الأستاذ محمود والمبدعون (أ)

في عام 1968م أهدى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) كتابه: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام، إلى الشعب السوداني، قائلاً: (إلى الشعب السوداني: الذي لا تنقصه الأصالة، وإنما تنقصه المعلومات الوافية.. وقد تضافرت شتى العوامل لتحجبه عنها).

مدخـل

أشرت سابقاً، إلى أنني لستُ ميالاً في استنطاق الأحداث، ودراسة المواقف، أياً كانت، إلى أن أضع أصحاب تلك المواقف في موضع المحاكمة أو المحاسبة. فالإنسان، من حيث هو إنسان، إنما هو نتاج لمكونات ثقافية وفكرية، وخلاصة لمنظومة تعليمية ونسق قيم سائد في المجتمع. فالمكونات الثقافية والفكرية تمثَّل الإطار المرجعي، لمركبات الواقع، والمُحَدِدَة لاتجاهات المجتمع، والمبلورة لأفكار الأفراد وتصوراتهم. وفي هذا فإن الكثير من قادة السودان ومبدعيه ومثقفيه وعامته، كانوا في مواقفهم تجاه الأستاذ محمود، ضحايا لمكوناتهم الثقافية والفكرية، وضحايا لسلطات عديدة، كانت ولا تزال قوية: كسلطة المجتمع والسلطة السياسية... إلخ. ولهذا، فإن المهم عندي هو استنطاق الأحداث وقراءة المواقف، بما يسهم في دراسة المكونات الفكرية والثقافية، وتحليل الظروف المحيطة التي تشكِّل الوعي، وتُبلور المفاهيم والقيَّم والتصورات، وتُملِّك المعايير، وتُحدد شكل المواقف. والمهم، عندي أيضاً، هو أن يكون استنطاق الأحداث ودراسة مواقف المثقفين من قضية الأستاذ محمود، فرصة لمراجعة المواقف، وإسهاماً في بث فضائل الاعتراف والاعتذار إلى جانب التنبيه إلى أهمية بناء سلطة المثقفين الثقافية، لانتزاع فرص تمركزهم وحضورهم كقوى فاعلة ومؤثرة في الشأن العام.

الأستاذ محمود والمبدعون

يفرق البعض بين المثقف والمبدع من حيث العطاء وطبيعته، ومن حيث العلاقة مع المجتمع ومؤسساته ومع الدولة. ويربط البعض المبدع بالإنتاج القائم على الخلق والابتكار وتقديم الجديد إلى جانب النقد للسائد والمألوف، والتجاوز لما هو مطروق ومعتاد. وهناك أطروحات عديدة حول مفهوم المثقف ومفهوم المثقف المبدع. يقول الدكتور محمد عابد الجابري (1936م-2010م)، إن مفهوم المثقف بالمعنى العام السوسيولوجي للكلمة: (قد اتسع ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، الثقافة بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين، والذين يمكن التمييز فيهم بين نواة تتكون من المبدعين والمنتجين من علماء وفنانيين وفلاسفة وكتَّاب وبعض الصحفيين... يحيط بها أولئك الذين يقومون بنشر ما ينتجه هؤلاء المبدعون، مثل الممارسين لمختلف الفنون ومعظم المعلمين والأساتذة والصحفيين، يليهم ويحيط بهم جماعة تعمل على تطبيق الثقافة من خلال المهنة التي يمارسونها مثل الأطباء والمحامين). (أحمد صدقي الدجاني وآخرون، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1995م، ص 43). وتبسيطاً للمعنى، يمكنني القول أن المبدعين هم قبيل من المثقفين. منهم: الشعراء والفنانون وكُتاب الرواية وأصحاب الإكتشافات العلمية... إلخ. وهم أصحاب السهوم في ملء فراغات الفضاءات المعرفية والعلمية. إن تلك السهوم الإبداعية كثيراً ما تؤثر في توجيه المسارات المجتمعية، وأحياناً تعجل بالتغيير عبر تحريكها للراكن والساكن فيما تنطوي عليه مجتمعاتهم. إن أعمال المبدعين وكتاباتهم تُمثل تعبيراً قوياً عن ذواتهم وعن ثقافاتهم وطبيعة مجتمعاتهم. وفي تقديري، إن المبدعين هم الأقرب إلى المستقبل، وهم الأكثر مطالبة بالحرية، والأعلى صوتاً بإسماع النداء الداعي إلى سعة الحياة ورحابتها وأنسنتها. ولهذا، فإن صوتهم حينما تقع النكبات الإنسانية في مجتمعاتهم، يصبح التزاماً وواجباً، فإن ارتفع أو تلاشى فإنه يُعبر  بجلاء عن مواقفهم وعن مدى مسؤوليتهم الأخلاقية والتزامهم الإنساني.

