة عن "قلعة جديدة شيدها سلطان مصر أيبك التركماني ... ليتحصن بها ملك الفونج" (شلبي، الرحلة ج 2 ص 399) والمعلومات التي وردت في رحلة شلبي عن السودان تحتاج إلى الكثير من البحث والتقصي قبل الاستشهاد بها.
ومر بونسيه بالمنطقة عام 1699 في طريقه إلى سنار فقال: "غادرنا دنقلة يوم 6 يناير وبعد أربعة أيام دخلنا مملكة سنار فالتقينا بأرباب ابراهيم في الحدود فأكرمنا وتكفل بدفع كل مصروفاتنا حتى كورتي - وهي مدينة كبيرة على النيل - إلى حيث رافقنا إلى أن وصلنا يوم 13 يناير" (بونسيه ص 10 ) ولم يتعرض بونسيه للمدن أو الآثار بين دنقلة وكورتي.
وبعد سنتين من بونسية مرّ كرمب بالمنطقة في مطلع عام 1701 وذكر أنه في يوم 27 مارس وصل قشابي، وغادرها يوم 28 قبل شروق الشمس بثلاث ساعات وفي الساعة الخامسة بعد الظهر دخلوا قرية Dabulet Elgarbj وذكر ان اسمها باللغة العربية "داب"
dab or the village, velet or son, and Elgerbij or sunset.
ثم واصل كرمب مسيرته يوم 29 مارس ساعتين قبل شروق الشمس وفي المساء vesper time دخل مدينة كورتي. (Crump p33-34) يلاحظ أنه لم يرد ذكر لمملكة الدفار في كتابات بونسيه وكرمب اللذان مرا بأراضي المملكة قبل تاريخ إنهيارها الذي جعلته بعض الروايات المحلية في آخر القرن الثامن عشر، وجعله بعضها الآخر في أول القرن التاسع عشر.
وفي عام 1820 مر جورج ب إنجلش بالمنطقة مع الحملة التركية فذكر أنه لاحظ قبل أن يصل مدينة كورتي على الشاطئ الأيسر للنيل "خرائب مدينة أثرية حصينة كانت مبانيها من الحجر وتحيط بها مقابر على مساحات واسعة ، ورأينا بين الركام أعمدة حجرية ضخمة يمتزج فيها اللونان الأحمر والأبيض" (إنجلش ص 38)
أما لينان دو بلفون فقد مر بالمنطقة أثناء دخوله السودان من مصر في شهر سبتمبر عام 1821، كما مر بها عند عودته في شهر مايو عام 1822. دخل لينان أثناء عبوره الأول أبكر وذكر (لينان دو بلفون ص 135) أنها:
"تقع غربى تلة صغيرة تبعد عن ضفاف النيل مسافة ميلين، أرضها منبسطة تكسوها الأدغال والأشجار وبها مجموعة كبيرو من الأنقاض يبدو أنها حطام مدينة صغيرة، وتشرف على تلة محاكة بسور جزء منه من الحجارة والجزء الآخر من اللبن، أسوارها ذات أشكال غير منتظمة ومحصنة كالعادة بالأبراج، والجهة الشمالية أكثر علواً من الأخريات." كما أشار لينان إلى بوابتها الجنوبية وبعض أطلال المنازل ومجموعة كبيرة من المقابر.
وتوقف لينان عند جزيرة جقنارتي في عبوره الأول وشاهد على الجزيرة أعمدة قراناتية على قممها تيجان وذكر أنها بقايا لكنيسة. وذكر أنه زار على "الضفة اليمنى من النيل أطلال قرية صغيرة [في الحاشي مدينة الدفار] على نفس طراز أبكر وتقع على مسافة نصف ميل من طرف الجزيرة على مرتفع ضفاف النيل ولم أجد شيئاً ذا بال، ولكني وجدت بالقرب من شجرة الدوم خارج القرية ووسط الأنقاض في الجزء الشرقي أحد أعمدة جرانيت ملقى على الأرض ... وشاهدت في أطراف المدينة من الجهة الغربية مجموعة من المقابر تبدو أنها مقابر لمسلمين."
ثم مر لينان بجزيرة حسينارتي وصفها بأنها "جميلة المنظر وطولها تقريباً ميل ونصف الميل ومخضرة بالزراعة. وفي الجهة الجنوبية الغربية لهذه الجزيرة خاصة الغربية منها توجد أنفاض لقلعة تسمي حتاني على تلة مرتفعة تقع على ضفاف النيل. وهنالك أطلال لقرية شرق هذه القلعة . هذه القلعة مشيدة من الطين واللبن والحجارة الخشنة وأسوارها عالية ومرصوصة بطريقة جيدة وفي داخلها مياه النيل التي تأتي من خلال صخرة منحوتة لهذا الغرض حتى تتمكن من الانسياب داخل القلعة. هذه القلعة تسمى حتاني وقد شيدها الشايقية وهم بلجأون إليهل عندما يقومون بنهب الضواحي." ومن حسين نارتى مر بامبكول.
