وتمضي الأمور من جهالة إلى جهالة، حتى يغدو الفكاك من ربقتها مستحيلاً، إلا بقفزات هائلة في الخيال، أو بثورات هائلة في الروح . الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م)

 

ذكرت في الحلقة السابقة أنني أسعى في هذه المقالات إلى تقديم إضاءات حول موضوع المزاج الصفوي للنخبة السودانية، والصراع العقيم فيما بينها، ولفت الإنتباه إلى أهمية الموضوع. وقلت إن صفوية مزاج النخبة السودانية، واقع ماثل ومسلك ظاهر. وأوردت عدداً من المصادر والمراجع، التي أشارت لذلك. وقلت إن المزاج الصفوي لدى النخبة، أدى إلى هامشية علاقتها بالواقع، الأمر الذي جرد الواقع من فرص الاتصال بالقوة الإبداعية القادرة على استنطاق صور البدائل والخيارات لمواجهة التحديات. وذكرت أن علاقة النخبة فيما بينها اتسمت بالصراع العقيم، منذ ظهورها في بواكير القرن العشرين. فالجفوة الباكرة والمستمرة فيما بينها، والتنافس المحموم، والمؤامرات، وعدم الاعتراف بحقوق الآخرين، وحسد بعضها البعض، والصراع العنيف كانت من أبرز مظاهر تلك العلاقة. تعود نشأة المزاج الصفوي لدى النخبة، والصراع العقيم فيما بينها، إلى عوامل ومؤثرات كثيرة. سأتناول بعضها عبر محاور مختلفة منها: ما يرتبط بالمكونات الحضارية والفكرية والثقافية للسودان، وما نتج عنها من حالة اضطراب حضاري دخل بها إنسان السودان القرن العشرين. ومنها ما يتصل بالبدايات في إعداد المثقف ونوع التعليم، ومعطيات تكوينه. ومنها ما يرتبط بالقوى الاستعمارية. ومنها ما يتعلق بمسار السودان السياسي، وواقعه وجمود حركة التغيير فيه.

 

وأشرت أيضاً، إلى أن الحوار بين النخبة، والنقد لمواقف بعضها البعض، اتسم بالغلظة والقسوة. فانتخبت ثلاثة نماذج نقدية مكتوبة ومنشورة لتسليط الضوء عليها. جرت بين ستة من المثقفين الحداثيين الكبار. جميعهم قامات سامقة في الإبداع والإنتاج المعرفي. والنماذج هي: "حوارية لاهاي"، 1997م، وما دار بين الدكتور عبدالله بولا والدكتور حيدر إبراهيم، و"أشغال العمالقة"، 2007م، نص كتبه الدكتور حسن موسى، وكان محوره الشاعر محمد المكي إبراهيم، الذي رد بمقالة عنوانها: "آية اللؤم العظمى"، و"منصور القوَّال"، 2009م، سلسة مقالات كتبها الدكتور عبدالله علي إبراهيم، وكان محورها الدكتور منصور خالد.

 

قبل الدخول في المحور الأول من محاور العوامل والمؤثرات التي أدت إلى نشأة المزاج الصفوي لدى النخبة، والصراع العقيم فيما بينها، أقف عند تنبيه للبرفسير عصام البوشي. فقد نبهني البوشي مشكوراً لأمرين الأول: خطأ ورد في رسم مفردتين في النص المقتبس من الروائي الطيب صالح أعلاه، وهما يغدو وربقتها. فالنص مقتبس مما يعني أن الخطأ كان من عندي في الطباعة. وقد صححتهما، وأوردت النص ثانية في هذه الحلقة، مع اعتذاري للقارئ الكريم. والأمر الثاني الذي نبهني إليه البروفسير البوشي هو أهمية تعريف المصطلحات. وساستصحب هذه الملاحظة معي في كتاباتي. وأبدأ بما أشار إليه البوشي وهو الصفوة. إذ ورد في العنوان المزاج الصفوي. فالمزاج معروف، أما الصفوة لغةً فقد جاء في معجم لسان العرب: صُفْوَتُه: ما صَفَا منه. وصَفْوَةُ كُلِّ شيءٍ: خالِصُهُ . فالصفوة كانت تمثل في الماضي طبقة النبلاء من الاقطاعيين وملاك الاراضي والذين توارثوا امتيازاتهم . وأصبح الآن مصطلح الصفوة يُشير إلى الذين يشغلون مراكز النفوذ والسيطرة في المجتمع. وقد يُشير المصطلح أيضاً إلى فئة المبرزين والمتميزين في المجالات المختلفة قياساً مع غيرهم. (وإذا كانت المعايير الأساسية لتحديد الصفوة Elite تتمثل في القدرات العقلية العالية، والنفوذ القوي، فهي تتسـع لتشمل أي جماعة من الأفراد معروفة اجتماعياً ذات خصائص لها قيمة محددة، كالمقدرة العقلية، أو الوضع الإداري المرتفع، أو القوة العسكرية، أو القوة الأخلاقية، التي تؤدي إلى درجة عالية من الهيبة والنفوذ الواسع) . وبهذا تكون هناك عدد من الصفوات: الصفوة السياسية، والصفوة في الفن، والصفوة في الشعر،... إلخ. ما أرمي إليه في المزاج الصفوي هو ذلك المزاج المنبت عن مزاج عامة الناس، الذي لا يسعى لتجسير التواصل وإيجاد المشترك مع عامة الناس، وإنما يركن إلى الإنزواء والفوقية والتعالي والبعد عن قضايا الجماهير ومشاكل الواقع.

