في عام 1968م أهدى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) كتابه: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام، إلى الشعب السوداني، قائلاً: (إلى الشعب السوداني: الذي لا تنقصه الأصالة، وإنما تنقصه المعلومات الوافية.. وقد تضافرت شتى العوامل لتحجبه عنها).

مُفكر وشعراء:

فور إنشاء الحزب الجمهوري في أكتوبر 1945م، برز رئيسه الأستاذ محمود في الساحة الوطنية، مقارنة بأقرانه من طلائع المتعلمين، قائداً سياسياً متفرداً في رؤيته وفي صلابة مواقفه. انطلق في رؤيته السياسية من متطلبات المرحلة التي أطلق عليها مرحلة ملء فراغ الحماس، وتبنى خط المواجهة والصدام مع المستعمر، فسجن مرتين قبل نهاية الأربعينات. ومنذ 30 اكتوبر 1951م، والعقود التالية، سطع اسم الأستاذ محمود في سماء الخرطوم كمفكر كبير، صحاب مشروع جديد، بعد أن انتقل بالحزب الجمهوري من مرحلة ملء فراغ الحماس إلى مرحلة ما اسماه ملء فراغ الفكر. طرح الأستاذ محمود مبادرة خلاقة، تمثلت في مشروع فكري إسلامي جديد. ومنذ أن بدأ في طرح الخطوط العريضة لمشروعه، تجلت فيه طاقة فكرية هائلة، وقدرة عالية على الإنتاج المعرفي والإهتمام بالتوثيق. وتُعد حركة التأليف والنشر المستمرين، التي قادها الأستاذ محمود، ثقافة جديدة في الفضاء المعرفي السوداني منذ ظهور طلائع المتعلمين مع بواكير القرن العشرين.

