أصبح للناس في السودان، خبرة معتبرة في القدرة على التصالح مع الانهيار، والتعايش مع التدهور، والصبر على الخراب. لقد اكتسب أهل السودان هذه الخبرة، بسبب نهج القادة وتعاطيهم مع الشأن العام. ظلت هذه الخبرة تتراكم منذ الاستقلال، وهي خبرة اضطرارية، وليست اختيارية، وتمثل ابتكاراً عبقرياً لمقابلة خيبة القادة. فالسودان منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، يعيش في حالة تدهور وانهيار واضح على مختلف المستويات، ولا يحتاج ذلك إلى مسوقات أو براهين. وتمدد التدهور بشكل بشع في الشارع العام، وسارع الخطى، بدلاً عن الزحف، وطال مفهوم التعايش، وقيم التسامح والاعتدال، وغدا أكثر وضوحاً في فهوم الناس وعقولهم. لقد انشغل القادة منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، بالصراع حول الحكم، وكان صراعاً عنيفاً، وقاسياً، لا يتناسب مع حجم الانجازات الوطنية، وكان حاصله في الواقع سلبياً، وأثره في إحداث التغيير ضعيفاً. لقد انصرف المثقفون منذ قبل الاستقلال من الحوار حول قضايا السودان إلى حسم صراعات نمت في عقولهم ونفوسهم، قبل أن تنبت في الواقع. بددوا فيها طاقاتهم، وضيَّقوا بها على أنفسهم، وعلى الناس، ونسفوا عبرها فرص التأسيس لثقافة البناء الوطني عبر الجهود الجماعية. ظل القادة منذ الاستقلال، نفس القادة، يبنون حيناً، ويهدمون حيناً آخر، وفي اللحظة نفسها بعضهم يبني والبعض الآخر يهدم. كانوا ولا زالوا عباقرة في المعارضة، و(ممحوقين) في الحكم. فغابت ثقافة البناء الجماعي من الإرث السياسي. ولم ينعم السودان منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، في أي لحظة من لحظات تاريخه، بجهود جماعية في البناء الوطني.

 

ظل المثقفون، ومنهم بعض القادة، منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، في وادي وشعوب السودان وقضاياه في وادٍ آخر. أهملوا قضايا الناس والبلاد الأساسية، واعملوا عقولهم، وعبقرياتهم في تصفية صراعاتهم السياسية، فشغلوا أنفسهم والناس معهم. يقول الدكتور أنس العاقب: (مهما قيل وكتب حول تاريخ السودان الحديث وخصوصاً بعد الاستقلال فإن الواقع السياسى الثابت والمتغير يؤكد أن إخفاقنا الحقيقى سيظل دائماً مرتبطاً فى الثقافة والفنون بالشأن السياسي الذي عجز عن أن يقدم خطاباً فكرياً سودانياً أو (سودانوياً كما يقول الراحل أحمد الطيب زين العابدين)... لقد هيمنت التجارب السياسية على مسار الحياة السودانية عموماً وشغلتنا حتى عن أنفسنا...) . مع الإهمال والانشغال، تنزلت الصراعات من عقول المثقفين ودوائرهم إلى الواقع، فأخذت قضايا السودان، وهي كثيرة، تتمدد في الواقع، وتنخر في العقول، وتهدم في الموروث والنفوس. لقد جعل المثقفون من قضية البحث عن المرتكز الحضاري للسودان "سؤال الهوية"، محوراً للصراع، وهي موضع الحوار والتراضي. فواقع السودان وتاريخه ينطقان بالتنوع الثقافي، الذي يجب أن تدار البلاد على أساسه، والقادة ينطقون بغير ذلك. والسودان ينطوي على إرث حضاري ضخم، جعل منه قطراً متفرداً، يحتاج لابتداع نظام سياسي يشبه تفرده، ولكن القادة ظلوا يريدون له التماهي إما في المحيط العربي أو المحيط الأفريقي، والحقائق التاريخية والواقع يقولان بغير ذلك. بل أن أهل المحيط العربي وأهل المحيط الأفريقي يصعب عليهم فهم شأن السودان، قال الدكتور عبدالله على إبراهيم: (ما لدينا شئ مختلف، ولا يستطيع الناس في خارج السودان فهمه، ولكن نحن حتى الآن لم نستطع أن نبتدع نظاماً وممارسة سياسية تناسب وتتناسب مع خصوصيتنا وتفردنا، بعيداً عن المقارنات) .