 

الواقع السوداني:

التاريخ والتركيبة الحضارية والفكرية

 

حينما رأيت الآثار السودانية، أول مرة في معهد العالم العربي ببارس عام 1996م. ذُهلت! هذه آثار بلد ينطوي على إرث حضاري ضخم. ومسني ولع شديد بالسودان. فطلبت من الخارجية الفرنسية الانتقال إلى السودان، فنُقلت عام 2001م، وعملت فيه حتى عام 2005م .

 

د. عيسى مارو، نائب السفير الفرنسي في الخرطوم "سابقاً"

المبعوث الخاص لفرنسا في عملية السلام في دارفور "حالياً"

 

دخل السودان القرن العشرين، ينوء بإرثه الحضاري التليد الضخم، وسجله الثقافي الحافل الجامع. احتوي تكوينه الجغرافي على تضاريس عديدة: النهر والبحر، والسهل والجبل، والغابة والصحراء، ونبتت فيها، وانبنت عليها تكوينات ثقافية مختلفة. لقد امتص في أحشائة الحضارية، مبادرات عظمائه منذ فجر التاريخ. كانت مملكة كرمة (2500ق.م.- 1500ق.م.)، نواة مملكة كوش التي عاشت عشرة قرون (750ق.م.- 350م)، بفرعيها الشمالي نبتة (750ق.م.- 590ق.م.)، والجنوبي مروي (590ق.م.- 350م)، وامتد نفوذها حتى ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، والجزيرة وكردفان . وتأثر بتيارات حضارية هامة، تعاطى وتفاعل معها. يقول الشاعر محمد عبدالحي (1944م-1989م): (لقد إمتدت حدود السودان القديم إبان عهد الملك تهارقا (668 ق.م.-663 ق.م.) إلى حدود فلسطين واتصل بالثقافات الآشورية والفرعونية والإغريقية والرومانية... وإبان عصره المسيحي الذي إمتد لما يقرب من العشرة قرون نمت في الممالك المسيحية السودانية ثقافات وثيقة الاتصال بالحضارة البيزنطية... وبالإسكندرية وروما والكنيسة الأثيوبية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تلبست الثقافة المسيحية الثقافة الاصلية في البلاد واختلطت طقوسها القديمة وتكيفت الفنون المسيحية بالفن المحلي) .

 

دخل السودان القرن العشرين مثقلاً بسجله الثقافي. يحمل سِير ثقافات نمت على مهل وتؤده، وثقافات توقف نموها، وأخرى نمت بالتداخل والحضن ثم السودنة. جرت على أرضه حوارات –ولازالت- تجري بألسن عديدة، مات شئ منها، وتطور بعضها، ويصارع الموت بعضها الآخر. تأثر بهجرات بشرية متعددة ومتتالية، جاءته من أقاصي الدنيا أقوام ومجموعات وأفراد، منهم المهاجرون، والمتاجرون، والمسافرون، والمكتشفون، والمغامرون والغزاة الطامعون. يقول د. جوزيف أومارا أستاذ كرسي الاقتصاد السياسي في جامعة تاسمانيا بأستراليا، ود. خديجة صفوت، المؤسس والمدير التنفيذي سابقاً لمركز أبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة ولز، في ورقتهما العلمية، المترجمة من اللغة البرتغالية: "سرديات رحلات العبور التاريخية وأسلمة سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، أثر بعض تنويعات الرحالة والتجار على التاريخ الإسلامي والتاريخ الشعبي"، التي قدماها في ندوة السودان وأفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، اكتشاف الذات والآخر، فبراير عام 2006م: (فقد كان السودان معبراً عظيماً للمسافرين منذ مينا موحد الوجهين القبلي ومؤسس الأسرة الأولى من الممالك القديمة (2925 ق.م.-2775 ق.م.) تقريباً،... وما يبرح السودان معبر الحجاج إلى مكة... على أن تلك الرحلات وموجات هجرة المسافرين المغامرين والغواريين والمكتشفين تركت أجزاء ثقافية منحت السودان تمييزاً وتعدداً وغنىً بلا مثيل، سوى ربما الولايات المتحدة؛ إلا أن الأخيرة لا تملك ادعاء أصالة تاريخ يعود إلى 300 ألف عام قبل الميلاد. فمن القرن الأفريقي إلى الجزيرة العربية إلى البلقان وصولاً إلى أفغانستان وبلاد الأكراد والمجر ثمة أسماء وعشائر... ومدن سودانية في الشمال والوسط تستدعي صدى وأخيلة نظائر من الشرق وعبر البحر الأحمر وأخرى من جنوب شبه الجزيرة العربية واليمن...) .

