حينما بدأ التعليم الحديث في بواكير القرن العشرين، ظهر معه طلائع المتعلمين في الشارع العام، وزاد عددهم مع تراكم السنين والتوسع في مؤسساته. احتفى عامة الناس بالمتعلمين احتفاءً عظيماً، ووضعوهم في مواضع التبجيل والاكبار والاحترام. ونظروا إليهم ولا يزالون ينظرون إليهم كقادة مجتمع، ومنقذين، وعلقوا عليهم الآمال العراض، في تغيير الحياة وتنميتها، والأخذ بهم إلى رحاب الرفاهية، والاستقرار والسلام. إلا أن طلائع المتعلمين، كانوا دون مستوى هذا العقد الاجتماعي غير المكتوب، لقد قابلوا احترام عامة الناس وتبجيلهم لهم، بالاحتقار، والتهميش لهم ولقضاياهم، وعدم الاكتراث لمطالبهم. فخاب ظن الناس فيهم، وتكشَّف مع السنين فشلهم في تطوير الحياة، وخيبتهم في قيادة السودان. أشار البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م) في كتابه: (تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900م-1969م)، الصادر عن الدار السودانية للكتب، الخرطوم، ص (143- 165) إلى ملاحظة أحد الدارسين الغربيين؛ إذ لاحظ أن المتعلمين السودانيين أتوا إلى مؤسسات التعليم الحديث من مجتمعات بسيطة، وبيئات فقيرة وقاحلة، وبعد نيلهم للتعليم الحديث، اصبحوا بعيدين عن مجتمعاتهم، ويحتقرون تلك البيئات، التي أتوا منها. أيضاً، تحدث الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م)، في مقدمة ديوانه (الشرافة والهجرة)، الصادر عن دار الجيل ببيروت وشركة المكتبة الأهلية، الخرطوم، عام 1982م، ص (8)، عن مدى احتفاء الناس بالأفندي واكرامهم له، وكيف كان يقابل الأفندي هذا الاحتفاء والاكرام قائلاً: (وكان لقب الأفندي شيئاً عظيماً، يمر صاحب اللقب فيقف له الناس ويتصايحون: فلان أفندي! مرحبْ.. حبَابَك.. اتْفَضّل، ولا يتفضل الأفندي، فهو ذاهب إلى نادي الموظفين يتذوق مثله العليا.. الطمع الثقافي.. الترقية والكيد وخدمة الطائفية والأنس بالحاكم، وثبت لي أن الفتى المهاجر لم يكن ذا ولاء لزيه الأفرنجي، وعرفتُ في وقت مبكر أنه كان يتنكر ويمر بجواز غير دقيق التزييف).

خاب ظن الناس في المتعلمين، ولاتزال الخيبة مستمرة. فمنذ استقلال السودان حتى اليوم، ضاعت آمال شعوب السودان، وأشواقها، وهي تراهن وتفاخر بمتعلميها. بل فقدت مكتسباتها التاريخية، وموروثاتها العظيمة مثل قيم التعايش والتسامح، التي كانت تباصر وتسير بها حياتها. نقل المتعلمين حياة شعوب السودان من الهدوء والتعايش إلى الصراع والعنف. أصبحوا بعد الاستقلال قادة للسودان، وسعوا إلى سلخ جلود الشعوب الحضارية، وألبسوها جلوداً غير جلودها، فتناقض وجدان الشعوب وفكرها مع الواقع والتاريخ.
استغل القادة فضائل شعوب السودان، وعملوا من أجل المحافظة على مصالحهم،  والتطبيق لنظرياتهم القاصرة الناقصة، ذكر محمد أحمد المحجوب في كتابه، (الديمقراطية في الميزان)، تأملات في السياسات العربية والأفريقية، 1989م، (ص 217-219): أنه حينما برزت خلافاته مع السيد الصادق المهدي في الأشهر الأولى من عام 1966م. جاء بعض أفراد عائلة المهدي إلى منزل المحجوب في ذات مساء، وطلبوا منه الاستقالة حتى يصبح السيد الصادق المهدي، الذي بلغ الثلاثين من العمر، رئيساً للوزراء، بعد أن تم افراغ أحد المقاعد البرلمانية وانتخابه لهذا المقعد. قال المحجوب لهم: (إن هذا طلب غريب، والصادق لا يزال فتياً والمستقبل أمامه وفي وسعه أن ينتظر. وليس من مصلحته أو مصلحة البلاد والحزب أن يصبح رئيساً للوزارة الآن). بيد أنهم أصروا، فتصلبت، وساندني مجلس الحزب). ثم ذكر المحجوب أنه كان في ذلك الوقت، على وشك الذهاب إلى نيروبي لحضور مؤتمر ذروة دولة شرق أفريقيا ووسطها في آزار 1966م، فطلب من الحزب تجميد الأمور حتى عودته. وغاب المحجوب مدة أربعة أيام. ولدى عودته وجد الحزب منشقاً على نفسه، فطلب من السيد الصادق المهدي مقابلته من أجل اصلاح الضرر. قال المحجوب: (واجتمعنا وأبلغته أنني كنت مستعداً للاستقالة واعطائه الفرصة ليصبح رئيساً للوزارة لو لم يكن السودان في خطر. لقد كان السودان يمر بمرحلة حرجة من التطور وكان في وسعي أنا أن أرتكب الأخطاء لمعرفتي أن الشعب يسامحني، ولم يكن في وسعه هو، إذ أن أي خطأ بسيط سيؤدي إلى سقوطه، وذكّّرته بأنه سيتعامل مع الرئيس الأزهري، السياسي الحاذق" الذي يستطيع أن يلوي ذراع أي شخص).