كتب الدكتور منصور خالد كلمة بعد تنفيذ حكم الإعدام في الأستاذ محمود صبيحة يوم الجمعة 18 يناير 1985م، ونُشرت الكلمة في نفس الشهر بجريدة السياسة الكويتية، قال منصور في كلمته: (... أحسن شهيد الفكر الظن بمثقفي السودان وهو يستحثهم للدفاع عن حقـهم في الحياة، وفي التفكير، وفي الإرادة الحرة الطليقة، فوقفوا -أغلبهم ذاهلين- أمام بدع الجاهلية، وضلالات المهووسين وتقحم المتفيقهين.. وكل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء!!). وأضاف قائلاً: (...إن شهيد الفكر سيبقى ضميراً مؤرقاً، ومصباحاً مسرجاً، في هذا الديجور الحالك الذي يعيش فيه أهل السودان؛ سيبقى في غرسه البشري الذي أورق، وفي نبته الفكري الذي اكتهل، وسيبقى في نفوس كثير من السودانيين كنموذج للرجل الذي تجافى مزالق السـقوط، وما فتئ يحترم في الناس أغلى ما يملكون - عقولهم-. وسيبقى اسم محمود بعد كل هذا حياً في نفوس الذين لا ينامون على الهوان، بما سيثيرها فيهم من بغض للظلم وإدانة للعدوان واستنكار للهوس، وإنكار للغدر...). لا شك أن بعض المبدعين في السودان، كانت لهم مواقف قوية وداعمة لموقف الأستاذ محمود، ومطالبة بحقه في الحرية والحياة. بعض تلك المواقف كان منذ محاكمة الأستاذ محمود بالردة عام 1968م، وبرز من بينها، موقف تجمع الكتاب والفنانين التقدميين "ابادماك"، الذي كان رئيسه البروفسير عبد الله علي إبراهيم. ففي أول اجتماع عقده تنظيم "أبادماك" في العاشر من يناير عام 1969م، شجب حكم الردة الذي صدر بحق الأستاذ محمود. وحينما كان عام 1985م، عام تنفيذ حكم الإعدام في الأستاذ محمود، برز بيان الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم بتاريخ 10/1/1985م. أما مذكرة نقابة المحامين إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 12/1/1985م. فقد كانت صرخة ضمير حي، ونداء أحرار، إدان بيان الهيئة وكذلك مذكرة المحامين محاكمة الأستاذ محمود وتلاميذه، ورفضا إذلال الفكر ومصادرة حرية التعبير. وبرز أيضاً، اسم البروفسير عبد الله علي إبراهيم الذي نشر مذكرة حملت اقتراحاً منه إلى الناخبين الخريجين في العاصمة القومية، منادية بالدفاع عن حرية الفكر، ومقاومة مادة الردة في القانون الجنائي وكل القانون. وقال فيها: (ولم تكن تهمة الردة محايدة سياسياً في واقعنا في السودان منذ استحدثت بشكل غوغائي في عام 1968م... ولكن جماعة دينية، ... اخذت القانون في يدها وحاكمت الأستاذ محمود محمد طه بالردة لتصفية خلاف فكري وسياسي نشأ بينهما وبينه وهو خلاف ذو أصول في الظاهرة الإسلامية بشكل عام). وبعد تنفيذ حكم الإعدام في الأستاذ محمود، وجَّه البروفسير عبد الله على إبراهيم نداءً عبر رسالة إلى اساتذة الجامعات بالعالم للاحتجاج على تعيين الدكتور المكاشفي طه الكباشي، قاضي محكمة الردة عام 1985م، بإحدى الجامعات بالمملكة العربية السعودية. كما تضمنت الرسالة نداءً منه بتنحية الدكتور المكاشفي عن التدريس والبحث بالجامعات بسبب ايذائه لمخالفيه في الرأي. ولعل نهج نشر الرسائل واطلاق النداءات على النحو الذي فعله البروفسير عبد الله علي إبراهيم، وهو وقتئذ أستاذاً بجامعة الخرطوم، هو نهج جديد على السودان، من حيث أنه عمل فردي، ومن حيث أنه محاولة متقدمة لبناء سلطة المثقفين الثقافية، ومجهود عظيم لإسماع صوت النداء الداعي إلى سعة الحياة ورحابتها وأنسنتها. وبرزت أيضاً، اسماء العديد من الشعراء، الذين سجلوا مواقفهم شعراً  اجلالاً واحتراماً للأستاذ محمود وتقديراً لموقفه البطولي على منصة المشنقة. فالآثار الشعرية والأدبية، تُمثل مفاتيح هامة لقراءة الماضي وفهم ملابساته، وهي كما يقول ريجيس دوبري Régis Debray  (أقدر على الإحاطة بالتعقيدات والتناقضات والتبدّلات، أو لنقل بمفاجآت الواقع). ويمضي دوبريه قائلاً: (إن الأوضاع التاريخية تُسلم نفسها بطريقة أفضل، من خلال عمل أدبي مهم). (حوار مع ريجيس دوبريه، أجرى الحوار محمد برادة، مجلة الدوحة، مجلة ثقافية شهرية، العدد 19، مايو 2009م، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، قطر، ص 54). والشعر أيضاً، بمثابة القاضي والشاهد كما قال الشاعر محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م) في آخر صفحة من صفحات ديوانه: (الشرافة والهجرة)، دار الجيل، بيروت، ط2، 1982م، ص 220، ضمن أبيات ثلاث وسمها بـ "شاهد"، قال المجذوب:

وأكتبُ شِعراً ليْسَ للشعرِ غايةٌ   سِوَى أنّهُ قَاضٍ عريقٌ وشَاهِدُ

لقد بكى ورثى الكثيرون بشعرهم الأستاذ محمود بعد وقفته على منصة المشنقة، ومن هؤلاء بدون حصر: العلامة عبد الله الطيب، والشاعر عالم عباس، والشاعر علي عبد القيوم، والشاعر سيد أحمد الحاردلو، ومحمد الجزولي سنهوري، ومحمد عبد الله شمو، وعزيز التوم، وعرمان محمد أحمد، ومحمد محمد خير، وعصام عيسى رجب، ومعتصم سيد أحمد القاضي، وعبد الرحيم عبد الحليم، والدكتور محمد عبد العزيز، وسيد أحمد علي بلال، وغيرهم مما لا يسع المجال لذكرهم. وهناك أيضاً، الكثير ممن كتب أشعاراً قبل تنفيذ حكم الإعدام، تمجد مواقف الأستاذ محمود، ومن هؤلاء: الشاعر محمد المهدي المجذوب، ومنير صالح عبد القادر، ومحمد عثمان كجراي. وغيرهم من الشعراء مما هو مثبت في موقع الفكرة الجمهورية على الإنترنت: www.alfikra.org أو في الكتب. هذه فقط نماذج وليس رصداً لكل الشعراء أو لكل ما كتب من الشعر في رثاء الأستاذ محمود وتمجيد مواقفه. كما ظل الكثير من المبدعين في احترام دائم وتقدير مستمر للأستاذ محمود ولمواقفه عبر الحوارات وأعداد الدراسات حول الأستاذ محمود وحول مشروعه، ومن هؤلاء بدون حصر: الفنان الدكتور عبد الله بولا، والفنان الدكتور حسن موسى، والشاعر كمال الجزولي، والشاعر محجوب شريف، والشاعر بشرى الفاضل، والفنان إبراهيم الصلحي. وهناك غيرهم من المبدعين، الذين لا يسع المجال لذكرهم.

