الأستاذ محمود والمبدعون (ب)

الأستاذ محمود والروائي الطيب صالح
في عام 1968م أهدى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) كتابه: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام، إلى الشعب السوداني، قائلاً: (إلى الشعب السوداني: الذي لا تنقصه الأصالة، وإنما تنقصه المعلومات الوافية.. وقد تضافرت شتى العوامل لتحجبه عنها).
الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م)، مبدع ضخم، وكاتب كبير، وسارد آسر. لمع نجمه في سموات الأدب العربي عندما أطل على قراء العربية عبر بوابة بيروت، حينما كان مقيماً في لندن، بأولى أعماله القصصية، ثم اتبعها بالأعمال الروائية، فكانت إطلالته عبر شخوص رواياته إطلالة مدهشة وحارة ونارية. ومن حيث البناء الفني، فقد جاء ببناء فني رفيع وأصيل وجديد للرواية العربية، فطار بالناس إلى سماوات شاهقة من الخيال الفني الروائي الساحر. وبأعمال لم تتجاوز الأربع روايات ومجموعة قصصية، استطاع الطيب صالح أن ينسج عالمه الخاص في الفضاء الروائي. وَسمه النقاد العرب بـ "عبقري الرواية العربية". وتدافع الناس لترجمة أعماله، فترجمت إلى ألسن عديدة، فاحتفى العالم احتفاءً واسعاً بها: (عرس الزين)، و(موسم الهجرة إلى الشمال)، و(بندر شاه بجزئية ضوء البيت ومريود)، إلى جانب مجموعته القصصية (دومة ود حامد)، التي استهل بها حضوره في السوح الأدبية. هذا بالإضافة إلى احتفاء قراء العربية بمقالاته الراتبة في زاويته "نحو أفق بعيد" بمجلة المجلة، والتي صدرت لاحقاً تحت مظلة "مختارات الطيب صالح" في نحو عشرة كتب أو يزيد. لقد سعد القراء، ومتذوقو الأدب بأدب الطيب صالح، كما رحبت بمشروعه الروائي المؤسسات الأكاديمية والمختصين في النقد والأدب على نطاق العالم. وظل المشروع حتى يومنا هذا، يمثل للنقاد ولدارسي الأدب وطلابه في العالم، منظومة إنتاج معرفي تتسع لفضاءات متعددة: الصراع الحضاري، والمسرح، والقرية، والتحولات الاجتماعية، والتغيير، والفولكلور، والمرأة، والرقص، والجنس، والدين، والتصوف...إلخ. وصف الكتاب السودانيون الطيب صالح بأوصاف عديدة، منها أنه "كاتب قومي"، و"كاتب شامل" ...إلخ. كتب الأستاذ محمود محمد عثمان صالح في وصفه قائلاً: إن الطيب صالح (كاتب "شامل" مكنته ثقافته العميقة والمتنوعة واطلاعه الواسع باللغتين العربية والإنجليزية على علوم اللغة، والفقه، والفلسفة، والسياسة، وعلم النفس، وعلم الأجناس، والأدب، والشعر، والمسرح، والإعلام، أن يروي، ويحكي، ويخبر، ويوصّف، ويحلل، ويقارن، وينقد، ويترجم بأسلوب سهل عذب ينفذ إلى الوجدان والفكر كما تشهد هذه المجموعة من "مختارات من الطيب صالح"). وفي دراسته النقدية بعنوان: "دليل الفالح في استخدامات الطيب صالح"، تناول الفنان حسن موسى، الروائي الطيب صالح من خلال محاور متداخلة منها: البعد السياسي لخيارات الطيب صالح الأدبية، وعلاقة المبدع بالسياسة، ووقف على مدى رضى الكاتب، عن وعي أو عن غير وعي، بمساعي القراء لتملك شخصيته، وأشار إلى أن الطيب صالح، استمرأ واستفاد من أندية المعجبين، وبالذات تلك المنعقدة في بلاد النفط. كتب موسى ضمن دراسته قائلاً: (والاتكال على الطيب صالح في أقاليم الصناعة الأدبية أمر مشروع كون الرجل عالم وعارف بأمر الاختراع الأدبي بما أهله شرعياً لدمغ أكثر من جيل من كتاب العربية بدمغته الأسلوبية الفريدة). (حسن موسى، "دليل الفالح في استخدامات الطيب صالح"، من سودان للجميع (Sudan for all)، منبر الحوار الديمقراطي، استرجاع (Retrieved) بتاريخ 12 مايو 2007م، الموقع على الإنترنت: www.sudan-forall.org).