وفي طريق عودته مر لينان بكورتي والحتاني ولم يزد في وصفها عما ذكره في مروره الأول، لكنه أضاف أن هتالك بئر محفورة في الحجارة بالقرب من مياه النيل، وفي الأعلى باب صغير يسمح بدخول المياه أثناء موسم الفيضان" وذكر أنه لا يعتقد أن هذه البئر "حفرت حديثاً أي بعد تشييد القلعة" وأضاف أنه "في الجهة الشمالية للقلعة بالقرب من النهو وعلى الطريق توجد كتابة باللغة العربية كتبت بطريقة جيدة ويظهر عليها العراقة، ولكن للأسف فهي مهشمة تماماً فلم أستطع نسخها" ثم مر لينان بمنصوركتي ونام في أحد مساجدها وأكرمه الأهالي.، ثم مر بجزيرة قنتي ولم يقل عنها شيئا ثم إلى قشاني ولم يذكر شيئاً بين قنتي وقشابي. (لينان دو بلفون ص 170)
ويتضح مما ذكره بونسيه أن حاكم منطقة كورتي كان يلقب بـ "الأرباب" كما اتضح أيضاً من بونسيه (ص6) أن لقب "أرباب" كان يطلق على حاكم أرقو التابع لملك الفونج. وقد ذكر المترجمان في الحاشية ان "بروس تحدث عن الأرباب أو (الزعيم) لكنهما لم يوضحا اين ذكر ذلك بروس وعلى من إطلق اللقب. فقد ذكر بروس أن بمبارو حاكم منطقة سانكاهو الحبشية على الحدود بين دولتي الفونج والحبشة كان لقبه الأرباب أو الزعيم. (Bruce, Vol. 4, p 316) فلقب أرباب لقب حبشي الأصل استخدمه ملوك الفونج بنفس المعنى ولنفس الوظيفة.
كما مر أيضا الرحالة كايو بالمنطقة عام 1821 وقال (ج 2 ص 22) يصف الدفار:
" وهي قرية مهملة تقع على بعد خمسين خطوة من النيل ، وتقوم على صخرة مرتفعة، وهذه القرية بنيت معظم بيوتها من الحجارة الصلبة المقطوعة من الجبل، وكانت قرية حصينة ويوجد جزء من سور يحيط بها، وبعص من بقايا الأبراج الدائرية المثبتة على فتحات في ذلك السور من كل جانب. ووجدت بين هذه الأنقاض عموداً صغيراً من الجرانيت يرقد على الأرض طوله ثلاثة أمتار وتاجه لم يكتمل بعد ومزخرف بالصليب الإغريقي."
"توجد داخل هذه القلغة بئر نصفها داخل الحجر الرملي والنصف الآخر مبني طوله متران، وعرصها أربعة أمتار وعمقها ثمانية عشر متراً، وهي من أعمال القدماء الذين شيدوها على هذه الصخرة قبل مجيء المسلمين وتشييدهم لهذه المباني الجديدة. بعد أن كرسنا حوالي ساعة ونصف لاكتشاف هذه الأنقاض سرنا تارة نقترب منه وتارة نبعد عنه لمسافة ربع فرسخ حتى وصلنا إلى سهل عريض انبثق منه ضوء السراب إلى أعيننا ... لمحنا جزيرة صغيرة يوجد بها زراعة بالقرب من الدفار وهي جزيرة قديرنارتي [مكتوبة هكذا] وأيضاً توجد دبة منصور، وهو مكان مزروع بصورة جيدة وارتي موقا وهي جزيرة حسين نارتي. أما الناحية اليمنى من النيل وجدنا بها القليل من الأراضي الزراعية، ومن ثم مررنا بالكلد وبعد ست ساعات من السير توقفنا عند كوري، وهي قرية صغيرة مكونة من قطاطي من القش"
*****
وقد تناولت المخطوطات المحلية نسب الدفار ومن انتسب إلبهم مثل مخطوطة أحمد بن اسماعيل الأزهري ومخطوطة الدرديري محمد الخليفة شيخ خرسي ومخطوطة النورعنقرة. وقد تناولت طيقات ود صيف الله (ترجمة رقم 141 ص 251) الدفار في ترجمة عبد الرحمن بن جابر والتي جاء فيها: "هو القطب الرباني والشيخ الصمداني شيخ الآسلام والمسلمين ... وله ثلاث مساجد مسجد في دار الشايقية ومسجد في كورتي ومسجد في الدفار ... وأولاد جابر الأريعة كالطبائع الأربعة ... وأختهم فاطمة بنت جابر نظيرتهم في العلم والدين وأمهم إسمها صافية ... دفنوا بترنج من دار الشايقية"