قدم الأستاذ محمود نموذجاً جديداً للقائد السياسي صاحب الرؤية، والمفكر الكبير صاحب العقل العبقري والإنتاج المعرفي الوفير. وهذا في حد ذاته أمر جديد وغير مألوف بين طلائع المتعلمين. ففي تلك الفترة كان معظم طلائع المتعلمين قد دخلوا إلى ساحة العمل العام عبر الشعر العربي والأدب، ولم يكن من بينهم مفكرٌ واحدٌ، وحتى الذين كتبوا عن الفكر السوداني، وألَّفوا في تطور الحركة الفكرية في السودان، لم يكن من بينهم مفكر. قال لورد كارادون، في المقدمة التي كتبها لكتاب محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م)، (الديمقراطية في الميزان، تأملات في السياسات العربية والأفريقية، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، ط 3، 1989م، ص 6)  واصفاً المحجوب بأنه: (ليس مفكراً بناء مثل نايريري في تنزانيا، ولم يستطع أن يحقق التسوية الوطنية في السودان كما حققها غوان في نيجيريا... ولكن فترة الانتقال الصعبة التي ابقاها حيَّة وروح الخدمة العامة المخلصة، يكونان مثلاً شخصياً رائعاً).
كان البون شاسعاً بين الأستاذ محمود وأنداده من طلائع المتعلمين، حينما دلفوا إلى ساحة العمل العام. كان هو قائداً سياسياً حراً، ومفكراً كبيراً، بينما كان معظم طلائع المتعلمين يدورون في نشاطهم السياسي حول حركتى الاستقلالية والوحدوية، كما أن كثيرين منهم دخل إلى ساحة العمل العام عبر بوابة الشعر العربي. قال الدكتور محمد سعيد القدال (1935م-2008م) في كتابه: تاريخ السودان الحديث 1820م-1955م، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، ط2، 2002م، ص495: (إن الأستاذ محمود يمتلك قدرات فكرية إذا ما قيس بالسياسيين المعاصرين له). كان الأستاذ محمود مفكراً يمتلك عقلاً كبيراً ومذهلاً، في نشاطه وحيويته، وقد تجلى ذلك في إنتاجه المعرفي الهائل كماً وكيفاً. كتب معاوية نور (1909م-1941م) عام 1929م، وهو يستعرض كتاب "فن التفكير" الذي وضعه باللغة الإنجليزية الكاتب الفرنسي "أرنست دمنت"، عن ما هو المفكر؟ قائلاً: المفكر هو الذي (يرى حيثما لا يرى الآخرون، والذي لا تقع عينه على خلاف ما تقع عليه الأعين، غير أنه يرى فيها ما لا يراه بقية الناظرين) "معاوية محمد نور، الأعمال الأدبية لمعاوية محمد نور: دراسات في الأدب والنقد وقصص وخواطر، جمع وأعداد: رشيد عثمان خالد، دار الخرطوم للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم، 1994م، ص 289-300".
جبهات الصدام والمواجهة: الطائفية
قدم الأستاذ محمود نموذجاً جديداً وفريداً للقائد السياسي، في الرؤية، وفي التطبيق العملي لمتطلبات العمل الوطني للمثقفين، سواء في مصادمة المستعمر أو في مواجهة الطائفية. نادى الأستاذ محمود تحت مظلة الحزب الجمهوري باستقلال السودان من مصر وأنجلترا على السواء، وقيام جمهورية سودانية. كما اتسمت مواقفه بالصدق في العزيمة، والصلابة في الموقف ضد المستعمر والطائفية، وضد خيارات المثقفين، التي راهنت على التسوية مع الطائفية، ونهج المساومة والمهادنة والتحالف مع القوى الإستعمارية (مصر وإنجلترا). قال الأستاذ أحمد خير المحامي (1905/3م-1995م)، في كتابه: تاريخ حركة الخريجين وتطورها في السودان: كفاح جيل، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، 2002م، ص 95، 96 : (ولما وضحت معالم الخلاف واشتد وطيسه بين الاتحاديين والانفصاليين، نشأ الحزب الجمهوري، وهو حزب ينادي باستقلال السودان من مصر وانجلترا على السواء، وقيام جمهورية سودانية... لقد برهن رجال الحزب الجمهوري على صدق عزيمتهم وقوة إيمانهم لذلك يتمتعون باحترام الجميع، كما برهن رئيسهم "الأستاذ محمود" على إخلاص وصلابة وشدة مراس، ولعل هذه الأسباب نفسها مضافة إلى اختلاف أهدافهم هي التي جعلتهم يقفون في عزلة وانفراد، غير أن شدة العداء بين الجمهوريين وحزب الأمة، قدم دليلاً جديداً لعله أقطع الأدلة على انطواء الأخيرين على فكرة الملكية، فالحزبان استقلاليان، ولما لم يكن بين الجمهورية والملكية توسط كان من البديهي أن تقوم المكية في الجانب الثاني بعد أن قامت الجمهورية في الأول وإلا لما كان هناك مجال لعدم التعاون أو الاندماج).

كتب الأستاذ التجاني عامر (1908م-1987م)، وهو مؤرخ وشاعر وكاتب صحفي سوداني معروف، لديه أكثر من ستة مؤلفات منشورة، جُلها في مجال الدراسات التاريخية. كتب التجاني في صحيفة الصحافة 16/4/1975م، وهو يتحدث عن الاحزاب السودانية قائلاً عن الحزب الجمهوري: (قد يكون هذا الحزب من أقدم الأحزاب السودانية بحساب الزمن، وهو أول حزب صغير، يعمل خارج نطاق النفوذ الطائفي باصرار، بل بمناجزة وصدام، واسمه يدل على المنهج الذي انتهجه لمصير السودان ومؤسس الحزب هو الاستاذ محمود محمد طه، الذي كان من أبرز الوجوه الوطنية، في مستهل حركة النضال).