الأستاذ محمود والشاعر المكي

عُرف الشاعر محمد المكي إبراهيم باحترامه للأستاذ محمود وبالتقدير له ولمواقفه. لقد عَبْر المكي عن ذلك التقدير والاحترام في مناسبات مختلفة، ومن ذلك ما جاء في كلمته في احتفال احياء الذكرى الثالثة والعشرين لاستشهاد الأستاذ محمود، الذي نُظم في مدينة مونترى، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية في يومي 19-20 يناير 2007م. قال المكي مشيراً إلى حديث الأستاذ محمود وموقفه في ندوة شارك فيها الأستاذ محمود مع متحدثين من الأحزاب السياسية. على أثر تداعيات حديث الطالب شوقي الذي تحدث في ندوة معهد المعلمين العالي مساء يوم الاثنين 9/11/1965م، وقاد حديث الطالب شوقي إلى الأزمة التي أدت إلى كبوة حلّ الحزب الشيوعي، وسابقة طرد نوابه من البرلمان. قال المكي: (كان المتحدث الوحيد الذي وقف في صف شوقي هو الأستاذ محمود.. الأستاذ قال للناس بما معناه "أرفقوا بالرجل فهو ومهما كان فعله، فإنه في النهاية إنسان.." أعجبني موقف الأستاذ فى تلك اللحظة أدركت أن هذا هو الإنسان الحقيقى، وتقدمت إليه.. مددت يدي إليه وقلت له "أبايعك يا أستاذ" أحيى رجلاً عظيماً وأرفع يدىَّ محيياً). وعلى الرغم من هذا التقدير الذي يكنه الشاعر المكي للأستاذ محمود فقد كتب الشاعر المكي ضمن مقالة عنوانها "آية اللؤم العظمى"، نُشرت بصحيفة الأحداث، يوم 29 يناير 2008م، كتب قائلاً: (وكنت أتحسر باكياً أن مساهمتنا في الفكر الإسلامي لا تتعدى كتاباً واحداً أو كتابين ليس بينهما ما هو ذو شأن). في تقديري، أن الشاعر المكي شاعر ضخم، وله سهوم ابداعية خالدة وعظيمة، جعلت منه صاحب صوت مسموع ومؤثر في البناء الوجداني والفضاء المعرفي السوداني. لهذا، أرى أن الشاعر المكي في حاجة إلى إعادة النظر في حكمه هذا، وإلى مراجعة رأيه حول مساهمتنا في الفكر الإسلامي، خاصة إذا ما تأملنا الإنتاج المعرفي للأستاذ محمود، متبوعاً بآخر نص كتبه الأستاذ محمود، نص وقفته على منصة المشنقة، فهو النص الأفصح والأبلغ والأنصع والأبقى في مجلد الإنسانية الحضاري. أما مساهمة الأستاذ محمود في الفكر الإسلامي مساهمة أصيلة وكبيرة. كتب الفنان الدكتور عبد الله بولا في دراسة له حول مساهمة الأستاذ محمود في حركة التجديد في الفكر الإسلامي قائلاً: (إنني أزعم أن الأستاذ محمود هو بين المفكرين الإسلاميين المجددين المعاصرين أكثرهم وأعمقهم إدراكاً لمأزق الفكر الإسلامي السلفي في مواجهة متغيرات الواقع المعاصر وما تطرحه من إشكالياتٍ متواترةٍ ومعقدة). (عبد الله بولا، "محاولة للتعريف بمساهمة الأستاذ محمود محمد طه في حركة التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر"، مجلة رواق عربي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، العدد الرابع، أكتوبر 1996م). وكتب الدكتور سمير أمين وهو يتحدث عن الجهود في العالم الإسلامي حول قراءة الإسلام في اتجاه التحرر قائلاً: (والمحاولة الوحيدة لقراءة الإسلام في اتجاه التحرر كانت تلك الخاصة بالمفكر الإسلامي السوداني محمود طه. ولم تحاول أية حركة إسلامية، لا "راديكالية" ولا "معتدلة" أن تتبنى أفكار محمود طه الذي أعدمه نظام النميري في الخرطوم بعد اتهامه بالردة. كذلك لم يدافع عنه أي من المثقفين الذين ينادون "بالنهضة الإسلامية" أو الذين يعبرون عن الرغبة في التحاور مع هذه الحركات). (سمير أمين، ما بعد الرأسمالية المتهالكة، ترجمة فهيمة شرف الدين وسناء أبو شقرا،، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2003م، ص 253-254). كما كتب الدكتور حسين أحمد أمين في تقديمه لكتاب البروفسير عبد الله النعيم، (نحو تطوير التشريع الإسلامي)، وهو الشخص الذي قام بترجمة ذلك الكتاب، كتب الدكتور حسين قائلاً: (وها قد مضى أكثر من ربع قرن على ظهور كتاب فى السودان، هو كتاب: (الرسالة الثانية فى الإسلام) للشهيد محمود محمد طه، الذى أعدَّه أهم محاولة ينهض بها مسلم معاصر لتطوير التشريع الإسلامى، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات المعاصرة، دون أن يحظى فى مصر (أو فى بلد إسلامى خارج السودان على حد علمى) بالإهتمام الذى هو أهل له، ودون أن نلمس له تأثيراً فى إتجاهات مفكرينا ومثقفينا وجمهور شعبنا، رغم إحتوائه على فكرة أساسية ثورية لا شك عندى فى قدرتها متى صادفت القبول لدى الرأى العام الإسلامى، على أن توفر الحلول لمعظم المشكلات التى تكتنف موضوع تطبيق الشريعة، فى إطار إسلامى). (عبد الله أحمد النعيم، نحو تطوير التشريع الإسلامى، ترجمة حسين أحمد أمين، سيناء للنشر، القاهرة، 1994م).

