الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه (د)

في عام 1968م أهدى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) كتابه: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام، إلى الشعب السوداني، قائلاً: (إلى الشعب السوداني: الذي لا تنقصه الأصالة، وإنما تنقصه المعلومات الوافية.. وقد تضافرت شتى العوامل لتحجبه عنها).

مذكرات السيد أمين التوم

تعريف بالسيد أمين

وُلد السيد أمين في مدينة أم درمان عام 1914م. تخرج في قسم المحاسبة بكلية غردون عام 1934م. وعمل موظفاً حكومياً في مصلحة الجمارك حتى عام 1946م. استقال من عمله، لينخرط في صفوف شباب حزب الأمة. يُعد السيد أمين من ألمع شخصيات الرعيل الأول في حزب الأمة. فقد انخرط في العمل السياسي منذ مؤتمر الخريجين. كان عضواً برلمانياً وتقلد الوزارة، أربع مرات، وعمل مراقباً عاماً للجمعية التأسيسية عام 1966م. تم منحه الرئاسة الفخرية لحزب الأمة في العام 2001م.

مذكرات السيد أمين ومعاييرها

    صدرت مذكرات السيد أمين بعنوان: ذكريات ومواقف في طريق الحركة الوطنية السودانية 1914م-1969م، عن دار جامعة الخرطوم للنشر في طبعتها الأولى، وعن الدار السودانية للكتب بالخرطوم في الطبعة الثانية عام 2004م. تقع المذكرات في طبعتها الثانية، وهي الطبعة التي اعتمدت عليها، في مائتين وست وتسعين صفحة من القطع المتوسط. بدأت بالإهداء والشكر، ثم تقديم، كتبه الدكتور محمد سعيد القدال (1935م-2008م). تلى التقديم، مقدمة للسيد أمين، ثم عرضاً للحقائق والأحداث من خلال واحد وثلاثين عنواناً. وختم السيد أمين مذكراته بكلمة وسمها بـ "وفاء وثناء". كانت وفاءً للذين ضحوا من أجل الاستقلال.

ذكر السيد أمين أن الذي دفعه لتسجيل مذكراته هو خشيته من ضياع الحقيقة. إلى جانب إلحاح أبنائه وبعض أصدقائه الذين خشوا أيضاً، من ضياع الحقيقة. قال في المقدمة: (وكنت في كل تحركي ذاك مدفوعاً بإلحاح متصل من أبنائي ونفر من الأصدقاء الذين خشوا –كما خشيت- أن تضيع الحقيقة بين ما يصدر بعض الكتاب من كتب، وما ينشره الإعلام السوداني بمناسبة وغير مناسبة عن الحركة الوطنية في السودان قبل الاستقلال وبعده مجافين الصدق ومبتعدين عن الحقيقة عن عمد أو جهل...). لذلك رأي السيد أمين تسجيل مذكراته أو ذكرياته قائلاً: (وقد جعلت الصدق شعاراً لي ولم أجد أمامي ما يبرر لي أو يدعوني إلى غير ذلك.. هدفي عرض الحقائق كما سايرتها وتأثرت بها وأثرت فيها...). ثم بيَّن أنه اعتمد في تسجيل مذكراته وكتابتها على (الذاكرة أولاً ثم على أوراق وسجلات وتقارير مبعثرة في مكتبتي هنا وهناك استغرق مني جمعها وتصنيفها حيناً من الزمن).

الأستاذ محمود في مذكرات السيد أمين

    خلت مذكرات السيد أمين عن أي إشارة للأستاذ محمود ونضاله أو للحزب الجمهوري، وهو أحد الأحزاب الاستقلالية التي نشأت باكراً، وترأسه الأستاذ محمود منذ إعلان قيامه عام 1945م. وعلى الرغم من أن الأستاذ محمود قد تقاطع مع أحداث كثيرة وقف عندها السيد أمين في مذكراته، إلا أنه لم ترد أي إشارة إليه أو إلى حزبه. فقد تحدث السيد أمين تحت عنوان "القافلة تسير 1940م- 1948م"، عن نشأة الأحزاب السياسية. وتناول تحت عنوان: "مواقف سياسية" بروتوكول صدقي باشا مع مستر بيفن في عام 1946م، الذي قامت على إثره الجبهة الاستقلالية. وتحدث عن تأسيس الجبهة الاستقلالية ودورها. ثم كتب كلمة "وفاء وثناء" في ختام مذكراته، وفاءً للذين بذلوا الجهد وقدموا التضحيات في سبيل استقلال السودان وحرية شعبه. وعدَّد أكثر من مائة وخمسين شخصاً، لم يكن من بينهم اسم الأستاذ محمود.