تركت تلك الهجرات رواسب ثقافية وأساطير وحكاوي وقصص صادرة من أزمنة بعيدة، ومن جوف التاريخ. لقد استقر أقوام ورحل بعضهم. خلفوا أشياء، وأخذوا أشياء، أضاءوا معالم، وأظلموا معالم، دَمّروا سجلات ثقافية، وعَمّروا سجلات ثقافية، تركوا معاني وأخذوا معاني، خَرّبوا القديم ونَظّمُوا بعضه في نَظْمِ جديدهم. كل تلك الأمور أورثت السودان سجلاً ثقافياً حافلاً، تشكلت أجزاؤه من فضاءات ثقافية نائية لشعوب كثيرة ومتعددة. يقول د. أومارا ود. خديجة: (وقد جاءت أجزاء ثقافية من عمان منذ الإصحاح القديم ومملكة بلقيس. وثمة تقاليد وعادات تعود إلى جنوب شرق آسيا وإلى الصين والهند ومنغوليا القوقاز وكردستان والبوسنة والهرسك إلى شبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة إيبيريا وتركيا وشمال أفريقيا ومصر... وقد تكون الجلباب والعمة والطاقية والثوب السوداني وطقوس الزفاف والحناء والبخور والفركة والسلم السباعي في الموسيقى إلى الجاموس البقري والساقية والشادوف -التي ادعى البطالمة أنهم أدخلوها إلى وادي النيل مع الأسرة الـ 31- قد جاء بعضها أو معظمها من الصين ومن منغوليا والقوقاز عبوراً بشبه القارة الهندية وبالجزيرة العربية واليمن إلى السودان. ومن الشمال جاءت السودان اسماء مدن وطرق صوفية وشيوخ طرائق وتقاليد مزارات وثقافة قباب أولياء وأول مسجد في النوبا المسيحية باكراً) .

 

وكان أيضاً، الأثر الفرعوني، والغزو الأكسومي لمملكة مروي بقيادة الملك عيزانا عام 335م. وكان قدوم النوبة في القرون الأخيرة من عصر مملكة مروي، واستوطنوا في مروي، وتمكنوا بعد نحو قرنين من زوالها، وإنشاء ممالك النوبة الثلاث: نوباتيا وحاضرتها فرس، والمقرة وعاصمتها دنقلة، وعلوة وحاضرتها سوبا، في فضاء زمني قارب العشرة قرون (550م-1450م). دخلت الديانة المسيحية، ومنذ عام 580م غلبت على الجزء الشمالي حتى سنار وبلاد البجة وأجزاء أخرى. قال الشاعر محمد المكي إبراهيم في كتابه: الفكر السوداني: أصوله وتطوره، الذي نُشر عام 1976م: (حين دكت ارجال الغزاه إمبراطوريات بعانخي وترهاقا وحين طمرت رمال الصحراء حضارات نبته ومروي، كانت الأرض السودانية قد فقدت مرة وإلى الأبد لواء المبادرة الحضارية الذي ظلت ترفعه طوال أجيال متلاحقة. وأصبحت مجموعة البشر التي تعمرها يتيمة وضائعة، في عالم مضطرد التقدم، والتمدن، متجدد الحضارات. عندئذ لم يكن غريباً أن يستورد السودان الديانة المسيحية، وأن تنهض على أساسها ثلاث دويلات سودانية هي: علوة والمقرة وسوبا، وأن تظل تلك الدويلات ضعيفة ومتنازعة حتى يكتسحها أمامه الغزو العربي الوافد) .