الأستاذ محمود والروائي الطيب صالح


في تقديري، أن المبدع عادة ما يكون أقرب الناس إلى المستقبل بحكم سعة خياله وطاقاته الإبداعية، وبحكم إدراكه النوعي للأطروحات الفكرية المنفتحة على المستقبل، والمخترقة للواقع والراهن سعياً للمساهمة في تقديم البدائل المستقبلية لا سيما بديل المستقبل المُفضّل   Preferable Future من أجل كرامة الإنسان ورحابة الحياة وأنسنتها. ذلك لأن تلك الأطروحات الفكرية تنشد في حدها الأدنى -كما المبدع- الحرية والتحرر (بالمعنى الواسع لكلمة التحرر). فالحرية هي بعض مما تقاطع عنده الأستاذ محمود مع الروائي الطيب صالح. لقد ظل الأستاذ محمود معتداً بفكره وبكرامته الإنسانية ومنافحاً ومناطحاً ومصادماً من أجل حرية الرأي والفكر حتى إعدامه صبيحة يوم 18 يناير 1985م في ساحة سجن كوبر بالخرطوم بحري. كذلك الطيب صالح كان يشعر بحاجته للحرية، وبأهميتها في الحياة. أذكر أنني حضرت محاضرة قدمها الروائي الطيب صالح علي هامش معرض الكتاب الدولي بمدينة الدوحة، في مساء يوم 22 من شهر ديسمبر عام 1996م، وفي نهاية المحاضر وجه أحد الحاضرين سؤالاً إلى الطيب صالح عن متى ستكون عودته للسودان؟ فأجاب الطيب صالح قائلاً: يا زول إنت دايرني أمش السودان عشان إشنقوني في ميدان أبو جنزير. الشاهد، أن الشنق الذي وقع على الأستاذ محمود، كان حاضراً في ذاكرة الطيب صالح. إن المبدع اليقظ صاحب الإبداع المتصل والمتحرر من (نادي المعجبين)، يعلو صوته عالياً عند النكبات الإنسانية، ويعلن عن موقفه بقوة تتناسب مع حجم طاقته الإبداعية، وسلطته الثقافية والأخلاقية، فيمثل ذلك الموقف المعلن، الملهم والشاحذ للهمم، فيثري ذلك الموقف مخزون الشعوب وينمي ذاكرتها الجمعية تجاه المعاني الإنسانية. بل كثيراً ما تدخل تلك المواقف ضمن المرجعيات التاريخية، في حياة الشعوب السياسية والفكرية. حكى الدكتور محمد عابد الجابري (1936م-2010م)، كيف يمكن للكلمة والمقالة والموقف المعلن للكاتب أن يغير مسار حياوات، وكيف يمكن أن يظل الموقف المعلن للكاتب محفوراً في ذاكرة الشعوب والأمم، ومؤثراً في حياتها الفكرية والسياسية. قال الجابري: إنه في عام 1894م حُكم على ضابط فرنسي، بالنفي إلى غيانة. وكانت التهمة التي وُجهت إلى الضابط الفرنسي موضع شك من طرف عائلته وأصدقائه الذين استطاعوا أن يثبتوا، بعد عامين، زيف الوثائق التي أدين بها؛ إذ اتجهوا إلى الرأي العام يستنهضونه للمطالبة بإعادة المحاكمة، فاستجابت شخصيات مرموقة من عالم الفكر والأدب في فرنسا في ذلك الوقت كإميل زولا الذي كتب مقالة اشتهرت بعنوانها: "إني أتهم"، ثم ساهم إميل زولا مع آخرين في إصدار بيان بعنوان: "بيان المثقفين" ونشرته جريدة لورور الفرنسية يوم 14 يناير عام 1898م. وعلى إثر تلك المقالة وبيان المثقفين نشأ صراع مرير، انتصر فيه دعاة إعادة المحاكمة، فأُعيدت محاكمة الضابط ثم ألغت المحكمة الحكم وأطلقت سراح الضابط وأعادت إليه اعتباره. وأضاف الدكتور الجابري قائلاً: (كانت هذه الحادثة بالغة الأثر في الحياة الفكرية والسياسية الفرنسية، ولا تزال أصداؤها تتردد في الكتابات المعاصرة...). (أحمد صدقي الدجاني وآخرون، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1995م، ص 42).
 