نشأة الأحزاب وإغفال الحزب الجمهوري

تحدث السيد أمين عن نشأة الأحزاب السياسية، الاستقلالية منها والاتحادية. وذكر "الأشقاء" و"الاتحاديون" و"الأحرار" و"القوميون"، وحزب الأمة. وأشار في مواقع متفرقة من مذكراته إلى حزب وحدة وادي النيل والحزب الوطني الاتحادي، والجبهة المعادية للاستعمار، وحزب الوطن، والحزب الجمهوري الاشتراكي، وحزب الاستقلال الجمهوري، وحزب الشعب الديمقراطي و"الأخوان المسلمون". ولم ترد حتى مجرد إشارة للحزب الجمهوري، أو إلى رئيسه الأستاذ محمود. إن عدم ذكر السيد أمين للحزب الجمهوري ولرئيسه الأستاذ محمود، وهو يتحدث عن نشأة الأحزاب السودانية، أمر يناقض ما ذهب إليه في مقدمته، من خشيته على ضياع الحقيقة، والابتعاد عنها بشأن الحركة الوطنية في السودان قبل الاستقلال وبعده عن عمد أو جهل كما ذكر. فالحزب الجمهوري كان من أوائل الأحزاب الاستقلالية في السودان. وقاد أعضاؤه نضالاً عظيماً ضد الاستعمار. سجن بعضهم بسبب النضال ضد المستعمر. وسجن رئيس الحزب الأستاذ محمود مرتين، الأولى في يونيو عام 1946م، والمرة الثانية حينما قاد ثورة رفاعة عام 1946م، ودخل على إثرها السجن لمدة عامين. كتب الأستاذ يحي محمد عبدالقادر(1914م-؟؟؟)، الذي كان عضواً في الحزب الجمهوري، وتركه فيما بعد، كتب وهو يتحدث عن الأطوار التي مر بها الحزب الجمهوري، قائلاً: (والطوّر الثاني كان طوّر العنف والشدّة والاضطراب. فقد خرج أفراد الحزب إلى المجتمعات والجوامع والمقاهي يخطبون ضد الاستعمار والحكم الثنائي... ويوزعون المنشورات السرية المتضمنّة هذه المعاني.. وأسفر هذا الطوّر عن سجن رئيس الحزب وبعض أعضائه مدداً مختلفة في كوبر). (يحيي محمد عبدالقادر، شخصيات من السودان: أسرار وراء الرجال، ج3، الخرطوم، المطبوعات العربية للتأليف والترجمة، ط2، 1987م، ص 144-146). كما كتب الأستاذ التجاني عامر (1908م-1987م)، في صحيفة الصحافة يوم 16/4/1975م وهو يتحدث عن الحزب الجمهوري قائلاً: (قد يكون هذا الحزب من أقدم الأحزاب السودانية بحساب الزمن... مؤسس الحزب هو الأستاذ محمود محمد طه، الذي كان من أبرز الوجوه الوطنية، في مستهل حركة النضال... وقد تعرض محمود للسجن الطويل، في خصومات ايجابية مع الانجليز، منها حادث " الطهارة الفرعونية" في رفاعة، وهو حدث اجتماعي، رفعه محمود إلى مستوى المساس بالدين والوطن). الشاهد، أنه لم يرد ذكر في مذكرات السيد أمين للحزب الجمهوري أو لرئيسه الأستاذ محمود، الذي كان عضواً مؤسساً في الجبهة الاستقلالية التي نشأة عام 1946م.  

