الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه (خلاصة)

في عام 1968م أهدى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) كتابه: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام، إلى الشعب السوداني، قائلاً: (إلى الشعب السوداني: الذي لا تنقصه الأصالة، وإنما تنقصه المعلومات الوافية.. وقد تضافرت شتى العوامل لتحجبه عنها).

نماذج المذكرات موضوع الدراسة

تناولت في الحلقات السبع السابقة، محور "الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه". درست ستة نماذج من المذكرات. قدمت تعريفاً بها وحول كُتابها، ووقفت على فصولها، وتقصيت في نصوصها الإشارات للأستاذ محمود. كان جميع كُتابِ تلك النماذج من معاصري الأستاذ محمود، وشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية منذ مطلع القرن العشرين، وأصبحوا من أصحاب الشهادة على ذلك العصر. وهم "حسب ترتيب تناولي لمذكراتهم":

1.    السيد خضر حمد (1910/8م-1970م). وقد صدرت مذكراته بعنوان: (مذكرات خضر حمد: الحركة الوطنية السودانية: الاستقلال وما بعده)، مكتبة الشرق والغرب بالشارقة، الإمارات العربية المتحدة، ط1، 1980م.
2.    الشيخ علي عبدالرحمن الأمين (1906م-1983م). صدرت مذكراته بعنوان: (الديمقراطية والاشتراكية في السودان)، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ط1، 1970م.
3.    السيد أمين التوم (1914م-؟؟؟). صدرت مذكراته بعنوان: (ذكريات ومواقف في طريق الحركة الوطنية السودانية 1914م-1969م)، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، ط2، 2004م. (كانت الطبعة الأولى قد صدرت عن دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، ولم ترد إشاره لتاريخ نشرها في الطبعة الثانية).
4.    الأستاذ يحيى محمد عبد القادر (1914م-؟؟؟). صدرت مذكراته بعنوان: (على هامش الأحداث في السودان)، الدار السودانية للكتب، الخرطوم (بدون تاريخ نشر).
5.    السيد عبد الماجد أبو حسبو (1919م-1985م). صدرت مذكراته بعنوان: (مذكرات عبد الماجد أبو حسبو: جانب من تاريخ الحركة الوطنية في السودان، الجزء الأول)، دار صنب للنشر والتوزيع، الخرطوم، ط1، 1987م.
6.    السيد محمد أحمد المحجوب (1908م-1976م). صدرت مذكراته بعنوان: الديمقراطية في الميزان: تأملات في السياسات العربية والأفريقية، عام 1974م باللغة الإنجليزية. أما الترجمة العربية التي وقفت عليها فقد صدرت في طبعتها الثالثة عام 1989م من دار جامعة الخرطوم للنشر، وطبعتها مطابع الأهرام، القاهرة، مصر.

جميع هؤلاء من طلائع المتعلمين الذين شاركوا في تأسيس مؤتمر الخريجين عام 1938م، وكانوا حضوراً في مهرجان تكوين الأحزاب السودانية. تمحورت الأحزاب التي نشأت في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، حول حركتي الاستقلال والوحدة/ الاتحاد (مع مصر). كان بعض هؤلاء من قادة التيار الاتحادي (خضر حمد، والشيخ علي عبدالرحمن الأمين، وعبدالماجد أبو حسبو)، وبعضهم الآخر من قادة التيار الاستقلالي (محمد أحمد المحجوب، وأمين التوم)، وتنقل يحيى محمد عبدالقادر بين التيارين، بدأ انتماؤه السياسي بالمشاركة في تأسيس الحزب الجمهوري الذي ترأسه الأستاذ محمود عام 1945م، ثم انتقل مشاركاً في تأسيس الحزب الوطني برعاية الخليفة الشريف عبدالرحمن الهندي (؟؟؟-1964م)، وتولى سكرتارية الحزب حتى اندماجه في الحزب الوطني الاتحادي عام 1953م. أصبح جميع هؤلاء من قادة السودان بعد استقلاله عام 1956م. تولى جميعهم حقائب وزارية، عدا الأستاذ يحيى الذي التزم العمل بالصحافة، كان منهم رئيس الوزراء، ونائب رئيس الوزراء، ووزراء للعدل والخارجية والدفاع والاعلام. كتب جلهم المقالة، وأصدر بعضهم الكتب، وكتب المحجوب وخضر حمد الشعر العربي. لم ينشر خضر حمد شيئاً من شعره، ونشر المحجوب شعره في أربعة دواوين.