في تقديري، إن موقف الطيب صالح من نكبة شعوب السودان في الأستاذ محمود يوم إعدامه، لم يكن موقفاً متناسباً مع حجم إبداعه وعقله الكبير، ولم يكن بقدر سعة خياله، بل تناسى في موقفه، وهو العارف، بأنه رمز كبير، وأن له قبول عظيم في دوائر الحكام، وصاحب تأثير على الرأي العام. كتب الدكتور النور حمد قائلاً: (ظل الطيب صالح مقبولاً قبولاً استثنائياً، حتى لدى أكثر الحكام العرب محافظة، وأشد الأنظمة العربية تنكراً للحقوق الأساسية لبني البشر. وما من شك أن الطيب صالح رمز عربي كبير، وهو كرمز عربي أيقوني ICONIC، أصبح مصدر فخرٍ لكل أهل الثقافة العربية. غير أن الطيب صالح لم يوظف تلك المزية التوظيف الأمثل، فيما أرى، وإنما وظفها ليضع ذاته فوق أتون الصراع والتناقضات. كان من الممكن أن يجعل الطيب صالح من تلك الوضعية المتميزة، وذلك القبول العام، سلطة أخلاقية مؤثرة في نصرة المظلومين، ولكنه حرص أكثر على استخدامها في وجهة أرى أنها انحصرت في مجرد تحقيق "البريستديج" الشخصي، وفي وجهة ضمان استمرار حالة القبول العام، التي تمتع بها لعقود. كسب الطيب صالح بعبقريته الكبيرة وضعية أخلاقية مؤثرة كان في وسعه استخدامها في وجهة لجم جور الحكام، ... ولكن تلك الوضعية جرى تبديدها، في ما أرى، في جيوب جانبية، ضيقة، مغلقة). (النور حمد، "معاوية نور: هل غار منه الطيب صالح أم خشي على مواقفه منه؟! ..  (3-3)"، صحيفة الأحداث، الخرطوم، 14 ديسمبر 2009م). لقد كان الطيب صالح على الدوام واعياً ومتذكراً للمسؤولية التاريخية للمبدع، حينما تحل النكبات الإنسانية. كتب الشاعر والدبلوماسي سيد أحمد الحاردلو في شهر مارس من عام 2010م، عدة حلقات في ذكرى وفاة الروائي الطيب الصالح، كتب الحاردلو في الحلقة الأولى قائلاً: (وحين ابتدع نميري قوانين سبتمبر وحكايات «الشروع في الزنا» والقفز ليلاً في بيوت الناس.. إلى ما كان يجرى من جرائم ترتكب باسم الإسلام والإسلام منها براء، اتصل بي (الطيب صالح) هاتفياً من باريس وأنا بتونس وقال بالحرف «إن التاريخ لن يرحمنا نحن المبدعين إن سكتنا عن ذلك!» كان ذلك في منتصف عام  1984- فقلت له «إنني قد بدأت وسأنشر باسم مستعار». لكنه لم يكتب ربما بسبب قوانين اليونسكو التي تمنع  الخوض في السياسة!). (سيد أحمد الحردلو، " ليلة الثلاثاء 17 فبراير 2009م يوم الهول العظيم!! في الذكرى الأولى لرحيل الطيب صالح.. (الحلقة الأولى) وهكذا.. رحلت العذوبة ... (آشقي الحال)..!!