تحدثت في الحلقة السابقة عن احتفاء الناس في السودان بالغريب الوافد. وذكرت أن الغريب الوافد يجد التبجيل من عامة الناس، وأن نظرياته وأطروحاته لقيت قبولاً وحماساً وافراً من المثقفين والقادة، وراهنوا عليها في إحداث التغيير. ظل أثر الغريب الوافد، والإيمان به، والإعتقاد فيه، واضحاً في مسار السودان، وفي سلوك إنسانه. ومقابل ذلك، لقي المحلي من المبادرات الخلاقة والأطروحات الفكرية، والرؤى التصحيحة، حالة من اللاثقة واللاقبول، واللا احتفاء، إلى جانب التهميش والرفض. وبهذا، الفهم القاصر للمحلي، الناتج من الغيبوبة المعرفية، والضعف في الوعي، الذي كان أكثر وضوحاً لدى القادة والمثقفين، فقد السودان وصفات وسيناريوهات تنموية جليلة، وضحايا كُثر، من أصحاب المبادرات الخلاقة، والأطروحات الحيَّة. ونسجت مما ورد في بعض المصادر والمراجع في الدراسات السودانية، قولي بأن ظاهرة الغريب الوافد أو الغريب الحكيم أو المبارك، اسطورة إفريقية، برزت مع مرحلة تكوين الممالك والسلطنات الإسلامية في السودان: سلطنة الفونج (1504م-1821م)، ومملكة تقلي (1530م-1821م)، وسلطنة الفور (1650م-1916م)، ومملكة المسبعات (1660م-1750م). مثَّل قيام الممالك والسلطنات الإسلامية لحظة تفاعل بين الثقافات الأفريقية والثقافة الإسلامية العربية، نتج عنها، وتجذرت فيها الكثير من المفاهيم والمكونات للواقع السوداني. لقد ارتبط قيام هذه الممالك والسلطنات، باسطورة "الغريب الحكيم" أو المبارك أو الوافد، من خلال دوره الجوهري في تأسيسها، وقدرته على إحداث التغيير، وتحريك الأحداث وصناعتها. ولهذا، فإن ظاهرة الغريب الوافد أو الغريب الحكيم أو المبارك، ظاهرة لها جذر عميق في تاريخ السودان، وظلت ماثلة في الموروث الشعبي، ومترسبة في أعماق الإنسان السوداني، ولها أثر واضح في تكوينه الوجداني والفكري.

إن غربلة الموروثات والمكونات، وفلترة المفاهيم، مهمة جزئية من المهمة الكبرى وهي التغيير. والتغيير ما هو إلا تحول وانتقال من حال إلى حال، من القديم والسائد والمألوف، إلى الجديد الملبي لإرادة أفراد المجتمع، والمنعتق من القديم البالي. وهو مهمة ضخمة، تتداخل فيها عوامل كثيرة، وتتم بجهد جماعي من أجل إصلاح الواقع، والتغلب على مشكلاته، والانعتاق من قيوده، بعد تهيئة المسرح للتغيير. والتغيير يبدأ في عقل الإنسان، من أفكار ورؤى وأطروحات ثم تنتقل إلى الواقع، بهدف الترجمة العملية والتطبيق. وهنا يتجلى دور النخبة. فالنخبة ومنهم القادة، تقع على عاتقها المسؤولية، فهي كما يقول الدكتور منصور خالد في كتابه: جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي، 2000م، صفحة رقم (6): (.. التي تحدد المسار، وتضبط وقع الخطى، وتملك القدرة- أو هكذا يفترض- على الوعي العقلاني بالتاريخ).

حينما ظهر طلائع المتعلمين، في بواكير القرن العشرين في الشارع العام، تشبثوا بالغريب الوافد، واندهشوا به، وتمثّلوه في المسلك والمسكن والملبس. كان الغريب الوافد، أمام طلائع المتعلمين هو الرجل الإنجليزي، والفقيه الأزهري، والشاعر العربي. ظل كل نموذج من هذه النماذج الثلاثة، هو النموذج الذي احتذاه طلائع المتعلمين واللاحقون من بعدهم، حتى أضحى المتعلمون، أنفسهم غرباء على مجتمعاتهم وبيئاتهم وثقافاتهم المحلية. كان الاستثناء في  ذلك قليلاً، وعلى قلته، فقد واجه من أنداده الدسائس والحسد والتهميش والاحتقار والحرب. حينما أصبح طلائع المتعلمين، قادة السودان بعد خروج المستعمر عام 1956م، كانوا لا يشبهون عامة الناس، ولا ينتمون إليهم، كما كانوا ضعيفي الوعي بالذاتية، قليلي الارتباط ببيئاتهم وثقافاتهم المحلية. ولهذا، فإن جهودهم –مع التقدير لها- لم تكن سوى تأسيس لمشاكل السودان، وتعميق لقضاياه. وقد ظهرت المشاكل منذ العقد الذي تم فيه خروج المستعمر، وتكشف أمر المشاكل الآن، بجلاء ووضوح.

عندما دخلت النظريات (الشيوعية– والأخوان المسلمون، والقوميون العرب)، قبيل الاستقلال وبعده، كانت كلها غريبة وافدة، على الواقع السوداني. اندهشت لها النخبة، وقابلتها بالترحيب الحار، مع الحماس الوافر، والإطمئنان الكامل لأطروحاتها. سعت النظريات إلى الاستعانة بالقوات المسلحة أو دعم انقلاباتها وتبادلت الأدوار في ذلك، من أجل تحقيق برامجها، ورؤاها الثورية، وبسبب رغبتها المتعجله في إحداث التغيير.