الخلاصة التي خرجت بها:

من نماذج المذكرات التي درستها اتضح لي الآتي:

1.    خلت جميع نماذج الدراسة من الإشارة إلى الأستاذ محمود أو إلى نضاله ضد المستعمر. وكان هناك إغفال تام لذكره أو ذكر سجنه، على الرغم من أن بعض كُتاب هذه النماذج سُجن معه، ومنهم من زاره في السجن، وفي الغالب أن جميعهم كان يعلم بسجنه.
2.    التجاهل التام لنشأة الحزب الجمهوري، وخلو جميع نماذج الدراسة من الإشارة إليه، وقد تحدثت جميعها عن نشأة الأحزاب السياسية، وأشارت جميعها لأحزاب صغيرة لم يعش بعضها أكثر من ثلاثة أعوام. بل كان من بين كُتاب هذه النماذج رؤساء لأحزاب وقد سعوا للتحالف مع الحزب الجمهوري برئاسة الأستاذ محمود.
3.    لم ترد أي إشارة لجهود الأستاذ محمود سواء عضويته في الجبهة الاستقلالية الأولى (1946م) والثانية (1955م)، أو عضويته في اللجنة القومية للدستور (سبتمبر سنة 1956م)، برغم اشتراكه مع بعضهم في عضوية هذه اللجان.
4.    لم ترد أي إشارة في جميع نماذج الدراسة لمحكمة الردة عام 1968م، التي عقدت ضد الأستاذ محمود، على الرغم من أن كُتاب هذه المذكرات في تلك الفترة، كان منهم وزراء للعدل، ورئيس للوزراء ومنهم من كان نائباً لرئيس الوزراء. لقد كانت محكمة الردة سابقة في تاريخ السودان بعد استقلاله إلا أنهم جميعاً أهملوا الحديث عنها برغم أهميتها، وبرغم قربهم من أحداثها بحكم تخصصهم في القانون وتوليهم للمناصب الدستورية، وتحدثهم في مذكراتهم باستفاضة عن الحرية والديمقراطية.

كان الاستثناء الوحيد من بين هذه النماذج هو الأستاذ يحيى محمد عبدالقادر. فقد أشار الأستاذ يحيى إلى الأستاذ محمود، ولكنها كانت إشارات عابرة. فقد خصص الأستاذ يحيى في مذكراته نحو أربعين عنواناً تحدث تحتها عن نحو أربعين شخصاً من طلائع المتعلمين ولم يكن من بين هؤلاء الأربعين الأستاذ محمود. لقد كانت اللونية الغالبة في مذكرات الأستاذ يحيى هي أيضاً، الإغفال والتجاهل برغم الإشارات العابرة.

ما هي دلالات هذا الإغفال؟

في تقديري، أن الإغفال والتجاهل للأستاذ محمود في نماذج المذكرات التي درستها كان إغفالاً وتجاهلاً متعمداً. قصد منه تغييب الأستاذ محمود عن الذاكرة الجمعية، وتهميش دوره ونضاله في تاريخ الحركة الوطنية ومسار السودان السياسي. ويعود ذلك الإغفال لعوامل عديدة منها الحسد وقد تحدثت سابقاً باستفاضة عن حسد طلائع المتعلمين للأستاذ محمود لما كان يمتلكه من قدرات فكرية فذة ونظرات سياسية ثاقبة إلى جانب قوته في المواجهة سواء للقوى الاستعمارية أو القوى التقليدية في المجتمع. ومن بين العوامل أيضاً، أن جميع كُتاب هذه النماذج كانوا على صلة بالطائفية، وقد تحدثت سابقاً عن مواجهة الأستاذ محمود للطائفية كقوى تقليدية لا جدوى منها سوى إعاقة حركة التطور في المجتمع، وتجميد حركة التغيير فيه. أيضاً، كان من بين العوامل نقد الأستاذ محمود لموقف طلائع المتعلمين من الاستعمار وسذاجة تعاطيهم مع الأحداث وضعف جهودهم وقلة حيلتهم وضحالة فكرهم وفشلهم في رسم صورة للمسار المستقبلي للسودان. وقد تحدثت عن كل هذه العوامل بإسهاب في الحلقات السابقة، خاصة إشاراتي لرؤية الأستاذ محمود حول مشكلة الجنوب ومتطلبات وحدة السودان وأسس دستوره التي فصلها عام 1955م في كتاب عنوانه: (أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية). أيضا، من دلالات الإغفال للأستاذ محمود وللحزب الجمهوري، أن هناك خلل في معايير طلائع المتعلمين، ولعل هذا يعود بشكل مباشر إلى المكونات الفكرية وإلى نوع التعليم الذي تلقوه، سأفصل في هذا الأمر لاحقاً حينما أعد هذه الحلقات لتنشر في كتاب.
 