، صحيفة الرأي العام، الخرطوم، 3 مارس 2010م. سكت الطيب صالح حينما كان يجب أن يصرخ، يوم أن أعلن نميري نهار الخميس 17 يناير 1985م نيته إعدام الأستاذ محمود في صبيحة اليوم التالي. كتب الطيب صالح ضمن مقالة له عن الأديب والدبلوماسي جمال محمد أحمد (1915م-1986م)، تحدث فيها عن موقفه يوم أن عزل نظام نميري الأديب جمال الذي كان سفيراً للسودان في لندن، قال الطيب صالح: (... حين صنعوا به ما صنعوا يوم عزلوه من منصبه في لندن. قمت بجهد المقل، وكانوا يريدونني أن أعمل في وزارة الأعلام فكتبت إلى وزير الإعلام أقول: "أن حكومة لا تحترم رجلا مثل جمال محمد أحمد لا تستحق أن يعمل الإنسان معـها". وكانت صرخة ضعيفة في واد سحيق، لم يسمعها أحد ولم يكتـرث لـها أحد. ولم يكن ذلك عملاً بطولياً مني، فقد كنت في مأمن عند الإنجليز في لندن. منصور خالد صرخ بعد ذلك صرخة مدوية حين قتلوا محمود محمد طه، رحمه الله. وهي حسنة أرجو أن تحسب له حين يجد الجد...). (نُشرت ضمن كتاب: علي عثمان محمد صالح والبشير سهل، سيرة كاتب سرة شرق، ط1، 1988م). لم يصرخ الطيب صالح يوم شنق الأستاذ محمود، على الرغم من أنه كان في مأمن من بطش النظام لوجوده خارج السودان، إلى جانب أن الخوف لم يكن يلازمه كما جاء في اجابته حينما سألته هدى الحسيني في حوار وسمته بـ "الطيب صالح في بيروت: هناك أسرار لم أدركها بعد"، ونُشر الحوار ضمن (أحمد سعيد محمدية (وآخرون)، الطيب صالح: عبقري الرواية العربية، دار العودة، بيروت، لبنان، ط5، 2007م، ص 158، 159). سألت هدى الطيب صالح قائلة: عندما يكون هناك أمل يشعر الإنسان بالخوف. ما هو الخوف بالنسبة إليك؟ أجاب الطيب صالح قائلاً: ( الأمل معناه العالم المألوف للإنسان، على علاته، من المحتمل أن يتحول إلى عالم غير مألوف. والخوف سببه الانتقال من المألوف إلى غير المألوف، عموماً أنا لا أخاف، لأنني نشأت في بيئة قدرية، ثم لأني مطالبي الشخصية قليلة. أحياناً تنتابني رعشة من الخوف خفيفة بالنسبة إلى الموت والمستقبل، لكن الخوف لا يلازمني).