 

            هذا الفشل، فشل موروث، منذ ظهور طلائع المتعلمين في ساحة العمل العام، وتوليهم لقيادة السودان بعد الاستقلال. قال السيد مبارك الفاضل المهدي، في معرض حديثه عن برنامجه في حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2010م: (نحن نريد أن نخرج مما أدخلنا فيه ساسة الستينات) . وهذا حديث نقدي سليم، ومطلوب. فساسة الستينات أورثونا الكثير من بذور الفشل، والخيبة، وساروا بالبلاد في وجهة يتكشَّف خطأها وخطرها كل يوم. ليس المقصود هنا، المحاكمة أو التجريم، لأولئك القادة، وإنما الهدف النقد. نحن في حاجة ماسة إلى نقد تلك المرحلة، بما يخدم تصحيح المسار والإدراك الشامل. لقد بذل طلائع المتعلمين جهوداً كبيرة من أجل الاستقلال، وكانوا آباءً مجتهدين؛ إلا أن جهودهم لا ترقى إلى أن يكونوا آباءً مؤسسين، بمفهوم الآباء المؤسسين، في حال الكثير من دول العالم. نقبل بأنهم كانوا –كما جرت العادة في الإحتفاء بهم- عباقرة في الشعر، و ...إلخ وفي كل شئ، إلا القيادة والحكم. لم يكونوا عباقرة في القيادة والحكم. فالآباء المؤسسون دوماً يكونون من أصحاب القامات السوامق، الذين يترفعون عن الصغائر والصراعات الشخصية، ويسعون بحاستهم العدلية، وحنكتهم القيادية، إلى تحقيق التسوية الوطنية. ويعملون بحكمتهم القيادية ودرايتهم بالواقع والتاريخ على التأسيس لمعاني التعايش وثقافة التصالح، والبناء الوطني عبر الجهود الجماعية. لم يكن طلائع المتعلمين الذين قادوا السودان بعد الاستقلال كذلك. لقد كانت لديهم الفرصة أن يكونوا آباءً مؤسسين، لو أنهم كانوا كباراً، وترفعوا عن الصغائر والصراعات الشخصية فيما بينهم. لقد تجلت صراعاتهم ودسائسهم ومؤامراتهم في الكثير من المواقف في الحكم وتجاه بعضهم بعضاً. كان الانتصار الشخصي في المنافسة الحادة، وتصفية الصراع والاختلاف فيما بينهم يتم عبر الدسائس والمؤامرات، وقد مارسوا ذلك في وجه الكثير من أندادهم. لقد واجه الأستاذ أحمد خير المحامي (1903م-1995م)، رجل مؤتمر الخريجين، الكثير من المؤامرات، واعتزل العمل السياسي، بعد أن رفض الانضمام إلى الحزب الوطني الاتحادي، الذي تكوَّن بعد توحيد الأحزاب الاتحادية في القاهرة في نوفمبر عام 1953م، بعد أن استولى الضباط الأحرار على السلطة في مصر في 23 يوليو 1952م. كما عارض اتفاقية القاهرة عام 1953م باعتبارها خدعة انصرافية وأن الطريق إلى الحرية هو طريق الكفاح لا المعاهدات، وأن الإنجليز لا يحترمون ميثاقاً. وعندما لم يجد رأيه استجابة انسحب واعتزل العمل السياسي.  