الجبهة الاستقلالية

    تحدث السيد أمين عن الجبهة الاستقلالية، التي نشأت فور الإعلان عن بروتوكول صدقي/ بيفن عام 1946م. وقال في صفحة (66): (وما كاد نص هذا الاتفاق (بروتوكول صدقي/ بيفن) يُنشر حتى اتسع الاحتجاج عليه فنشأت الجبهة الاستقلالية، ودخلها نفر كريم من المواطنين) ثم ذكر بعض الشخصيات التي دخلت الجبهة، ولم يكن من بينها اسم الأستاذ محمود. وأضاف قائلاً: (ثم انضمت إلى الجبهة فيما بعد أحزاب وهيئات أخرى). الشاهد أن الأستاذ محمود رئيس الحزب الجمهوري كان من مؤسسي الجبهة الاستقلالية. أفرد الدكتور فيصل عبدالرحمن على طه في كتابه: الحركة السياسية السودانية والصراع المصري السوداني بشأن السودان (1936م-1953م)، حيزاً كبيراً للحديث عن الحزب الجمهوري. تناول بيانه التأسيسي، ودَرَس علاقة الحزب بمؤتمر الخريجين، وموقفه من مصر والأحزاب الاتحادية، وتعاونه مع حزب الأمة والأحزاب الاستقلالية الأخرى، واشتراكه في الجبهة الاستقلالية. كتب الدكتور فيصل قائلاً: (لقد تعاون الحزب الجمهوري مع حزب الأمة وأحزاب استقلالية أخرى في إطار الجبهة الاستقلالية عندما أوقف حزب الأمة التعاون مع حكومة السودان وأعلن الجهاد. وقد عبَّر الحزب الجمهوري عن ذلك بقوله: "كانت هناك حواجز بيننا وبين حزب الأمة، ولكن عندما أعلن الجهاد ورفض التعاون مع الإنجليز سقطت تلك الحواجز، واشتركنا في الجبهة الاستقلالية"). (فيصل عبدالرحمن على طه، الحركة السياسية السودانية والصراع المصري السوداني بشأن السودان (1936م-1953م)، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، ط2، 2004م، ص 231). أيضاً، جاء في موقع حزب الأمة القومي-كما أشرت في حلقة سابقة- على شبكة الإنترنت: (بادر حزب الأمة بتكوين الجبهة الاستقلالية للعمل على انهاء الحكم الثنائي والتي تشكلت في 28 أكتوبر 1946م في دار حزب الأمة من: حزب الأمة، حزب القوميين الأحرار، حزب الأحرار، الحزب الجمهوري، ونفر من المستقلين). (عن حزب الأمة، التاريخ: المراحل السبعة، "المرحلة الأولى: تكوين الحزب 1945م وحتى انقلاب 1958م"، حزب الأمة القومي، استرجاع (Retrieved) بتاريخ 23/8/2010م، الموقع على الإنترنت: http://www.umma.org). وكتب الأستاذ يحي محمد عبدالقادر، في كتابه آنف الذكر، وهو يتحدث عن أبرز أعمال الحزب الجمهوري في الطور الثاني، قائلاً: (وكان من أبرز أعمال الحزب خلال هذه الفترة تعاونه مع الجهة الاستقلالية لمحاربة مشروع إتفاقية صدقي – بيفن التي أقرّت وضع السودان في محيط وحدة وادي النيل.. ثم إنسحابه من الجبهة بعد إنقشاع هذه المخاوف). الشاهد، أن الأستاذ محمود رئيس الحزب الجمهوري كان جزءاً من الجبهة الاستقلالية، ومشاركاً في نشاطاتها، وداعماً لمواقفها. كتب الدكتور فيصل في كتابه آنف الذكر وهو يتحدث عن مفاوضات الوفد الاستقلالي مع الحكومة المصرية التي مثلها أحمد نجيب الهلالي رئيس الوزراء، وعبدالخالق حسونة وزير الخارجية، وجرت في نهاية مايو ويونيو 1952م، قائلاً: (وحرى بالذكر أنه بالرغم من أن الحزب الجمهوري الذي كان يدعو أيضاً لاستقلال السودان التام لم يكن ممثلاً في الوفد الاستقلالي، إلا أن رئيس الحزب محمود محمد طه قال إن الوفد "أبرز شخصية السودان في الدوائر المصرية الرسمية والشعبية. ونال إعجاباً أقوى مما ظفرت به حتى الآن أي هيئة، وأنه لفت نظر المصريين إلى ما لم يشاءوا أن يلتفتوا إليه من قبل وهو أن للسودان شخصية يجب أن تحترم"). (فيصل عبدالرحمن على طه، ص 543).