الطيب صالح يُعبر عن خجله

في تقديري، أن مواقف المبدع الإنسانية ترتبط بمدى صلته بطاقاته الإبداعية، ما
إذا كان إبداعه متصلاً أو منقطعاً. فإذا ما تحول المبدع من الكتابة الإبداعية الخالصة إلى نوع آخر من الكتابة، نتيجة لتحولات في حياته واستجابته لمعطيات جديدة (نادي المعجبين مثلاً، وفقاً لنحت الفنان حسن موسى)، فإن مواقف ذلك المبدع تصبح رهينة للمعطيات الجديدة والتحولات التي حدثت له. ففي ندوة كان عنوانها: "تحية إلى الروائي السوداني الراحل الطيب صالح"، قال الكاتب والناقد المصري صلاح فضل: (إن الطيب صالح ترك الكتابة الابداعية الخالصة التي بدأها منتصف الخمسينات حتى منتصف السبعينات ثم توقف عن ذلك حتى وفاته. أي توقف في الثلاث عقود الأخيرة من حياته). (عُقدت الندوة بمدينة أصيلة، المغرب، وبثتها قناة الجزيرة مباشر، يوم الجمعة 14/8/2009م الساعة 23:10). فالمبدع بحكم طاقاته الإبداعية، هو في حالة يقظة مستمرة، ما لم تمس طاقاته الإبداعية، حالة من التكلس بسبب التماهي –بوعي أو بدون وعي- في محيط ثقافي آخر أو بسبب رضاه بمساعي القراء لتملك شخصيته واستفادته من (نادي المعجبين). فإنفصال المبدع عن طاقاته الإبداعية، سواء بسبب تلك الأسباب أو غيرها تجعله عرضة لما يخجله. فالمبدع يخجل عندما يكون موقفه الإنساني في لحظات الظلم دون مستوى طاقاته الإبداعية وسلطته الثقافية والأخلاقية. ويخجل حينما يغفل واجبه الإنساني، ويتناسى مسؤوليته التاريخية، ويسكت عندما تحتم عليه اللحظة الصراخ، حينما تحل النكبة الإنسانية. فعدم تسجيل المبدع لموقف قوي ضد الظلم يظل يلاحقه، ويؤرقه. لقد أعلن الطيب صالح أنه شعر بالخجل العميق في الليلة السابقة لإعدام الأستاذ محمود. كتب الطيب صالح مقالة نشرت لاحقاً ضمن كتابه:، وطني السودان "7"، رياض الريس للكتب والنشر، ط1، 2005م، ص 49-53، قائلاً: (حينما أعدم الرئيس السابق جعفر محمد النميري الرجل الهرم محمود محمد طه رحمه الله، كلمتني "باربرا براي" في الدوحة من باريس آخر الليل، كان صوتها في التلفون غاضباً حاداً، أقرب إلى الصراخ، وذلك امر لم أعهده منها، فهي عادة هادئة رقيقة مهذبة، قالت لي: ألا تنوي أن تفعل شيئاً؟
افعل شيئاً بخصوص ماذا؟
ألم تسمع الأخبار؟ ألم تسمع بأن رئيسكم الهمجي قد أعدم رجلاً في الثمانين من عمره؟ أنه أمر مخجل حقاً، من يصدق ان هذا يحدث في هذا العصر؟.
صمت وتركتها تسترسل فماذا أقول لها. لم تهدأ تائرتها بل إن غضبها ازداد قوة وهي تمضي في الكلام. وحين يطول صمتي تقول لي بعنف: هل أنت هناك؟ هل تسمعني؟
نعم يا باربرا، أنا هنا وأسمعك جيداً.
إذاً لماذا لا تفعل شيئاً؟.
قلت لها متضاحكاً لعلني أعيدها إلى هدوئها: الآن؟ في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟.
لم تستجب لمحاولتي، وقالت لي بصوت أكثر غضباً: إنني كنت أتحدث منذ لحظات مع البيت الأبيض في واشنطن. طلبت محادثة الرئيس ريجان، طبعاً أنكروا أنه موجود. كلمني أحد مساعديه. قلت له كل ما خطر على بالي. قالت له إن دم هذا الرجل معلّق في رقبتكم.
سألتها متغابياً: ولكن ما دخل الرئيس ريجان بمقتل محمود طه؟
لا تكن غبياً. هل تظن أنهم ما كانوا يستطيعون إنقاذه لو أرادوا؟ هل يستطيع نميري أن يرفض لهم طلباً؟ أليسوا هم الذين جاءوا به وهم الذين يساعدونه على البقاء في الحكم؟.
وماذا قال لك مساعد الرئيس؟