كما ألقت كتابات بعض الآثاريين بعض الضوء على المنطقة، ويتطلب ذلك المزيد من البحث عن المعلومات في هذا الجانب. فقد زارت بعثة الآثار البولندية قلعة أبكر عام 1998، ولم يرد في تقريرها الذي نشر في دوريةSudan & Nubia شيئاًعن القلعة. وورد أن مجرى النيل تحول جنوباً بسبب ضغط قيزان الرمال وحدث ذلك قبل نحو 200 سنة تقريباً. وورد أنه على بعد نحو 2.25 كم مع مجرى النهر تقع قرية Soniyat وهي قرية جديدة لم تظهر على خريطة 1956، وعلى بعد 600 متر جنوب القرية يوجد معبد كوشي اكتشف عام 1997، وكان المعبد فيما مضى أقرب إلى النهر من موقعه الحالي، وإلى الجنوب من هذا المعبد كوم حجارة ربما كان معبداً آخر أقدم من الأول، وعلى بعد 20 كيلومتر أعلى النهر توجد قلعة الدفار وتعرف أيضاً باسم كدجاب Kidjab أو كادجوب Kadjub وكانت مدينة محصنة بداخلها كاتدرائية. (Zurawski, p 82)
ويرى الباحثان Zurawski وPhillips (ص 59) أن قلعة الدفار كانت مأهولة منذ العصر المسيحي، إلا أنهما يذكران في نفس المكان وجود آثار معبد كوشي مما يشير إلى أن الاستيطان في المنطقة سابق للعصر المسيحي, وقد اتضح من الكشوفات الآثارية الحديثة قدم الاستيطان في هذه المنطقة مما يتطلب ضرورة البحث عن ذلك التراث والتعرف على مؤسسيه منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى قيام مملكة الدفار، والعلاقة والصلة بين مؤسسي مملكة الدفار وذلك التراث القديم.

المراجع
- إنجلش، جورج ب، الحملة على دنقلة وسنار: رحلة في معية اسماعيل باشا 1820، ترجمة عبد الله حميدة، الخرطوم: كتاب الخرطوم الجديدة رقم 15، 2008.
- أوليا شلبي، الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة 1672 - 1680، نقلها إلى العربية حسين مجيب المصري وآخرون، دار الافاق العربية
- بونسيه ، رحلة إلى اثيوبيا في السنوات 1670 و1698 – 1699 ترجمها فضل الله اسماعيل علي وخضر محمد سعبد، الخرطوم: جامعة السودان المفتوحة، 2012.
- لينان دو بلفون، يوميات رحلة إلى مروي في سنتي 1821 – 1822، ترجمها من الفرنسية فضل الله اسماعيل على، الخرطوم: جامعة السودان المفتوحة، 2010.
- كايو، فردرك، رحلة إلى مروي والنيل الأبيص وما وراء فازوغلي وسط مملكة سنار وإلى سيوة في خمس رحلات أخرى في السنوات 1829، 1820 – 1922م، ترجمه من الفرنسية فضل الله اسماعيل علي، الخرطوم: جامعة السودان المفتوحة2012.
- نعوم شقير، تاريخ السودان تحقيق محمد ابراهيم أبوسليم، بيروت: دار الجيل، 1981.
- ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والسالحين والعلماء والشعراء في السودان، تقيق يوسف فضل ، ط 3، الخرطوم:دار جامعة الخرطوم للتأليف والترجمة والنشر، 1985.
- Bruce, James, Travels to Discover the Source of the Nile, London: 1790.
- Bugdan Zurawski, Budgan “Survey and Excavation between old Dongola and ez Zuma” Sudan & Nubia, Vol. 6, 2002.
- Crump, Theodoro, The Sudan Travels of Theodoro Krump. Translated from Germam Language and published online by 0n 1974 by Jay Spulding.
- Zurawski, Budgan and Phillips, Jacke, “The Southern Dongola Reach Survey: Results of the first 1998 Season . NYA ME AKUMA NO. 51 June, 1999.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.