أيضاً، تحدثت في الحلقات السابقة عن الشواهد التي تدعم استنتاجي القائل بأن تجاهل الأستاذ محمود وتجاهل الإشارة إلى الحزب الجمهوري في نماذج المذكرات التي درستها كان تجاهلاً متعمداً. ومن الشواهد الإضافية التي تؤكد أن التجاهل كان متعمداً هو أن الأستاذ أحمد خير المحامي (حوالي 1905م-1995م) حينما كتب مذكراته تحدث عن نشأة الحزب الجمهوري من خلال عنوان جانبي لا تخطئه العين. نُشرت مذكرات الأستاذ أحمد خير المحامي في طبعتها الأولى عام 1948م، وكان ذلك قبل نشر كل نماذج المذكرات التي قدمتها، ولا بد من أن جل طلائع المتعلمين قد اطلعوا على مذكرات الأستاذ أحمد خير المحامي، إن لم يكن كلهم. صدرت مذكرات الأستاذ أحمد خير المحامي بعنوان: (كفاح جيل: تاريخ حركة الخريجين وتطورها في السودان) عن دار مطبعة دار الشرق بالقاهرة. وقد تحدث الأستاذ أحمد خير المحامي في الفصل الخامس من مذكراته عن نشأة الأحزاب، فأفرد عنواناً جانبياً للحديث عن الحزب الجمهوري. قال الأستاذ أحمد وهو يتحدث عن نشأة الحزب الجمهوري: (ولما وضحت معالم الخلاف واشتد وطيسه بين الاتحاديين والانفصاليين، نشأ الحزب الجمهوري، وهو حزب ينادي باستقلال السودان من مصر وانجلترا على السواء، وقيام جمهورية سودانية...) ثم تناول بالحديث رجال الحزب الجمهوري ورئيس الحزب الأستاذ محمود، وتحدث عن سماته وصفاته، وأشار إلى اختلاف نهج رجال الحزب الجمهوري قائلاً: (لقد برهن رجال الحزب الجمهوري على صدق عزيمتهم وقوة إيمانهم لذلك يتمتعون باحترام الجميع، كما برهن رئيسهم "الأستاذ محمود" على إخلاص وصلابة وشدة مراس، ولعل هذه الأسباب نفسها مضافة إلى اختلاف أهدافهم هي التي جعلتهم يقفون في عزلة وانفراد، غير أن شدة العداء بين الجمهوريين وحزب الأمة، قدم دليلاً جديداً لعله أقطع الأدلة على انطواء الأخيرين على فكرة الملكية، فالحزبان استقلاليان، ولما لم يكن بين الجمهورية والملكية توسط كان من البديهي أن تقوم الملكية في الجانب الثاني بعد أن قامت الجمهورية في الأول وإلا لما كان هناك مجال لعدم التعاون أو الاندماج). ( أحمد خير المحامي، كفاح جيل: تاريخ حركة الخريجين وتطورها في السودان، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، 2002م، ص 95، 96).

ما هي قيمة تلك الكتب كمصدر لدراسة التاريخ؟

هذا السؤال طرحه الدكتور محمد سعيد القدَّال (1935م-2008م) حينما درس أحد عشر كتاباً من كتب السير الذاتية في بحث عنوانه: "ملاحظات حول بعض كتب السِّيرة الذاتية السودانية وقيمتها كمصدر لدراسة التاريخ". كانت نماذجي الست التي قدمتها من ضمن النماذج التي درسها القدّال، أجاب القدّال عن السؤال أعلاه قائلاً:  (من النماذج التي قدمتها من تلك الكتب ومقارنتها مع ما ذكره الدكتور إحسان عباس عن السيرة الذاتية يتضح لنا الآتي: أهملت الجوانب الشخصية التي هي قنوات اتصال بين الكاتب والقارئ، وضخمت من دورها في الأحداث، وجنحت للتبرير، وسيطر عليهم هاجس الصراعات السياسية. ويمكننا أن نخلص إلى القول بأن قيمة غالبية هذه الكتب كمصدر للتاريخ ضعيف، وبعضها لا قيمة له). (محمد سعيد القدَّال، الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص 133-152). ما خلص إليه القدَّال يطمئن كثيراً من حيث الخلاصة التي خرجت بها من دراستي لمحور: "الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه".