وماذا يمكن أن يقول لي أحد هؤلاء الشبان التافهين الذين يسمونهم تجاوزاً مساعدي رئيس؟ كل عملهم أنهم يحملون حقائبه ويتراكضون حوله. لم يظهر عليه أنه فهم ما أقول وأظنه لا يعلم أين السودان ومن هو نميري أو محمود محمد طه. أخذ اسمي وعنواني وتلفوني ووعد بأن ينقل احتجاجي للرئيس. بعد أن انتهت المكالمة طلبتك فوراً.
قلت لها متضاحكاً مرة أخرى: إنه لشرف عظيم لي أن تضعيني في كفة مع رئيس أكبر دولة في العالم. أنا الموظف الغلبان في منظمة اليونسكو.
تحول سخطها من الرئيس الأمريكي إلى اليونسكو، فهي تكره المؤسسات البيروقراطية من حيث هي. فقد استقالت من هيئة الإذاعة البريطانية وتعاونت فترة قصيرة مع منظمة اليونسكو ثم رفضت التعامل معها: " متى تستقيل من هذه المنظمة الجوفاء وتتفرغ لما هو أهم؟
وما هو الأهم؟
ألا تعرف إلى الآن ما هو الأهم؟
بلى، أنا أعرف ما هو الأهم في نظر " باربرا براي" وفي نظري أنا أيضاً. ولكن من يطعم الزوجة والعيال، ويدفع أقساط المدارس والجامعات؟ كل هذه الأشياء الصغيرة أم الكبيرة، التي تكبل الإنسان بقيود يشتد وثاقها يوماً بعد يوم، وتجعله يصمت حين يجب عليه أن يصرخ، ويذعن حين يتحتم عليه أن يرفض. " باربرا براي" لا تأبه لذلك. لقد استقالت من هيئة الإذاعة البريطانية منذ ثلاثين عاماً وهي في قمة النجاح، وليس عندها مصدر دخل. غامرت وحملت طفلتيها وجاءت إلى باريس. استأجرت شقة صغيرة في الحي اللاتيني قريباً من "بوليفار سان ميشيل" وعلى مرمى حجر من نهر الـ"سين"، ماتزال تعيش فيها إلى اليوم. رفضت بتاتاً أن تشتري بيتاً أو شقة بالأقساط كما يفعل كل الناس. "منسي" وأنا حاولنا إقناعها ولكنها قالت إنها لا تحب أن تمتلك أي شئ، وتحب أن تفارق الدنيا وليس وراءها شئ. أخذت تعيش من كتاباتها في النقد للصحف الفرنسية والإنجليزية، فهي ناقدة متمكنة لها نفوذ وصيت، وتترجم الفرنسية إلى الإنجليزية، وكثيرون يعتبرونها أحسن مترجم في هذا المجال. وقد ترجمت جميع روايات الكاتبة الفرنسية الشهيرة "مارجريت دورا" لا حباً في المال ولكن لأن الكاتبة صديقتها. وحين يضيق لها الحال، تكتب " سيناريوهات" للسينما، فهي تحتقر السينما، ولا تعتبرها شكلاً فنياً محترماً. وكان بوسعها أن تجمع مالاً وفيراً من كل هذا الجهد، ولكنها لا تحسن تدبير المال ولا تأبه له، وتقع دائماً فريسة لطمع الناشرين وخداعهم.
دائماً تجعلني أحس بالخجل من نفسي، هذه السيدة العجيبة. لا تنتمي لحزب، وليس عندها أي مطمح، وتعطي الحياة أكثر ما تأخذ منها. كأنها تحمل على عاتقها هموما الإنسانية بأسرها، إذا وقع زلزال في الجزائر أو فيضان في السودان أو مجاعة في إثيوبيا، يعصر الألم قلبها، كأنها مسؤولة شخصياً عما حدث. ولا تكتفي بذلك بل تجمع التوقيعات وترسل الاحتجاجات. تؤيد كفاح الشعب الفلسطيني وتكره النظام العنصري في جنوب أفريقيا، وتمقت التسلط والقهر حيثما يكون. وأنا لا أشك أنها تحس مأساة جنوب السودان أكثر مما يحسها جون قرنق وبقية هؤلاء الزعماء النجباء، الاذكياء الأغبياء. " باربرا براي" تؤمن كما جاء في القرآن الكريم أن من قتل نفساً واحدة بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعاً، وهؤلاء عندهم أن يموت مليون، لا شيء، في سبيل ان يصبح الواحد منهم زعيماً.
في تلك الليلة شعرت بخجل عميق. قلت لها وأنا أعلم أن كلامي أعرج وحجتي جوفاء:
أنت تعلمين أننا حينما ندخل اليونسكو كما في المنظمات الدولية، نقسم يميناً أن نكون محايدين ولا نتدخل في شؤون الدول الأعضاء في المنظمة".
(قالت باربرا): كلام فارغ.
أطارت النوم من عيني وقضيت الليل مسهداً أضرب أخماساً في أسداس.. وذلك أضعف الإيمان.

