الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه(ج)

في عام 1968م أهدى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) كتابه: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام، إلى الشعب السوداني، قائلاً: (إلى الشعب السوداني: الذي لا تنقصه الأصالة، وإنما تنقصه المعلومات الوافية.. وقد تضافرت شتى العوامل لتحجبه عنها).

مذكرات الشيخ علي عبدالرحمن الأمين

تعريف بالشيخ علي

    وُلد الشيخ علي (1906م-1983م) بالخرطوم. تخرج في قسم القضاء بكلية غردون. وعمل بالقضاء الشرعي حتى عام 1952م. ثم استقال من عمله، ورشح نفسه للإنتخابات الأولى عام 1954م، وعُين وزيراً للعدل في أول حكومة سودانية حققت الاستقلال. ظل وزيراً في كل الحكومات الوطنية التي تعاقبت حتى قيام الحكم العسكري عام 1958م. وعاد للوزارة بعد ثورة أكتوبر عام 1964م. كان وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء عند قيام ثورة مايو عام 1969م. يُعد الشيخ علي من الأعضاء البارزين في مؤتمر الخريجين، ومن مؤسسي حزب الأشقاء، ومن دعائم الحزب الوطني الإتحادي. كان رئيساً لحزب الشعب الديمقراطي، الذي نشأ في يونيو عام 1956م، وظل رئيساً له حتى اندماجه مع الحزب الوطني الإتحادي عام 1967م، لتكوين الحزب الإتحادي الديمقراطي، برئاسة إسماعيل الأزهري (1900م-1969م). وأصبح الشيخ علي نائباً للرئيس. كان الشيخ علي عروبياً واشتراكياً، قال في مدخل كتابه: (أنا رجل عربي الاتجاه وقد سيطر هذا الاتجاه العربي المتحرر على كل تصرفاتي في المجال السياسي منذ بزوغ شمس الحركة الوطنية في نطاق مؤتمر الخريجين)... (آمنت بالقومية العربية منذ أن بدأت الثورة العربية في مصر بقيادة الزعيم العظيم جمال عبدالناصر)... (كما أنني رجل اشتراكي مؤمن بهذا السلوك الاشتراكي منذ سني الدراسة. فقد اقتنعت منذ دراساتي الإسلامية وتفهمي لروح الإسلام وفلسفته أن الإشتراكية هي الحياة التي يدعو لها الإسلام ويطالب البشر بسلوكها). من الطرائف السياسية التي يمكن أن تُذكر، أن الأستاذ مبارك زروق (1914م-1965م)، وهو من قادة الحزب الوطني الإتحادي، أطلق على الشيخ علي عبدالرحمن اسم "الشيخ الأحمر" في ندوة بجامعة الخرطوم. اتخذ الأستاذ محمد أبوالقاسم حاج حمد (1942م- 2004م)، من اسم "الشيخ الأحمر علي عبدالرحمن"، عنواناً للحديث عن الشيخ علي، وأفرد له حيزاً (الصفحات 326-344) في كتابه: السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل 1956م-1996م، المجلد الثاني، دار بن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1996م.

مذكرات الشيخ علي

    صدرت مذكرات الشيخ علي في طبعتها الأولى عام 1970م، بعنوان: الديمقراطية والاشتراكية في السودان، عن المكتبة العصرية، بيروت، لبنان. بلغ عدد صفحاتها مائة وسبع وسبعون صفحة من القطع المتوسط. كانت مذكرات الشيخ علي من ضمن النماذج التي درسها الدكتور محمد سعيد القدال (1935م-2008م)، في بحثه: "ملاحظات حول بعض كتب السِّيرة الذاتية السودانية وقيمتها كمصدر لدراسة التاريخ"، والتي خلص فيها -كما وردت الإشارة في الحلقات السابقة- إلى: (إن قيمة غالبية هذه الكتب كمصدر للتاريخ ضعيف، وبعضها لا قيمة له). (محمد سعيد القدَّال، الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص 133-152). تهيكلت مذكرات الشيخ علي بعد الإهداء والمدخل في قسمين: القسم الأول: تناول فيه الحركة الوطنية عبر التاريخ: قدم لمحة تاريخية عن السودان وتركيبته، وجذور القومية العربية، والثورة المهدية، والحكم الثنائي، ومسألة الجنوب، ومسألة اتفاق الأحزاب الشمالية لحل قضية الجنوب، والحكم الإقليمي، وجمعية اللواء الأبيض، ومشروع الجزيرة، والإدارة الأهلية، والمجلس الإستشاري. ثم تحدث عن تأسيس مؤتمر الخريجين، ونشأة الأحزاب السياسية. أما القسم الثاني: فتناول فيه عهد الاستقلال قبل ثورة أكتوبر، والدكتاتورية العسكرية، وتناول تركيبة الشعب السوداني وأوضاعه، والصلة بين الديمقراطية والاشتراكية، والديمقراطية الشعبية ونظام الحزب الواحد. ثم قدم ملاحظات حول ثورة مايو وتقييم لها كثورة اشتراكية. وختم حديثه متناولاً الموقف من الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية. بعد أن فرغ من مسودة كتابه وقبل تقديمه للمطبعة، كما ذكر، أعلن الراديو وفاة الرئيس جمال عبدالناصر(1918م-1970م)، فألحق بمسودة كتابه كلمة كتبها عن جمال عبدالناصر تحت عنوان: "بطل الاشتراكية وباعث القومية العربية جمال عبدالناصر". وتجد هذا العنوان في قائمة المحتويات ولا تجده في صدر نص الكلمة عن جمال عبدالناصر.