إن دعوتي للشاعر محمد المكي إبراهيم لمراجعة رأيه، وإعادة النظر في حكمه الذي أصدره -كما وردت الإشاره إليه آنفاً- مقرونة بآراء المفكرين التي أوردتها حول أهمية الإنتاج المعرفي للأستاذ محمود، دعوة مُفعة بالحب والاحترام له، والغرض منها هو توسيع وتعميق معاني الاحترام والتقدير التي ظل الشاعر المكي يكنها للأستاذ محمود. لقد سبق وأن كتب الشاعر المكي في بداية الستينات من القرن الماضي في سلسلة مقالاته: "المستقبل الحضاري في السودان"، وهي مقالات قيمة، وحافلة بالأفكار الحيَّة، وخرجت منها أفكار ومصطلحات أصبحت فيما بعد، جزء من عناوين لمقالات ودراسات أحدثت حراكاً ثقافياً كبيراً، وقادت إلى جدل واسع حول الهوية لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا. كتب المكي في الحلقة الأخيرة من تلك السلسلة، وهو يتحدث عن الإنسان السوداني الجديد وحول: وماذا عن الدين؟ قائلاً: (... أضع افتراضي الخاص بأن بلادنا ستكون في المستقبل القريب وتحت ضغط مطالبها الخاصة منبعاً للفتاوي الجريئة والتخفيف عن الناس وتيسير اللقاء بالله عبر كل الدروب. أقول إن الدعوات الجديدة في مجال الدين ستجد سندها الواقعي في السودان فكراً وتطبيقاً وأن العالم الإسلامي سيظل دائماً يتطلع إلى السودان كقيادة للتسامح والإحياء والتجديد في مجال الديانات). (محمد المكي إبراهيم، "المستقبل الحضاري في السودان (4-4): الإنسان السوداني الجديد"، صحيفة الرأي العام، الخرطوم، 15/12/1963م). الشاهد، أن إعادة النظر من قبل الشاعر محمد المكي إبراهيم في رأيه القائل بهامشية الإسهام السوداني في الفكر الإسلامي إنما تمثل شهادة تاريخية لمبدع ضخم في حق مفكر أصيل شهد له الشاعر صلاح أحمد إبراهيم بأنه "طود أشم". وهو مفكر ظل معتداً بفكره وبكرامته الإنسانية، ومناضلاً من أجل السودان والإنسانية وحرية الرأي والفكر حتى لحظة وقوفه على المشنقة في ساحة سجن كوبر تحت نفس السماء التي امتزجت فيها أشعار المكي بالسحب:
 
من غيرنا يعطي لهذا الشعب
معنى أن يعيش وينتصر
من غيرنا ليقرر التاريخ
والقيم الجديدة والسِّير
من غيرنا لصياغة الدنيا
وتركيب الحياة القادمة
جيل العطاء المستجيش
ضراوة ومصادمة
المستميت على المبادىء مؤمنا
المشرئب إلى النجوم لينتقي
صدر السماء لشعبنا

نلتقي يوم الخميس القادم في الحلقة الثانية من محور: (الأستاذ محمود والمبدعون)، وموضوعها هو: "الأستاذ محمود والروائي الطيب صالح".

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 20 يناير 2011م)
Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]