تأثير مواقف طلائع المتعلمين
 
تحدثت بتوسع في الحلقات السابقة عن موقف طلائع المتعلمين من الأستاذ محمود. وخلصت كما ذكرت إلى أن طلائع المتعلمين عمدوا إلى تغييب الأستاذ محمود من المشهد السياسي، وقصدوا حجبه عن الفضاء المعرفي السوداني، كما عملوا على تهميش دوره في النضال الوطني، وسعوا إلى تضليل الناس في اطروحاته. لقد ظل تأثير هذا الموقف تأثيراً كبيراً. ولم يسلم منه الطيب صالح. كتب الدكتور النور حمد في مقاله آنف الذكر قائلاً: (أخبرني الدكتور الباقر العفيف أنه سأل الطيب صالح، الذي كان قد زارهم بدعوة من السودانيين بمدينة مانشستر في انجلترا، قبل عدة سنوات، عن سبب صمته عقب اغتيال الأستاذ محمود محمد طه. وكان رده، حسب ما حفظته من رواية الدكتور الباقر العفيف: ((هذا هو الأمر الذي لن أغفر فيه لنفسي أبداً!!)). وتلك قولة نبيلة، لا شك، إلا أنها تبقى قولة محصورة في مجلس ضم بضعة أشخاص فقط في غرفة في دار). فعلى الرغم من هذه القولة النبيلة كما وصفها النور، وإشارته بأنها ليست سوى قولة محصورة في مجلس خاص، ففي الواقع لم يكن الطيب صالح حريصاً على النطق صراحة بشهادته في حق الأستاذ محمود، بل لم يخرج من دائرة التهميش التي وُضع فيها الأستاذ محمود من قبل طلائع المتعلمين. ففي تقديمه لكتاب السني بانقا عن معاوية نور، الذي كتبه بعد حديثه للدكتور الباقر العفيف بعد عشر سنوات ونيف من الشهور، كتب الطيب صالح عن مَن وُلدوا مع وقبل وبعد معاوية، قائلاً: (في هذه البيئة ولد معاوية محمد نور عام 1909م، كما يحدثنا السني بانقا في كتابه، وذلك في العام نفسه الذي ولد فيه يوسف مصطفى التني، وقبل عام واحد من مولد محمد أحمد محجوب والتجاني يوسف بشير، وقبل ثمانية أعوام من مولد جمال محمد أحمد، وتسعة أعوام من مولد أحمد الطيب، وعشرة أعوام من مولد محمد المهدي المجذوب، واثني عشر عاماً من مولد عبدالله الطيب. كل هذه الأسماء لعبت أدواراً مهمة في تاريخ الحركة الأدبية والفكرية في السودان، وبعضهم لعب أدواراً رئيسية في الحركة السياسية...). (السني بانقا، معاوية نور، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، ط1، 2006م، ص 13، 14). نلاحظ أن الطيب صالح أغفل الإشارة إلى مولد الأستاذ محمود الذي كان في نفس العام مع معاوية نور. أما دور الأستاذ محمود، الذي أغفل ذكره الطيب صالح، أيضاً، في تاريخ الحركة الأدبية والفكرية في السودان، فإنه لم يكن في الواقع أقل من دور الذين ذكرهم. وفي حقيقة الأمر أن دور الأستاذ محمود يفوق أدوارهم بما لا يقاس، اللهم إلا إذا تحدثنا عن التضخيم الزائد للأدوار الذي يخضع الآن، وسيخضع بشكل أوسع قريباً، إلى المراجعة الشاملة من قبل الأجيال الجديدة. فحينها ستقف الأجيال الجديدة، على حجم دور الأستاذ محمود الحقيقي، وعلى عظمة مواقفه من أجل السودان والإنسانية، وعندها ستخضع البطولة لتعريف جديد، وسيكون لها معنى آخر، ومذاق خاص باعتبار الثمن والاستحقاق.

أختم مقالي هذا بما ختم به الدكتور النور حمد سلسلة مقالاته آنفة الذكر، مذكراً القراء بما وعد به الدكتور النور، كما أن في وعد النور تبيين لغرضي من مقال اليوم، وتوضيح بأن شمول التناول سيأتي لاحقاً، قال النور حمد: (نقوم الآن ـ شخصي، وصديقي الأستاذ عبد الله الفكي البشير ـ بإعداد كتابٍ عن الطيب صالح نناقش فيه قضية استخدام سلطة الأدب الأخلاقية المفترضة، من أجل دفع عجلة الوعي بالحقوق ودفع حراك التغيير. ويتوفر الكتاب على رصدٍ دقيقٍ جداً لسجل الطيب صالح من أقواله وسيرته. وليس الغرض من الكتاب محاكمة الطيب صالح، وإنما الغرض منه الاحتفاء بالطيب صالح، واستخلاص العبر من تجربته. فالطيب صالح يبقى، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه، علماً من أعلامنا، وكنزاً ثميناً جداً من كنوز ثقافتنا الوطنية. فالغرض من الكتاب إنما هو إلقاء الضوء على السالب في بنية ثقافتنا، وفحص مكوناتها التي تؤثر علينا جميعاً، وبلا استثناء، وتجعل خياراتنا الأخلاقية ملتبسةً وغائمة. ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن يتم تحميل المسؤولية في اضطراب أحوالنا، لفردٍ واحد، أو لأفراد قلائل، خاصة في هذا المخاض الأليم، والطويل في آن معا، في مضمار بناء أمتنا، التي لم تتخلق ثوابتها بعد. فكلنا ضحايا لوضع موروث معقد يحتاج منا الكثير من البحث، ومن الصبر، ومن الأناة، ومن الحيدة العقلية).