وظل بعيداً حتى قيام الانقلاب العسكري في 17/11/1958م، الذي أتى به وزيراً للخارجية. ذكر الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م) أنه سأل إسماعيل الأزهري (1901-1969م) في نهايات الحكم العسكري عن تقييمه لموقف أحمد خير، فقال الأزهري: (إن أحمد خير رجل لا غبار عليه، وتعاونه مع العساكر سببه خلافاته معنا وليس ميله إليهم) . أيضاً، نتيجة لمناخ الصراعات والمؤامرات، فقد عاش الأستاذ محمود محمد طه (1909م- 1985م) كل حياته يواجه المؤامرات والتشويه والخبث من أنداده، حتى محاكمته بالردة عام 1968م، ومن ثم إعدامه عام 1985م، ولازال اسمه، وإنتاجه الفكري يخضع للتشويه والتخابث والتآمر من قبل الكثير من المثقفين. وكذلك عبَّر الأستاذ عبدالرحمن علي طه (1901م-1969م) عن رفضه لمناخ الدسائس والمؤامرات باعتزاله العمل السياسي منذ عام 1958م، ورجع إلى مسقط رأسه، وتفرغ لإصلاح مدينة أربجي وبقي بها حتى وفاته، صبيحة الأحد، الثاني من نوفمبر 1969م. قال حسن نجيله (1910م-1983م) في مقاله "خواطر: فقدنا معلم الجيل"، الذي نُشر بصحيفة الرأي العام، 14/12/1969م، متحدثاً عن اعتزال عبدالرحمن علي طه للعمل السياسي، ورجوعه إلى قريته قائلاً: "ولما صار العمل الحزبي تطاحنا حول الإستوزار والحكم، عف عنه واحتقره وعاد إلى موطنه الصغير في قريته، لا لينعم بالهدوء كرجال المعاشات، بل ليبدأ عملاً جليلاً مضنياً، فخطط القرية تخطيطاً جديداً، وغرس في نفوس أهلها حب التعاون، فبنوا وعمَّروا، وأنشئوا المدارس والشفخانات والمصحات والمساجد، وأسسوا مجتمعاً راقياً في اتجاهه وعمله، وذهل كبار الزوار العالميين الذين زاروهم خلال تجوالهم في أرض الجزيرة، وتمنى الكثيرون منهم مثاله في بلادهم وهي أكثر حضارة ورقياً من بلادنا). لقد انكوى من مناخ المؤامرات والدسائس آخرون كُثر. تحدث الأستاذ يحي محمد عبدالقادر (1914م-؟؟؟)، في مذكراته الموسومة بـ: على هامش الأحداث في السودان، باستفاضة عن تلك الصراعات، وأشار بصراحة ووضوح وتفصيل إلى الدسائس وطبيعتها، وإلى المؤامرات، وكيفية نسجها. أيضاً، كان محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م) قد وقف في مجلس النواب يوم الثلاثاء 16 أغسطس 1955م، متحدثاً إلى النواب على مشارف الاستقلال، وهو زعيم المعارضة في المجلس، وذكرهم بضرورة أن يكونوا كباراً في كل شئ، عبر تحرير عقولهم وصدورهم من الحقد والأهواء قائلاً: (إننا نعيش الآن في زمن يصنع فيه التاريخ، فإذا أردنا أن نتجاوب مع هذا التاريخ، ونخط بأيدينا بعض فصوله، فمن واجبنا أن نكون أهلاً لذلك في جميع تصرفاتنا، بتحرير عقولنا من الضيق، وصدورنا من الحقد، وصفوفنا من الانقسامية، ونحارب أهواءنا وشهواتنا، وندفن أغراضنا وأطماعنا، وبعبارة أخرى، أن نكون كباراً في كل شئ، لان الصغار هم الذين لا يفعلون ذلك والذين يرتجفون أمام الأحداث ويفقدون توازنهم في المواقف الحاسمة ليسوا كباراً وهم بالتالي لا يصلحون مادة للتاريخ) .