عاب الأستاذ محمود على المثقفين لهثهم وراء الطائفية، ووصف الطائفية بالبغيضة،  ودعى إلى عزل الطائفية من الحركة الوطنية. كما رأى أن هناك تراخي من الحركة الوطنية في مواجهة الإنجليز، وأن أسلوب المذكرات لا يخدم إشراك الشعب في النضال ضد المستعمر، وإن إشراك الشعب يجعل للإستقلال معناً، ويحقق فرص البناء الوطني الجماعي. ولاحظ الأستاذ محمود أيضاً، أن الحركة الوطنية تعيش في انعزال عن الشعب وقضاياه، وتتبادل المذكرات مع المستعمر بوصاية على الشعب وبدون تنوير له. كما عاب على كل قادة الحركة الوطنية بشقيها: الاستقلالي والوحدوي (جماعة الأشقاء وجماعة الأمة) صراعاتهم وانقساماتهم ونهجهم المساوم ومسلكهم الناعم في النضال من أجل الاستقلال. ونبه إلى خطورة آثار تلك الانقسامات، وإلى خطورة انعكاسات النهج المساوم والناعم في النضال. عبر عن كل ذلك في مناشير وبيانات كانت تُنشر في مناسبات مختلفة، ولعل من أكثرها قوة ووضوحاً البيان التالي:  

(هذا نذير من النذر الأولى
يا جماعة الأشقاء ويا جماعة الأمة –أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية –أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة– أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة، أيها المرددون النغمة المشئومة –نغمة الطائفية البغيضة– إنكم لتوقرون أمتكم وقراً يؤودها..

يا هؤلاء، وهؤلاء، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء إلى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام.. أنتم تريدون إبقاء المصريين، وأنتم تريدون إبقاء الانجليز، فإذا اجتمعت كلمتكم فإنما تجتمع على إبقاء المصريين والانجليز معا ..  

يا هؤلاء، وهؤلاء، أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لاتقوون على مواقف الرجال الأشداء، وأنتم تتمسحون بأعتاب الانجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صورا شوهاء.. أنتم تريدون السلامة، وأنتم تريدون الملك .. أنتم تضيعون البلاد لمّا تجبنون وأنتم تضيعون البلاد لمّا تطمعون.. أنتم تستغلون سيدا لا يعرف ما تريدون، وأنتم يستغلكم سيد يعرف ما يريد، والبلاد بينكم أنتم، وأنتم، على شفا مهواة ومهانة.. فليلطف الله ببلاد لا يخدم نهضتها إلا صغار الموظفين، أو كبار الموظفين، وليتدارك الله دينا باسمه يحيا أناس في برد العيش، وقرار النعمة، ورخاء الدعة، وباسمه هم لأبنائه يكيدون..

    يا هؤلاء، وهؤلاء :إن الله لواحد، وأن الدين لواحد، وأن الوطن لواحد، ففيم تنقسمون على هذا النحو المزري. يا هؤلاء، وهؤلاء: كونوا ليوثا غضابا، أو فكونوا قردة خاسئين، وارحموا شباب هذا الوادي المسكين، فقد أوسعتموه غثاثة وحقارة وهوانا..

    ياهؤلاء، وهؤلاء – لأنتم أشأم على هذه البلاد من كل شؤم وشؤم .. أيها السادرون من هؤلاء وهؤلاء، لاتحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة .. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع).

أصدر الحزب الجمهوري هذا المنشور، ونشره في يوم 18/2/1946م. حينها كانت الحركة الوطنية في أوج إنقساماتها، وهي تتمحور حول حركتي الاستقلال والإتحاد (الإتحاد  مع مصر). كما كانت هناك حالة استقطاب حادة للمثقفين من قبل الطائفية بشقيها الاستقلالي والشق الآخر الداعي للإتحاد مع مصر.
جبهات الصدام والمواجهة: الاستعمار
قدم الأستاذ محمود نموذج القائد السياسي الذي يتبع القول بالعمل، وسبق انداده من طلائع المتعلمين في الحنكة السياسية، والصلابة في مواجهة المستعمر. لقد وزع الحزب الجمهوري المناشير، وخطب رئيسه وقادته في الأماكن العامة والمقاهي ضد المستعمر. قال العلامة عبدالله الطيب (1921م-2003م)، في قصيدته "مصاب وحزن"، التي رثا بها الأستاذ محمود بعد تنفيذ حكم الإعدام عليه عام 1985م، (أبيات متفرقة):