أثر تجاهل الأستاذ محمود

اتفق معظم معاصري الأستاذ محمود من طلائع المتعلمين عندما كتبوا مذكراتهم، في تجاهل الأستاذ محمود وإغفال ذكره وحجب نضاله وتهميش دوره. وكان لهذا التجاهل أثر كبير على صعيد نشاط المؤرخين والأكاديميين وطلاب الجامعات والدراسات العليا، الأمر الذي انعكس سلباً على الفضاء المعرفي السوداني. فقد اعتمدت معظم الدراسات الأكاديمية على تلك المذكرات كمصادر تاريخية. ولما كان التجاهل والإغفال سمة تلك المذكرات فقد خلت معظم الأطروحات والرسائل الجامعية من ذكر للأستاذ محمود أو ذكر لدوره ونضاله ضد المستعمر كما خلت من الإشارة إلى الحزب الجمهوري. كذلك اعتمد المؤرخون وأساتذة العلوم السياسية على تلك المذكرات فخلت معظم كتبهم ودراسات طلابهم التي تناولت تطور الحركة الوطنية السودانية، الاستقلال، وكذلك المسار السياسي للسودان، من أي ذكر لجهود الأستاذ محمود أو إشارة لنضاله، كما خلت من أي حديث عن الحزب الجمهوري. سار معظم المؤرخين وأساتذة العلوم السياسية والكُتاب على نهج معاصري الأستاذ محمود من طلائع المتعلمين فأغفوا الحديث عن الأستاذ محمود وتجاهلوا  دوره في جلاء الاستعمار. ولم ينفرد من بين هؤلاء إلا عدد قليل، منهم الدكتور محمد سعيد القدَّال الذي تضمنت معظم كتبه الإشارة للأستاذ محمود وإلى نضاله والحديث عن حزبه. بل يرى القدّال أن الحزب الجمهوري: (...أخرج دعوة الاستقلال من محيط المناورات وطموح السيد عبد الرحمن، إلى نقاء العمل السياسي الحقيقي من أجل الاستقلال فألبسها دثاراً ناصعاً جعل منها دعوة يمكن أن تلهم جيلاً بأكمله. كما أخرج العمل السياسي من دائرة المناورات والتكتيك، إلى رحاب العمل الفكري القائم على البرنامج الملزم المحدد الجنبات والآفاق). (محمد سعيد القدَّال، تاريخ السودان الحديث 1820م-1955م، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، ط2، 2002م، ص 494، 495). ومنهم كذلك الدكتور منصور خالد الذي أهدى معظم كتبه إلى الأستاذ محمود، والبروفسير فرانسيس دينق، والدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه، وآخرون غيرهم سأتحدث عنهم بشيء من التفصيل حينما أعد هذه الحلقات في كتاب وقد شرعت في ذلك.

الشاهد أن الأجيال الجديدة ستجد جهوداً كبيرة قد تمت من أجل تغييب الأستاذ محمود عن الذاكرة الجمعية، ومساعي عظيمة قد بذلت من أجل التضليل في سيرته وحياته وقصة نضاله من أجل السودان والبشرية جمعاء. ولكن العزاء أن الأجيال الجديدة ستكون قادرة على التنقيب والفحص والتمحيص ومقارنة القرائن، أكثر من أي وقت مضى، وذلك بما فطرت عليه من تحرر في العقول والقلوب، وبما تملكه من مقدرات، وبما لديها من إمكانيات وأدوات. ستعيد الأجيال الجديدة كتابة تاريخ السودان بوعي أكبر وبمناهج علمية أكثر صرامة. ولسوف يتكشَّف حينها أن ذلك التاريخ لم يكتب بالحياد الكافي، إن لم نقل بالأمانة الكافية.

نلتقي يوم الخميس القادم حول محور جديد وهو: "الأستاذ محمود في الموسوعات وكتب التراجم السودانية".
    
(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الجمعة 24 ديسمبر 2010م)


(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)