الوفاء والثناء

ختم السيد أمين مذكراته بكلمة وسمها بـ "وفاء وثناء". وقال في صدر الكلمة صفحة (286): (وفاءً لرجال بذلوا الجهد كله وقدموا كل ما كان في طاقتهم وما فوق طاقتهم من تضحيات في سبيل استقلال السودان وحرية شعبه)، ثم عدَّد أكثر من مائة وخمسين شخصاً، بدءاً –كما أشار- برجالات حزب الأمة، وبعض مِن مَن وقف بجانب راعي الحركة الاستقلالية الإمام عبدالرحمن المهدي، وذكر بعض الزعماء من جنوب السودان، وبعض الكتاب والصحفيين، وبعض رؤساء الأحزاب السياسية. ولم يكن من بين هؤلاء الأستاذ محمود. من الحقائق التاريخية والثابت حقاً، في المصادر والوثائق والدوريات، برغم تهميش طلائع المتعلمين وإغفالهم لذكره في مذكراتهم، وتسرُب ذلك إلى صحائف المؤرخين وكتبهم،  أن الأستاذ محمود قد ضحى تضحية كبيرة في سبيل استقلال السودان، وربما فاقت تضحيته، تضحية الكثير من طلائع المتعلمين، إن لم يكن أكثرهم تضحية. أما عن دور الأستاذ محمود في النضال ضد المستعمر من خلال الكتابة، ربما فاق دور الكثير من الكُتاب الذين عدَّدهم السيد أمين في كلمته "وفاء وثناء"، بل ربما فاق أيضاً، دور الكثير من طلائع المتعلمين. فقد كتب الأستاذ محمود أثناء رحلة نضاله ضد المستعمر، الكثير من المقالات، ونشر ووزَّع العديد من البيانات والمناشير. ونشر جُلها في صحف مختلفة منها: صحيفة النيل، والرأي العام، والسودان الجديد، والشعب، والأهرام. إلى جانب ذلك، فإن الأستاذ محمود كَتب عدداً من الكُتب. ففي عام 1945م كتب كتاب: (السفر الأول)، وناقش فيه موضوع الأحزاب الطائفية، ومسألة الجنوب، وقضية المرأة والتعليم والاقتصاد. وتناول فيه مؤتمر الخريجين، وآراء الحزب الجمهوري ومواقفه. قال في السفر الأول: (ويؤمن الحزب الجمهوري إيماناً لا حد له بالسودان ويعتقد أنه سيصبح من الروافد التي تضيف إلى ذخر الإنسانية ألواناً شهية من غذاء الروح، وغذاء الفكر، إذا آمن به أبناؤه فلم يضيعوا خصائصه الأصيلة، ومقوماته بالإهطاع نحو الغرب، ونحو المدنية الغربية، في غير روية ولا تفكير). وفي عام 1952م كتب كتاب: (قل هذا سبيلي: الاقتصاد، الاجتماع، التعليم، المرأة). كما أصدر صحيفة "الجمهورية" في يناير 1954م، واستمرت في الصدور لمدة ستة أشهر. وفي عام 1955م كتب الأستاذ محمود كتاباً لا يزال يكتسب أهميته ويضج بحيوية طرحه، وهو كتاب: (أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية). لقد سبق وأن أشرت إلى أن الدكتور منصور خالد اشاد بالرؤية الثاقبة التي تضمنها هذا الكتاب، وذكَّر الناس برأي الأستاذ محمود الذي أتضح صوابه بعد نصف قرن من الزمان. (منصور خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي، دار تراث للنشر، لندن، 2000م، ص 330).

    الشاهد أنه على الرغم من النضال الوطني للأستاذ محمود الواضح الساطع، والموثق شعراً وفي الدوريات والوثائق، تجاهله معظم معاصريه من طلائع المتعلمين عندما كتبوا مذكراتهم، وأغفلوا ذكره، وحجبوا نضاله، وهمشوا دوره وجهاده ضد المستعمر. لقد تجلى ذلك الإغفال المتعمد والتجاهل والتهميش لدور الأستاذ محمود وحزبه بوضوح في نماذج المذكرات التي درستها في الحلقات السابقة، وكذلك في مذكرات السيد أمين التوم. وهذا يدعم ما ذهب إليه الدكتور محمد سعيد القدَّال في دراسته: "ملاحظات حول بعض كتب السِّيرة الذاتية السودانية وقيمتها كمصدر لدراسة التاريخ"، والتي خلص فيها -كما وردت الإشارة في الحلقات السابقة- قائلاً: (إن قيمة غالبية هذه الكتب كمصدر للتاريخ ضعيف، وبعضها لا قيمة له). وقد كانت مذكرات السيد أمين التوم من ضمن نماذج دراسة القدَّال. (محمد سعيد القدَّال، الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص 133-152). 

    نلتقي يوم الخميس القادم، لنقف على النموذج الرابع من نماذج محورنا: "الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه".    

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 25 نوفمبر 2010م)
 

(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)