الأستاذ محمود في مذكرات الشيخ علي

    قال الشيخ علي في بداية القسم الأول: الحركة الوطنية عبر التاريخ، "صفحة 19" (لا حظت أن الفترة التي بدأت سنة 1938م بقيام مؤتمر الخريجين إلى يومنا هذا (يوم فراغه من الكتابة في عام 1970م)، لم تحظ بشئ من الشرح والتوضيح وأهملها المؤخون والمثقفون مع أن الكثيرون منهم عاشوا في أحداثها وكانوا عنصراً هاماً في تكوين تلك الأحداث. حتى وصل الأمر إلى أنك تناقش الكثيرين من المثقفين فتشعر أنهم يجهلون الكثير مما جرى أثناء هذه الفترة وحتى الذين مكنتهم ظروفهم بمتابعته أو سمعوا عنه بعض التفاصيل لا يدركون ما يشوبه من اختلاف وتحريف وتضليل). من الواضح أن الشيخ علي كان حريصاً أن لا يشوب تلك الفترة التحريف أو التضليل. وأراد أن يُملك الأجيال حقائق الأحداث. على الرغم من هذا الحرص، وهو حرص محمود ومطلوب عند تسجيل الأحداث، وتدوين معالم التاريخ، إلا الشيخ علي وقع في ما حذر منه.

نشأة الأحزاب وإغفال الحزب الجمهوري

تحدث الشيخ علي عن نشأة الأحزاب السياسية، وذكر الأشقاء والإتحاديين، وحزب الأمة. وتحدث عن اندماج الأحزاب الاتحادية في الحزب الوطني الإتحادي. وأشار إلى جبهة الجنوب، وحزب سانو، وحزب الأحرار، والحزب الشيوعي، والحزب الجمهوري الإشتراكي، وجماعة الأخوان المسلمين، وجبهة الميثاق فيما بعد، وبالطبع حزب الشعب الديمقراطي الذي كان رئيسه. ولم ترد حتى مجرد إشارة للحزب الجمهوري، أو إلى رئيسه الأستاذ محمود. الإشارة الوحيدة التي وردت عن الحزب الجمهوري كانت بالخطأ. فقد قال في صحفتي (84، 85): (وقد تنبه البريطانيون بعد فوات الأوان للخطأ الذي ارتكبوه في انشاء حزب الأمة في أحضان عائلة المهدي وعلى أكتاف أنصار المهدية كما أنهم بلا شك كانوا أيضاً على وجل أن يتجه السيد عبدالرحمن المهدي في أية لحظة نحو الطريق الوطني الصحيح بدافع من وطنيته وطموحه فلا يجدون سنداً يتكئون عليه فأنشأوا الحزب الجمهوري وأخطأوا مرة أخرى فأقاموا ذلك الحزب على أكتاف زعماء العشائر ورؤساء القبائل فمات ذلك الحزب وهو لا يزال يحبو ولما يقف على رجليه). من الواضح أن الشيخ علي كان يقصد الحزب الجمهوري الإشتراكي وليس الحزب الجمهوري الذي ترأسه الأستاذ محمود منذ إنشائه في يوم الجمعة 26 أكتوبر 1945م. تحدث الشيخ علي عن الذين سجنوا في نضالهم ضد الاستعمار، وأشار إلى عدد منهم. ولم يرد ذكر للأستاذ محمود أو ذكر لسجنة في المرتين، اللتين سجن فيهما الأستاذ محمود خلال الفترة من عام 1946م حتى عام 1948م.

محاولة التحالف مع الحزب الجمهوري

الشاهد، أن الأستاذ محمود بالإضافة للأحداث الكبيرة التي صنعها، فقد شارك في أحداث كثيرة باسم الحزب الجمهوري تقاطع فيها مع الشيخ علي. وعلى الرغم من ذلك لم ترد عند الشيخ علي مجرد إشارة للحزب الجمهوري، وهو يتحدث عن نشأة الأحزاب. فقد كتب الأستاذ يحي محمد عبدالقادر (1914م-؟؟؟)، الذي كان عضواً في الحزب الجمهوري، وتركه فيما بعد قائلاً: (وقد حاول الحزب الإشتراكي وحزب الشعب (الكتلة) وكلاهما جمهوري أن يتعاونا معه بحجة وحدة الأهداف الرئيسية بين ثلاثتهما ولكن الحزب الجمهوري (فقط) رفض هذا التعاون لإتهامه كلا من الحزبين بممالأة المستعمر). (يحيي محمد عبدالقادر، شخصيات من السودان: أسرار وراء الرجال، ج3، الخرطوم، المطبوعات العربية للتأليف والترجمة، ط2، 1987م، ص 144-146). الحزبان المقصودان في نص الأستاذ يحي في الغالب هما: الحزب الجمهوري الإشتراكي، وحزب الشعب الديمقراطي. لقد بدأ حزب الشعب الديمقراطي بسند الختمية، متحالفاً مع حزب الأمة ثم فض تحالفه معه، وأصبح فيما بعد أكثر ارتباطاً بسياسة القاهرة. الشاهد، لا يمكن أن ينسى الحزب الجمهوري كلياً من سبق له أن طلب التعاون معه. فالشيخ علي رئيس حزب الشعب الديمقراطي، اختار من بين كل الأحزاب السياسية الحزب الجمهوري الذي يرأسه الأستاذ محمود، وطرح رؤية للتعاون بينهما بحجة وحدة الأهداف الأساسية. هذا أمر يصعب نسيانه، أو إغفاله. وفي تقديري أن الإغفال كان إغفالاً متعمداً.