وطنيّ مجــاهد وأديــب منشئٌ، فى بيــانه تجـويد
وخطيبٌ مـؤثر ولديـه سرعـة الـرّد والذكـاء الفـريد
 وجرئ، وشخصـه جذّاب ولدى الجـد، فالشجـاع النجيد
ذاق سجن المستعمرين قديماً ومضت فى الكفاح منه العقود
سبق الناس فـى السياسة رأياً حين فيها تفكيرهم محـدود
 
عندما أشتد نشاط الحزب الجمهوري عبر المناشير، والخطب في الأماكن العامة ضد المستعمر. تم اعتقال الاستاذ محمود فى يونيو من عام 1946م، وتم تقديمه الى المحاكمة، حيث خُيّر بين السجن لمدة عام، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسى فأختار السجن دون تردد. غطت الصحف المحلية في الخرطوم خبر محاكمة الأستاذ محمود ورفضه لتوقيع التعهد وتفضيله للسجن. ومن نماذج تلك التغطية ما جاء في صحيفة الرأي العام بتاريخ 3/6/1946م: (مثل الاستاذ محمود محمد طه المهندس أمس أمام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهماً من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الاخلال بالأمن العام، وقد أمره القاضي أن يوقع على صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيهاً لمدة عام لايشتغل خلالها بالسياسة ولا يوزع منشورات. ويودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك.. ولكن الاستاذ محمود رفض التوقيع، مفضلاً السجن، وقد اقتيد لتوه الى سجن كوبر).

كان الاستاذ محمود بذلك أول سجين سياسى بعد قيام مؤتمر الخريجين عام 1938م. وحتى فى السجن فقد واصل مقاومته للمستعمر بعدم تنفيذ أوامر السجن، فى حين واصل رفقاؤه فى الحزب مقاومتهم خارج السجن، فأضطُرت سلطات الاستعمار الى اطلاق سراحه بعد خمسين يوم من سجنه. وقد أدى نبأ اطلاق سراحه، تماماً كنبأ سجنه، الى تجاوب واسع من قطاعات الشعب، أظهرته برقيات التأييد التى انهمرت على الحزب من كافة محافظات السودان. ومن تلك البرقيات النماذج التالية:

إلى سكرتير الحزب الجمهوري – أم درمان: (كان سجن الرئيس درساً وطنياً قيماً لشباب الجيل في الايمان والروح وقد سررنا لخروجه لا شفقة عليه ولكن ليواصل الجهاد الوطني). حسن بابكر، القضارف، 24/7/1946م.

إلى محمود محمد طه، الحزب الجمهوري، أم درمان:
(تأكل النار الصدأ واللمما وبها يسمو كريم الذهب
ويرى الحر العذاب المؤلما لذة في الحق يا للعجب
ياسجينا قدره قد عظما وسما حتى جثا في السحب)
أحمد محمد عثمان – عطبرة  29/7/1946م.

إلى الاستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، أم درمان: (أعضاء جبهة المؤتمر الوطنية بالابيض يرون في خروجك من السجن آية واضحة للايمان بالوطنية الصادقة ويعدّون جهادكم رمزا للكرامة السودانية، فبقلوب مفعمة بالغبطة يشاركون اخوانهم الجمهوريين السرور بعودتكم لميدان الجهاد) السكرتارية 24/7/1946م.

 إلى أمين صديق، البوستة الخرطوم للرئيس: (دخلته رجلاً وغادرته بطلاً وضربته مثلاً)، علي عبد الرحمن، الابيض 23/7/1946م.