 

جاءت الهجرات العربية، كما وردت الإشاره آنفاً، قبل الإسلام، وزادت بعده. تدافعت هجرات العرب والمسلمين باستمرار وبطء، وتبعها استقرارهم عبر التجارة والزواج والمعاهدات، والتحالفات، وكان قيام سلطنة الفونج (1504م-1821م)، عبر الحلف الفونجاوي العبدلابي. توافد العلماء والمتصوفة على سنار عاصمة سلطنة الفونج، واصبحت (الصوفية) مركزية الاستقطاب والولاءات، (وظل التصوف وتصوف "الفقرا" بوجه خاص يقوم مقام الدين نفسه، ومن ثم يشكل المزاج الديني للسودانيين...) . يقول البروفسير يوسف فضل حسن: (وكان من أهم منجزات المنهج الصوفي، سعيه تحت راية الإسلام لإضعاف العصبية العرقية والولاء القبلي ... وقد أسهمت الطرق الصوفية بسبب غياب حكومة مركزية قوية في تكوين الأطر الاجتماعية والدينية بين الشعوب السودانية في كنف الإسلام)) . فالإسلام الصوفي، مثل المعتقدات والتقاليد الأفريقية، فهو أكثر مرونة في تقبله للتنوع في التعبير الفني والإفساح للطاقة الفنية مقارناً بالإسلام الفقهي الرسمي ، الذي جاء لاحقاً مع الغزو التركي/ المصري (1821م-1885م).

 

تبع قيام سلطنة الفونج انتشار اللغة العربية وتعميق الإسلام على أيدي المتصوفة والتجار والعلماء في جنوب الجزيرة وكردفان ودارفور. وقامت مملكة تقلي (1530م-1821م)، وسلطنة الفور (1650م-1916م)، ومملكة المسبعات (1660م-1750م)، التي أنشأها فرع من الأسرة الحاكمة في سلطنة الفور، وأقام مملكته في شرق دارفور وامتد نفوذها على السهول الواقعة شمال جبال النوبة . ارتبط قيام سلطنة الفونج ومملكتى الفور وتقلي، لدى المؤرخين وعلماء الفلكلور باسطورة "الغريب الحكيم" أو المبارك أو الوافد، التي برزت في لحظة التفاعل والتلاقح بين الثقافات الإفريقية والثقافة الإسلامية العربية. فهي اسطورة إفريقية. فالغريب الحكيم له ملامح وخصائص وصفات ومميزات. وهو الذي يُحدث التغيير ويحرك الأحداث. كان لـ "الغريب الحكيم" دور جوهري في قيام السلطنات الإسلامية. لقد أشارت بعض المصادر التاريخية السودانية لظاهرة "الغريب الحكيم"، وتناولها كثير من الدراسين والباحثين. فهي ظاهرة ماثلة في الموروث الشعبي السوداني، ومترسبة في وجدان الإنسان السوداني، ولها أثر في تكوينه الوجداني والفكري. لهذا فهي جديرة بتسليط الضوء عليها، وسأتحدث عنها في معرض هذه المقالات لاحقاً.

 

رُسمت الكينونة السياسية للسودان الحالي في نهاية عهد الغزو التركي/ المصري (1821م-1885م). وقبل ذلك عرف الجزء الشمالي منه باسماء عديدة منها: "واوات" و"يام" و"كوش" الذي اشتهر عند المصريين والآشوريين والعبرانيين والأكسوميين، و"تانسي" و"تايسي" و"أثيوبيا" عند اليونان، و"نوباديا" عند الرومان، وهو نفس اسم "بلاد النوبة" الذي أطلقه الجغرافيون العرب على ممالك النوبة المسيحية الثلاث: نوباتيا، المقرة، وعلوة. وعرفت نفس المنطقة بأسماء محلية أخرى مثل: نبة ومروي، وعرفت بعض الأجزاء الواقعة إلى الجنوب بالفونج والفور وتقلي . كان الجغرافيون العرب يطلقون اسم السودان على معظم القارة الأفريقية ولا سيما وسطها... فقد كتبوا عن بلاد السودان، على أنها أقاليم السكان من ذوي البشرة السوداء في القارة الأفريقية... وكانوا يشيرون إلى أن بلاد السودان تقع جغرافياً من جنوب بلاد الملثمين (الطوارق) شمالاً إلى خط الإستواء جنوباً، ومن البحر المحيط غرباً إلى نهر النيل شرقاً أو إلى البحر الأحمر .