كان المثقفون يدركون، قيمة التسامح التي تتحلى بها شعوب السودان؛ إلا أنهم حينما قادوا السودان، كانوا كأنهم جاءوا من بيئات غير بيئات تلك الشعوب. ظلت قيمة التسامح، التي هي إحدى موروثات الشعوب السودانية، منذ تاريخ بعيد، وزينتها الجمالية والإنسانية، تضمر وتتكلس كلما اقتربت من دوائر المثقفين. كان ولا يزال الصراع في دوائر المثقفين عنيفاً، من أجل الانتصار للنظرية، ومن أجل الحكم، وكان الحاصل في الواقع وفي إحداث التغيير دون الصفر. بل فقدت شعوب السودان الكثير من مكتسباتها وأبنائها. فقد حصدت المحاكم العسكرية منذ إنقلاب نوفمبر 1958م حتى اليوم، عدداً كبيراً من الجنرالات العظام الكبار، في مواقفهم وفي وطنيتهم. وماتت كمية من البشر في الجنوب لا يستطيع أحد إحصائها ولا يعلم أحد عددها بالضبط سواء من الشماليين أو الجنوبيين. وكانت مجزرة الجزيرة أبا، التي وصفها محمد أحمد المحجوب في كتابه آنف الذكر، بأنها أكثر اللطخات سواداً في تاريخ السودان القريب، قُتل على أثرها الإمام الهادي المهدي والأستاذ محمد صالح عمر، وعدداً كبيراً من الناس. وتواجه الآن دارفور الدمار والخراب، في ظل تعنت القادة، ومناصرتهم للحرب بدل السلام، فيكون الموت هو مصير البسطاء والعزل. وتشهد منصة مشنقة كوبر على رعونة قادتنا وعلى ضياع مرفأ التسامح عندنا. فقد شُنق على منصتها قادة عظام، ومفكرين كبار، كانوا أصحاب مبادئ وقامات سامقة. كل واحد منهم كان بمثابة كمية رجال، علماً، وفكراً، ومعرفةً وعطاءً والتزاماً وانتماءً للسودان وقضاياه. شنق عليها الأستاذ عبدالخالق محجوب (1927م-1972م)، والأستاذ الشفيع أحمد الشيخ، والأستاذ جوزف قرنق، وآخرين. رثاهم المبدعون، وبكاهم الناس بكاءً حاراً، ولا يزال الناس ينزفون دماً ودموعاً كلما مرت الذكرى، أو فكرتهم بهم الأحداث أو المواقف. رثى الشاعر الأستاذ محمد الواثق، صديقه الأستاذ جوزيف قرنق، وهو من أوائل المبدعين الذين رثوا قائداً جنوبياً، إن لم يكن أولهم، قال الواثق في رثائه لجوزيف قرنق:

صديقي الُُمثابر جوزيف قرنقْْ
فيا ربِ هلْ
على روحهِ أقرأُ الفاتحة
فقد عدِمَ القبرَ والنائحة
وأُلحِدَ في التُربِ كيفَ اتفقْ
***
وكان إذا جاشَ مِواره
تدافعه روحه الثائرة
وصادمت الكونَ أفكاره
وكم أنبت الكونُ من زهرةٍ ناضِرة
فكنتُ إذا تمادتْ به الفكرةُ الجانحة
أشيح إلى مكة القرية الصالحة
أعوذ نفسي بربِ الفلقْ
على أن جوزيف قرنقْ
كما شهدت دمعتي السافحة
جميل المحيا جميل الخُلُقْ
فياربِ هلْ على روحهِ اقرأ الفاتحة
فقد عَدِمَ القبرَ والنائحة
وأُلحِدَ في التربِ كيف اتفقْ

وفي عام 1985م، شُنق الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985)، ورثاه العلامة البروفسير عبدالله الطيب (1921م-2003م)، بقصيدة عنوانها "مصاب وحزن"، وجاءت في خمسة وثمانين بيتاً، ولعله وافق بها السنة التي جرى فيها تنفيذ حكم الإعدام في حق الأستاذ محمود. أشار العلامة في قصيدته إلى جهل القادة، ومحدودية رؤاهم، وقصور تصوراتهم، ونقص معرفهم. وتحدث عن ذهاب الفضـل وقيم التسامـح والعفـو، قال في بعض أبياتها، (أبيات متفرقة):

قد شجانى مصابه محمود مارق قيل، وهو عندى شهيد
وطنيّ مجاهد وأديـب منشئٌ، فى بيـانه تجـويد
سيق للقتل وهـو شيخ أخو ست وسبعين أو عليها يزيد
لم يراعوا فيه القوانين ظلما فهو قتلٌ عـمدٌ وجَرمٌ أكيـد
زعموا أنـه تزندق وارتد وقـالوا هـو العدو اللّدود
قتلته الأفكار فى بلد الجهل الذى سيطرت عليه القيود
واثقا كان فى الخصومة بالفكر لو الفكر وحده المنشود
سبق الناس فـى السياسة رأيا حين فيها تفكيرهم محدود
وقد احتج وحده حين لم يُلفَ عن البرلمان صوتٌ يذود
ذلكم أوّل انقلاب بلوناه وللشـر مُــبدىء ومعيد
وأحتوتنا عماية من صراع دائـم للقوى به تـبديد
وكأن صار مظهر الدين لا المَخْبَر فينا فاعلم هو المقصود
فشت الآن برجوازية فى الدين من قبل عُلّقتها اليهود
وتفان على الحطام كأن الدين أركانه الشـداد النقود
قد أباها المسيح عند الفريسيين إذ قلبهم بها جلمود
علنا علّـقوه يشنق للجمهور ذاك المفكر الصنديد
يا لهـا وصمة على جبهة القطر ستبقى وعارها لا يبيد
قتلوا الفكر يوم مقتله فالفكر فيه ميت البلاد الفقيد
ذهب الفضل والتسامح والعفو وجاء الإعدام والتشريد
فيم هذا الطغيان ما هذه الأحـقاد ما هـذه القلوب السود
ما الذى جدّ ما الذى جلب القسوة من أين ذا العتم الشديد
قد أسأنا إلى الشريعة والإسلام مـا هـكـذا تقـام الحدود
ما كذا سنة النبى ولا الوحى الذى أنزل الحكيم الحميد
سنة المصطفى هى اللّين، هذى غلظة بل فظاظة بل جمود

لم يترك عنف الصراع، الذي تسرب إلى عقول النخبة ونفوسها، وتنزل إلى واقع الناس، وأصبح مرتكز الممارسة السياسية السودانية، فضيلة واحدة في الإرث السياسي يمكن أن يُعتد بها في التسوية الوطنية، أو المراهنة عليها في المسار المستقبلي. إن تصحيح مسار السودان، يحتاج إلى تحقيق التسوية الوطنية، التي تتطلب جهداً كبيراً في القيام بالمراجعات، وبناء المصالحات، وتصحيح الأوضاع. ولا يمكن أن تتحقق تسوية ومصالحة وطنية شاملة، من دون فتح الملفات المختلفة، ومواجة القضايا بكل جرأة وشجاعة ونبل، وتقديم الاعترافات والاعتذارات الشجاعة، إلى الأفراد والثقافات.  نلتقي يوم الخميس القادم.
(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 15 يوليو 2010م)
Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]