إلى سكرتير الحزب الجمهوري، الخرطوم: (إن جميع أعضاء الجبهة الوطنية بسنجة مستبشرون بالافراج عن رئيس حزبكم العظيم وهم جميعا يبتهلون الى الله أن يسدد خطاكم ويتمنون للرئيس العافية وحسن الجهاد).سكرتير عام الجبهة الوطنية، سنجة، 2/8/1946م.

إلى محمود محمد طه – أم درمان: (عرفنا فيك المثل الاعلى منذ عهد الطلب، فسرّنا أن يعرف القاصي والداني هذا القلب الكبير) صديق الشيخ، كوستى 30/7/1946م.

إلى محمود محمد طه، أم درمان: (أوفيت كرامة السودان وابائه حقهما – فلتعش رمزا صادقا للوطنية الخالصة، لك تقديرنا واعجابنا)، إتحاد طلبة كردفان، الأبيض 23/7/1946م.

إلى محمود محمد طه، أم درمان: (لقد سجلت بعزمك القوي وايمانك الصادق فخرا للأجيال فلتعش مرفوع الرأس – لك منى التهاني؟)، الطيب حسن، عطبرة 24/7/1946م.

بعد اطلاق سراح الاستاذ محمود واصل الحزب الجمهورى نضاله ضد الانجليز، حتى حانت فى سبتمبر 1946م فرصة أخرى لتصعيد المقاومة، اذ قامت سلطات الاستعمار بتفعيل قانون منع الخفاض الفرعونى والذى كان قد صدر فى ديسمبر من عام 1945م، وبناءً عليه  قامت السلطات فى رفاعة بسجن ام سودانية خفضت بنتها خفاضاً فرعونياً، فنهض الاستاذ محمود الى التصدى لحادثة الاعتقال هذه، معتبراً أنّ الاستعمار بتفعيله القانون فى مواجهة عادة متأصلة لا يمكن محاربتها بالقوانين، إنما يرمى الى اضفاء الشرعية على حكمه عن طريق اظهار نفسه محارباً لعادات الشعب السيئة من ناحية، واظهار السودانيين كشعب غير متحضر مستحق للوصاية من ناحية ثانية. خطب الاستاذ محمود خطبة قوية فى مسجد رفاعة مستنهضاً الشعب للدفاع عن المرأة التى أُقتيدت من بيتها الى ظلمات السجن. فتوحدت المدينة بأكملها خلفه فى ثورةٍ عارمة تصاعدت وأدت الى أطلاق سراح المرأة، برغم المواجهة العنيفة التى ووجهت بها من قبل السلطات والتى وصلت لحد أطلاق النار على الشعب. تمخضت ثورة رفاعة عن سجن الاستاذ محمود لمدة سنتين، حيث ُسجن فى سجن ودمدنى لبعض الوقت، ثم أتم باقى مدة السجن فى سجن كوبر بمدينة الخرطوم بحرى. كتب الأستاذ التجاني عامر في مقاله آنف الذكر قائلاً: (وقد تعرض محمود للسجن الطويل، في خصومات ايجابية مع الانجليز، منها حادث " الطهارة الفرعونية" في رفاعة، وهو حدث اجتماعي، رفعه محمود إلى مستوى المساس بالدين والوطن).

كتب الشاعر محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م) في ديباجة قصيدته "المُجاهد" التي نظمها في أوائل مارس عام 1947م، وكان محورها الأستاذ محمود، وبلغ عدد أبياتها ستة وستون بيتاً، وضمنها ديوانه "نار المجاذيب"، الصادر عام 1969م من وزارة الإعلام والشئون الاجتماعية، الخرطوم، ص 189-192) قائلاً: (قيلت هذه القصيدة بعد أيام من الزيارة الرسمية لسجن (كوبر) وقد منعت سلطات السجن يومذاك أعضاء الحزب الجمهوري من زيارة رئيسهم المجاهد محمود محمد طه). جاء في بعض أبيات القصيدة (أبيات متفرقة):