 

لا شك أن طلائع المتعلمين، كانوا ضحايا لأوضاع معقدة، صاحبت لحظات تكوينهم الفكري والمعرفي. كما كانوا رهينة لظروف قاسية مروا بها، وعبروا منها إلى قيادة السودان بعد الاستقلال. فالإدارة البريطانية رسمت سياسات قاسية تجاههم، وصدتهم عن دورهم القيادي، وضيَّقت عليهم الخناق في معاشهم وحركتهم، وحبست الموارد المالية عنهم، وشجعت روح المنافسة بين زعماء الطوائف، فتسربت تلك المنافسة إلى عقول ونفوس المتعلمين، وغدت تتحكم في علائقهم وممارستهم السياسية. هذا إلى جانب نوع التعليم الذين وضعته الإدارة الاستعمارية. كان التعليم يهدف إلى تحقيق الأغراض الاستعمارية، المتمثلة في توفير الوظائف الكتابية والفنية بمعزل عن الدور القيادي المستقبلي للمتعلمين. أيضاً، واجه المتعلمين التحالف الطائفي ضدهم، أثناء صراعهم مع القيادات الطائفية والدينية، فانتهى الصراع إلى التسوية مع الطائفية. وبجانب ذلك، عاش الكثير من طلائع المتعلمين فقراً مدقعاً، بسبب فقر بيئاتهم وشح مواردها، ونتيجة للسياسات الاستعمارية، والأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929م. وقد شكا الكثير منهم من الفقر. لقد تحدث الأستاذ يحي محمد عبدالقادر في مذكراته بإسهاب عن حالة الفقر التي كان يعاني منها المتعلمون في ذلك الوقت. وأشار إلى أن حالة الفقر وشدة الحاجة والعوز، تحكمت في مسار الكثير من المتعلمين، وجعلت بعضهم يقوم بأعمال ونشاطات لا تنسجم مع رؤاهم ومبادئهم، إلا أن الفقر لم يترك لهم خياراً غير تلك الأعمال والنشاطات. وذكر أنهم كانوا ينتظروف عطايا السيد عبدالرحمن المهدي (1885م-1959م)، ويتغنون له حينما ينفح أحدهم بملبغ من المال أو مكرمة في الملبس. وأشار إلى أن السيد عبدالرحمن نفحه يوماً ببدلتين وقميصين وكرفتتين وحذائين، فظل مع أصدقائه في (الميز) يتغنون طوال المساء بـ (أبو الصديق فراج الضيق)، وهم يعددون مآثر السيد عبدالرحمن وفيوض كرمه. وتحدث الأستاذ يحي أيضاً، عن حالة الفقر التي كان يعيشها الشاعر التجاني يوسف بشير (1912م- 1937م)، قائلاً: (وجدت التجاني يوماً منهمكاً في تصحيح كتاب (نفثات اليراع) المنسوب للأستاذ محمد عبدالرحيم فقال لي في حرارة أنني في الواقع مؤلف معظم فصول هذا الكتاب، بل أن الفصول القليلة التي كتبها محمد عبدالرحيم اضطررت لإعادة صياغتها حتى تتمشى مع أسلوب الكتابة العام. ومضى فقال: وهذه القصيدة التي ذيلها محمد عبدالرحيم بتوقيعه ووجهها للسيد عبدالرحمن المهدي وجعلها في مقدمة الكتاب، إنما هي من نظمي لقد كان يحق أن يحمل هذا الكتاب اسمي لا اسمه... وأضاف ولكن حرصي على الثلاثة جنيهات الشهرية التي يستخدمني بها محمد عبدالرحيم هي التي تقسرني على قبول هذا الضيم) . 

 

لقد عانى طلائع المتعلمين عناءً شديداً، وجاءوا إلى قيادة السودان، وهم ضحايا لأوضاع قاسية ومعقده، قاموا بالكثير، وكان ينقصهم الكثير. ورثنا عنهم أرثاً سياسياً، لا زال يتحكم في مصائرنا، وهو خليط ما بين معاناتهم وجهودهم. كانت جهودهم ضخمة، ولكن تحكمت فيها عوامل كثيرة بعضها أقوى منهم، وخارج عن إرادتهم، وبعضها الآخر ساهم في تكوينهم الفكري والمعرفي، ومن ثم تصميم رؤاهم وفكرهم وتحديد المسار الذي سار عليه السودان. وكل ذلك يجب أن يتصدى له الناس بالنقد والفحص والتمحيص، لا التجريم والمحاكمة.

 

أيضاً، لقد ورثت السوح السياسية والثقافية في السودان، مظاهر وسلوكيات أخرى كثيرة منها: اللا تسامح بين المثقفين، والنموذج القيادي، والحسد والكسل والكسل العقلي، وفي هذا يتداخل التاريخ والفكر والمجتمع، مع سهوم المتعلمين الأوائل. وستكون هذه الموضوعات، هي محاور مقال يوم الخميس القادم.

 

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 24 يونيو 2010م)

 

الهوامش

Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]