 

عندما جاء الغزو التركي/ المصري (1821م-1885م) قضى على سلطنة الفونج، ورسم الكينونة السياسية للسودان. قام الثائر الوطني الإمام محمد أحمد بن عبدالله المهدي (1844م-1885م)، بثورة استطاعت أن توحد أهل السودان لأول مرة. أنجزت الثورة التحرر الوطني، ولكنها أخفقت في تحقيق مشروعها وفي التمدد الخارجي. عاد المستعمر ثانية في حلة جديدة قوامها الحكم الثنائي البريطاني/ المصري (1898م-1965م)، الذي حكم السودان وفقاً لإتفاقية الحكم الثنائي المبرمة في 19 يناير 1899م، بعد أن قضى على الثورة المهدية عام 1898م. يدخل العهد التركي/ المصري وفترة الحكم الثنائي البريطاني/ المصري ضمن محور دور القوى الإستعمارية الذي أشرت له في مدخل الحلقة، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.

 

بهذا الإرث الحضاري الضخم دخل السودان القرن العشرين، وهو تحت الحكم الثنائي الإنجليزي/ المصري. استقبل انسان السودان بواكير القرن العشرين، بمناخ الهزيمة، هزيمة الثورة المهدية، وبحالة انفصال عن إرثه الحضاري في كرمة وكوش والممالك النوبية، وباضطرب وجداني وفكري في علاقته بإرثه الحضاري في سلطنة الفونج. فسنار التي قامت على التصوف والإسلام الشعبي المتداخل مع المروثات والمعتقدات والشرائع المحلية ...إلخ، سقطت أمام الغزو التركي المصري. كان سقوط سنار إيذاناً بالاضطراب الحضاري وبداية الارتباك في المسار الطبيعي لحركة تطور المجتمع السوداني. لقد أدخل الغزو التركي المصري المؤسسة الفقية الرسمية واللغة العربية الفصحى والشريعة والنظم الأزهرية وحول القِبلة الفكرية والثقافية إلى القاهرة. أدى كل ذلك إلى تغيير المزاج الديني والفكري. وعندما جاء البريطانيون عززوا دور الفقهاء والعلماء على حساب المتصوفة. وعندما أنشأوا المدارس والكليات والمعاهد التعليمية الحديثه في السنوات الأولى من القرن العشرين، دخلها أبناء السودان وهم في حالة إنفصال عن إرثهم الحضاري البعيد، وفي حالة اضطراب في إرثهم الحضاري القريب. كما كانت الجرعات التعليمية التي قدمتها تلك المؤسسات التعليمية الحديثة تهدف إلى خدمة المستعمر في الوظائف الفنية والكتابية، ولم يكن من ضمن متبغاها صناعة القادة والمفكرين والمبدعين.

 

كان الانفصال والاضطراب الحضاري إلى جانب نوع التعليم، من أهم العوامل التي تحكمت في التكوين المعرفي والفكري لدى طلائع المتعلمين، الذين أصبحوا فيما بعد صُناع القرار ومحددي مسار الشعوب السودانية. إن التكوين المعرفي والفكري إذا لم ينسجم بعمق مع الإرث الحضاري، فإنه لا يحقق الوعي بالذاتية، بل يدهور صحة الوعي والعقول والفهوم ويؤدي إلى التغييب والتضليل، ويقود إلى الصراع. ويكون من العسير في ظل التعليم المنفصل عن الإرث الحضاري –كما هو الحال منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا- انتاج عقول قادرة على تقديم مبادرات تخدم التجدد والتقدم وتبعث بالحيوية في جسم المجتمع. وبالتالي لا يتوقع منه صناعة قيادات راشدة للشعوب، أو تحقيق حالة من التجاوب والتفاعل بين المتعلمين والجماهير، وتبقى المبادرات الإبداعية جهود فردية عبر التعلُم الذاتي، مصيرها دوماً الرفض والحرب من قبل المجتمع. على الرغم من كل ذلك فقد بذل طلائع المتعلمين جهوداً عظيمة من أجل الوطن والمجتمع، وتميز الكثيرون منهم في تخصصات مختلفة، وكان بعضهم من أصحاب الطاقات الإبداعية الهائلة في مختلف المجالات. أود الإشارة إلى أن حديثي لا يهدف إلى المحاكمة أو التجريم لطلائع المتعلمين، وإنما ينصب على استنطاق الأحداث ودراسة العوامل والظروف التي صاحبت تكوينهم الفكري والمعرفي، ونقد ذلك بما يخدم الحاضر والمستقبل. وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً. أقف هنا، وفي يوم الخميس القادم أُتابع الحديث.

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 27 مايو 2010م)

الهوامش

Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]