أخيراً أقول نلتقي لاحقاً، وليس يوم الخميس القادم كما ظللت أكتب عند نهاية كل حلقة، ذلك لأنني سأتوقف بعد حلقة اليوم عن الكتابة الاسبوعية الراتبة في صحيفة الأحداث. وبذا أكون كذلك قد توقفت عن متابعة نشر ما تبقى من محاور هذه السلسلة: "الأستاذ محمود محمد طه والمثقفون". لقد أشرت سابقاً، بأنني عزمت على نشر هذه السلسلة في كتاب، خاصة بعد أن جاءتني رسائل كثيرة عبر الهاتف والبريد الإليكتروني من أستاذة أجلاء، ومن بعض أهل الخدمة التنويرية من الكُتاب، والباحثين، كلها تحضني على ضرورة نشر هذه الحلقات في كتاب. لهذا، فقد بدأت في إعداد الكتاب، بدءاً بترتيب الحلقات التي نُشرت في هذه الصحيفة مع التوسع في بعض محاورها، بالإضافة إلى عملي على إعداد المحاور التي لم أنشرها ولكني أشرت إليها ضمن الحلقات السابقة وهي:

1.    الأستاذ محمود وثورة رفاعة- الخفاض الفرعوني.
2.    الأستاذ محمود والشيوعيون.
3.    الأستاذ محمود والأخوان المسلمون.
4.    الأستاذ محمود وسنوات حكم نميري (1969م-1985م).
5.    الأستاذ محمود والعلامة عبدالله الطيب
6.    الجزء الثاني من محور: "الأستاذ محمود والمفكرون الإسلاميون: محمد أبو القاسم حاج حمد (نموذجاً)"، وقد فاتني في الحلقة السابقة التنبيه إلى أني أجلت هذا الجزء.
7.    الأستاذ محمود والمؤرخون السودانيون.
8.    الأستاذ محمود في الإرشيف القومي السوداني.
9.    الأستاذ محمود والأكاديميا السودانية.
10.    انتحال ونهب Plagiarization أفكار الأستاذ محمود.
11.    الأستاذ محمود والمثقفون الإسفيريون أو المثقفون الرقميون أو الجدد.

هذه المحاور قابلة إلى الزيادة والتعديل والتقديم والتأخير، هذا إلى جانب عملي في محاور أخرى لم ترد الإشارة إليها في الحلقات السابقة منها:

1.    الصور النمطية للأستاذ محمود في الشارع السوداني.
2.    الأستاذ محمود وحاجة البشرية لحكومة عالمية.
3.    الأستاذ محمود وأهل الطرق الصوفية.
4.    قراءة في نماذج تصحيح المواقف لبعض القادة والمثقفين تجاه الأستاذ محمود.

كما هو معروف في مجال الدراسات والبحوث، فأن الرؤية ستضح لي لاحقاً، ما إذا كانت هذه المادة ستكون في كتاب واحد، أو في كتاب يتكوَّن من جزئين. فإلى حين إنجاز هذه المهمة، ورجوعي إلى الكتابة الاسبوعية الراتبة، فيما بعد، متناولاً موضوعات جديدة، استودع الله القراء الكرام، وأشكرهم كثيراً على الزمن الذي أنفقوه في القراءة وفي التأمل. وشكري الجزيل لأساتذتي الأجلاء وللقراء الأفاضل الذين وصلتني منهم تعليقات عبر الرسائل أو المهاتفات. وشكري الخاص لأسرة تحرير صحيفة الأحداث على تسهيلهم لمهمة المساهمة في الخدمة التنويرية، وعلى سلاسة تعاونهم، وعلى اتاحة الفرصة لتسييل الأفكار وتلاقح الرؤى حول قضايا السودان والإنسان. وإلى اللقاء لاحقاً حول موضوعات جديدة.  

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 3 فبراير 2011م)
Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]