        يا صاحبي والسجـنُ فـرق بيننا      زمنـاً على قلبي الوحيد طويلا
        ما السجن هل مسخ الرجال أعزة      والغمدُ هل أكل الحسام صقيلا؟
        أسمعـت أبطـال (الأشقَّـةِ) كذبوا    معنى الجهـاد وآثروا التأويلا
        وطني بُليت على الخطوب ولم تجد     أسفاً يهـز لك القلـوب دخيلا
        قد خـاب ظنـك في بنيـك أذلـة     أتُراك تدمـن وعدهم ممطولا
        بات الرجـال على الخيانةِ والخَنَى     وجعلـت قيدَكّ للوفـاء مقيلا
        قَلَّبْتَ يا وطـني السـيوف كثـيرةً     حتى وجدتَ حسامك المأمُولا
        أنظرْ حسامُك ذو المضاءِ مُحَجَّبٌ       في السجن يبُرقُ حده مصقولا
        محمـودُ يلمعُ في عَمَايَـةِ كُـوبَرٍ     مثل الهـلال وضاءَةً ونحُولا

    الشاهد أنه على الرغم من هذا النضال الوطني للأستاذ محمود الواضح الساطع، والموثق شعراً وفي الدوريات والوثائق، تجاهله معظم معاصريه من طلائع المتعلمين عندما كتبوا مذكراتهم وسيرهم الذاتية، وأغفلوا ذكر الأستاذ محمود، وحجبوا نضاله وجهاده ضد المستعمر، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً. أيضاً، سار مؤرخو الحركة الوطنية السودانية على نهج طلائع المتعلمين في إغفالهم للأستاذ محمود، وتجاهلهم لنضاله ولمساهمته الوطنية دعك من المساهمة الفكرية، والإنتاج المعرفي الضخم الذي رفد به الفضاء المعرفي السوداني والإسلامي والإنساني. بل ذكر أحد مؤرخي الحركة الوطنية السودانية قائلاً: أنه بحث في الوثائق الرسمية، ولم يجد شيئاً عن نضال الأستاذ محمود ضد المستعمر. وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.

 بعد إتمامه لمدة سجنه فى العام 1948م خرج الاستاذ محمود الى مدينة رفاعة حيث اعتكف لمدة ثلاث سنوات فى خلوة عن الناس، حيث أتم ما كان قد بدأه فى سجنه من تهيؤ لدعوته الاسلامية. كان الحزب الجمهوري طوال فترة اعتكافه قد توقف نشاطه، وكان أفراده ينتظرون خروج قائدهم من اعتكافه.

خرج الاستاذ محمود من اعتكافه فى اكتوبر 1951م ودعا الحزب الجمهورى الى اجتماع عام عقد فى 30 اكتوبر 1951م. فى هذا الاجتماع طرح الاستاذ محمود المذهبية الاسلامية الجديدة، والتى تقوم على الحرية الفردية المطلقة، والعدالة الاجتماعية الشاملة، ليتجه الحزب الجمهورى من ملء فراغ الحماس الى ملء فراغ الفكر. وفى عام 1952م صدر كتاب (قل هذه سبيلى، وصدر منشورٌ بالانجليزية هو (Islam, The Way out) ، وبدأت بذلك حركة واسعة لتأليف الكتب ونشرها التى تتولى شرح فكرته للبعث الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت ظل الأستاذ محمود ينشر آراءه في الكتب والمناشير والبيانات. كما كان يوجه الخطابات والرسائل إلى الرؤساء وإلى قادة المؤسسات المحلية والإقليمية والعالمية، معبراً فيها عن آرائه ومواقفه من القضايا والمشكلات المحلية والإقليمية والعالمية.

نلتقي يوم الخميس القادم

 (نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 2 سبتمبر 2010م)

عبدالله الفكي البشير
الدوحة، قطر
Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]