ظل المثقفون رهينة لصراع النظريات، الأمر الذي أوجد حواجز كثيفة بينهم، وعاق فرص تعارفهم وتحاورهم، وإكتشاف بعضهم بعضاً. أيضاً، كان صراع النظريات، السبب الأساس في ضعف مساهماتهم، وهدر طاقاتهم، وتبديد جهودهم، وغيابهم عن الواقع واحتياجاته. ولم تنل شعوب السودان من النظريات، سوى الضيم والخراب والموت. فقد زادت النظريات من شدة الصراع وعنفه، ووجهته في وجهة أشد قسوة. وفي ظل الصراع بين النظريات، من أجل السيطرة على الحكم، قُتل خيار أبناء السودان، وعظام قادته ومفكريه، وفقد الكثير من المثقفين شبابهم وعقولهم ما بين سجون الخصم، وحرب الدسائس داخل النظرية. كانت النظريات التي اعتنقتها النخبة، شديدة الضرر على الصحة السياسية السودان، وظل الصراع بين النظريات، والتصفية لحسابات الماضي بين أفرادها، هو المتحكم في مسار السودان السياسي حتى يومنا هذا.

تحكمت النظريات في مزاج المثقفين ووعيهم، وشغلتهم عن التأمل في أنفسهم، وصرفتهم عن التعرف بواقعهم، والتفحص لمشكلاته والرصد لإحتياجاته. لقد راهن المثقفون على النظرية في إحداث التغيير، وأرادوا عبرها أن يصبوا المجتمع في قوالبها، وإعادة صياغة إنسانه ومنتجته وفقاً لتصورها. وهذا لم يتحقق ولن يتحقق لأي نظرية من النظريات. ذلك لأن إحداث التغيير والثورات يستمد شرعيته ومباركته وضمان نجاحه من انسجام النظرية وتوافقها مع معطيات الواقع، وتناغمها مع الجذور التاريخية، والمكونات الحضارية للشعوب. وإلا حدثت القطيعة بين الواقع والنظرية، كما نراه ماثلاً أمامنا الآن.

الشاهد، أن هناك إشكالات كثيرة في التكوين الفكري والوجداني للنخبة السودانية. وقد نتج عن تلك الإشكالات ضعف في البناء المعرفي، وهشاشة في التكوين العقلي. وحينما يكون هناك ضعف في تكوين القادة المعرفي، واهتزاز في وعيهم بالذاتية، وهشاشة في معرفتهم بالتاريخ والواقع، يكون الفشل حتمياً. إن طاقم الحكم في السودان منذ الاستقلال 1956م، حتى يومنا هذا، مدنيين وعسكريين، أصحاب النظريات وغيرهم، لم يستطعوا أن يحدثوا تغييراً إيجابياً يذكر، أو يحققوا تنمية يشار إليها. لقد فشلت النخبة السودانية منذ خروج المستعمر عام 1956م، حتى يومنا هذا في وضع نواة أو لبنة لنظام سياسي يتناسب مع الواقع السوداني. قال الدكتور عبدالله على إبراهيم، في حوار تلفزيوني مع آخرين بثته قناة النيل الأزرق الفضائية (حوار حول إنتخابات 2010م في السودان، برنامج حتى تكتمل الصورة، تقديم الطاهر التوم، الخرطوم، 15 أبريل 2010م، الساعة 21:25)، وهو يتحدث عن تفرد السودان وخصوصيته، واستمرار الفشل فيه: (ونحن حتى الآن لم نستطع أن نبتدع نظاماً وممارسة سياسية تناسب وتتناسب مع خصوصيتنا وتفردنا، بعيداً عن المقارنات).

من الطريف الذي يمكن ذكره في هذا المقام، ما ذكره البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م) في كتابه: أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991م، ص 45)، وهو يتحدث عن محمد أحمد المحجوب(1908م- 1976م)، الذي كان نادراً ما يتلعثم أو يرتبك، قال البروفسير أبو سليم: أذكر أن المحجوب القى محاضرة في الخمسينات بدار الثقافة عن الحركة الثقافية في السودان، وقد حضرت هذه المحاضرة، وأنا طالب بالجامعة ومعي مجموعة من الطلبة، ونحسب أن تلك المحاضرة كانت امتداداً لآرائه المضمنة في كتاب الحركة الفكرية، غير أننا لم نعثر على نص للمحاضرة، وقد كانت مكتوبة يقرأها المحاضر. ومن الطريف أنه رفض في هذه المحاضرة الأخذ بالفكر الماركسي باعتباره فكراً وافداً بينما هو يتمسك بما هو سوداني نابع من السودان، فانبرى له شاب من جماعة ماركس، وسأله كيف إذن تقبل الإسلام وهو وافد إلى السودان، فارتبك المحجوب قليلاً ثم تخلص من المأزق بقوله إن الإسلام ليس من البشر وإنما جاء من السماء.

إن دراسة إشكاليات السودان، تحتاج لبحث كثيف في العقل الثقافي السائد، ونقد جرئ لمكونات الواقع الفكرية والثقافية، وفحص متعمق للتحولات في الفكر الديني، والكشف عن ما يسميه الدكتور عبدالله بولا في دراسته: "شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان: أطروحة في كون الغول لم يهبط علينا من السماء"، مجلة مسارات جديدة، إعلام لواء السودان، أسمرا، العدد1، أغسطس 1998م، ص 46 بـ (البنى الأساسية لانتهاكات حقوق الإنسان في السودان)، والتي يعني بها (البنى الذهنية المفاهيمية الاجتماعية والثقافية والنفسية والسياسية القائمة في مجتمعنا). نلتقي يوم الخميس القادم.

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، 29 يوليو 2010م)


Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]