مؤتمر الدفاع عن الديمقراطية

أيضاً، من الأحداث التي تقاطع فيها الأستاذ محمود مع الشيخ علي، تأسيس "المؤتمر الوطني للدفاع عن الديمقراطية"، الذي جاء إثر النداء الذي وجهه إتحاد طلاب جامعة الخرطوم لعقد لقاء للمنظمات الديمقراطية، فور إذاعة قرار الجمعية التأسيسية (البرلمان) بحل الحزب الشيوعي السوداني. كتب الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، وهو من قادة حزب الشعب الديمقراطي في سني شبابه الباكر، وكان في شبابه ملازماً للشيخ علي، وقد أشار لذلك في كتاباته. ولمحمد أبو القاسم موقف سلبي من الأستاذ محمود ربما تبلور في تلك المرحلة الباكرة من حياته، وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً ضمن محور: الأستاذ محمود والمفكرون الإسلاميون: محمد أبو القاسم حاج حمد (نموذجاً). كتب محمد أبو القاسم في كتابه آنف الذكر (ص 318-320) قائلاً: (لم يكن الحزب الشيوعي وحدة في المعركة ضد حكومة "محمد أحمد المحجوب" القائمة على تحالف حزبي "الأمة" و "الوطني الاتحادي" والمدعومة بالأخوان المسلمين... كما لم يكن عبدالخالق محجوب وحده بقوة الحزب الشيوعي... استجاب حزب الشعب الديمقراطي على نحو فوري للنداء الذي وجهه إتحاد طلاب جامعة الخرطوم من أجل عقد مؤتمر بدار الإتحاد العام لطلاب جامعة الخرطوم لكافة المنظمات الديمقراطية ينعقد تحت شعار "الدفاع عن الديمقراطية". وهكذا وُلد في شهر نوفمبر 1965م "المؤتمر الوطني للدفاع عن الديمقراطية" والذي ضم (32) تنظيماً من بينهم حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي السوداني ومنظمات الاشتراكيين العرب والحزب الجمهوري الذي يقوده محمود محمد طه...).

    كان الحزب الجمهوري برئاسة الأستاذ محمود حاضراً في ذلك التجمع، مع حزب الشعب الديمقراطي برئاسة الشيخ علي، والتنظيمات الأخرى. إن عدم ذكر الشيخ علي للحزب الجمهوري ولرئيسه الأستاذ محمود، وهو يتحدث عن نشأة الأحزاب السودانية، أمر يناقض ما ذهب إليه في مقدمته، من حرص على عدم التحريف والتضليل. إذ كتب كما أشرت آنفاً وهو يتحدث عن ما شاب الكثير مما جرى في تاريخ الحركة الوطنية منذ قيام مؤتمر الخريجين سنة 1938م، من تضليل وتحريف قائلاً: (وحتى الذين مكنتهم ظروفهم بمتابعته أو سمعوا عنه بعض التفاصيل لا يدركون ما يشوبه من اختلاف وتحريف وتضليل). هذا بشأن الذين تابعوا التفاصيل أو سمعوها، فما بالك بالأجيال التي أتت بعد عشرات السنين، والتي ستأتي بعدها. إنها ستجد جهود كبيرة قد تمت في تغييب الأستاذ محمود عن الذاكرة الجمعية، ومساعي كثيرة قد بذلت من أجل التضليل في سيرته وحياته وقصة نضاله من أجل السودان والبشرية جمعاء. ولكن العزاء أن الأجيال الجديدة ستكون قادرة على التنقيب والفحص والتمحيص ومقارنة القرائن، أكثر من أي وقت مضى، وذلك بما فطرت عليه من تحرر في العقول والقلوب، وبما تملكه من مقدرات، وبما لديها من إمكانيات وأدوات. ستعيد الأجيال الجديدة كتابة تاريخ السودان بوعي أكبر وبمناهج علمية أكثر صرامة. ولسوف يتكشَّف حينها أن ذلك التاريخ لم يكتب بالحياد الكافي، إن لم نقل بالأمانة الكافية.

    نلتقي يوم الخميس القادم، لنقف على النموذج الثالث من نماذج محورنا: "الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه".    
Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]