قراءة في مسار السودان السياسي

 

 

(لا ندعو لمحاكمة الماضي بل نلح على قراءته بوعي نقدي يستنطق الأحداث بهدف سبر أغوار المجتمع للتعرف على القيم التي تمتلكه، والمفاهيم التي سيطرت عليه)  الدكتور منصور خالد

 

كان مهرجان تكوين الأحزاب في منتصف أربعينات القرن الماضي، هو لحظة من لحظات البناء للجدارات العازلة بين الثقافات السودانية. وهي لحظة لا تسعف في تحقيق الوحدة الوطنية، وبناء الأمة السودانية. يجب الاعتراف بذلك، ويجب إعادة القراءة والنقد لذلك. لقد كانت الأحزاب التي نشأت تعبر بوعي قاصر عن السودان الشمالي وثقافته، دعك من أجزاء السودان الأخرى. لا شك أن سياسات الإدارة الإستعمارية -على اختلاف مراحلها- كان لها دوراً كبيراً في تهيئة ذلك المناخ، مثلاً، عندما أصدر الحاكم العام في مجلسه قانوناً بإنشاء مجلس استشاري لشمال السودان وذلك في سبتمبر 1943م. واجه ذلك المجلس نقداً باعتباره قد أقصى الجنوب. يقول البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م): (حاول السكرتير الإداري بوصفه الناطق الرسمي للإدارة البريطانية الإجابة عما وجه من نقد للمجلس الإستشاري وإزالة المخاوف التي ساورت الناس. في حديث ألقاه من إذاعة أم درمان قائلاً: إن الأسباب التي جعلت هذا المجلس يقتصر على مديريات الشمال الست قامت على إعتبارات عملية وليس على إعتبارات سياسية. ويمكن القول ببساطة إن السودانيين الجنوبيين، لأسباب تاريخية وطبيعية، لم يصلوا بعد درجة من الاستنارة والانسجام تمكنهم من إرسال مندوبين أكفاء لمجلس من هذا النوع. كما أن ليس هناك سوداني من أبناء الشمال يستطيع أن يدعي بحق أن بمقدوره أن يمثل أبناء الجنوب) . أيضاً، كانت السياسات التعليمية التي اتبعتها الإدارة الإستعمارية، إلى جانب تقديمها لغير المتعلمين لتولي القيادة، وسعيها لغرس التنافس المحموم بين الطوائف الدينية، قد هيأت لمناخ إنفصالي مبكر بين الشمال والجنوب. صاحب ذلك سيطرة الكبار من القيادات الطائفية والدينية على مقاليد الأمور، الأمر الذي جعل المتعلمين الشباب بعيدين عن مراكز القيادة والقرار. وكل تلك القضايا لازال يعاني منها السودان إلى يومنا هذا. لم تجد هذ القضايا النقد الكافي، والمعالجات التي تسهم في غربلة المفاهيم وتصحيح المسارات، بل ظلت تلك القضايا والأوضاع في الاستمرار والتمدد بأسوأ مما كانت عليه.

 

لقد خضع تكوين الأحزاب للصراع المحموم بين الطائفتين الدينيتين "الختمية" و "الأنصار" وبين زعيميهما، وهو صراع غرسته الإدارة الإستعمارية، وأصبح فيما بعد سمة الممارسة السياسية السودانية. تسرب ذلك الصراع إلى عقول المثقفين ونفوسهم، وتحكم في حياتهم ومساهماتهم، وقد أصبحوا فيما بعد قادة السودان وصُناع قراره. كان الإطار الفكري للأحزاب التي تكونت لا يعبر عن تاريخ السودان ولا يستوعب خريطة واقعه الثقافي، وإنما كان يتناغم مع الإطار الفكري للطائفية، ويساير السياسات الإستعمارية، إلى جانب انسجامه مع فكر المثقفين وتكوينهم المعرفي. لقد كان قوام التكوين المعرفي للمثقفين، هو التعليم الذي وضعته الإدارة الاستعمارية، والتثقيف الذاتي في جماعات القراء في الأحياء والجمعيات الأدبية. كان التعليم يهدف لخدمة مصالح الإدارة الإستعمارية، الكتابية والفنية، ولا يخدم المهام القيادية المستقبلية، قال الأستاذ عبدالرحمن محمد مقتبساً حديث بازل ديفيدسون: ((إنه في أغلب الحالات في المستعمرات "فإن التعليم كان من أجل تثبيت الأمر الواقع، والأمر الواقع الاستعماري على وجه التحديد"... وأن نفوذ من احتلوا المواقع استمر "لأن المكاتب التي جلسوا عليها، هي نفسها المكاتب القديمة، وكذلك الملفات التي يعملون عليها، فقد تغيّر الحكام ولم تتغير مؤسسات الحكومة الكولونيالية")) . أيضاً، عَبّر السير جيمس روبرتسون، آخر سكرتير إداري في السودان عن طبيعة علاقة الإدارة الإستعمارية بالمتعلمين، وعن ظروف تهيئتهم لمهام المستقبل، قائلاً: ((إن النظرة للسودانيين المتعلمين كانت ملأى بالشك، ولم يكن يسمح لهم بالتعبير عن أفكارهم، كما لم يهيأوا لمهام مستقبلية...)) .

 

كان التنافس المحموم بين الطوائف الدينية الذي صاحب مرحلة تكوين الأحزاب، وحالة الصراع والمؤامرات والاستقطاب الحاد، الذي تبع ذلك، قد أسس للصراع العنيف في الممارسة السياسية السودانية منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. وقد تأجج ذلك الصراع حينما دخلت النظريات (الشيوعية –وهي الأسبق- والأخوان المسلمون، والبعثيون). إن الصراع والتنافس المحموم الذي صاحب مهرجان تكوين الأحزاب، وزاد بعد مجئ النظريات، قد أسهم في تغيب الكثير من القيم والفضائل، لاسيما فضائل الإعتذار والإعتراف بالأخطاء، وهي فضائل تكاد تكون معدومة في الممارسة السياسية السودانية، وكان يمكن تكون ثقافة سائدة. لم يعتذر قائد واحد عن خطأ أو أعترف قائد واحد بخطأ، وتاريخنا السياسي منذ الاستقلال حتى يومنا هذا كله أخطاء. فنحن في حاجة إلى الإعترافات والإعتذارات لتصحيح المسارات.

 

كانت النظريات أكثر ضرراً على الصحة السياسية في السودان، فقد زادت من حدة الصراع وعنفه، ووجهته في وجهة أشد قسوة، كما بددت الطاقات والإمكانيات. لقد وجدت النظريات (الشيوعية –وهي الأسبق- والأخوان المسلمون، والبعثيون)، ذلك الإرث من الصراع السياسي، والترحيب من المثقفين وحماسهم الوافر لها، مع الإطمئنان إلى القناعات الفكرية التي طرحتها تلك النظريات. سعت النظريات إلى الاستعانة بالقوات المسلحة أو دعم انقلاباتها وتبادلت الأدوار في ذلك، من أجل تحقيق برامجها، ورؤاها الثورية من أجل التغيير. ونتيجة لحماس المثقفين الوافر للنظريات، وإرث الصراع المتراكم، والطمأنينة إلى القناعات الفكرية، والرغبة المتعجله في التغيير، أخذ ذلك الصراع يتحكم في مسار السودان وشعوبه حتى يومنا هذا.. ظل المثقفون رهينة لصراع النظريات، الأمر الذي أوجد حواجز كثيفة بينهم، وعاق فرص تعارفهم وتحاورهم، وإكتشاف بعضهم بعضاً. أيضاً، كان صراع النظريات، السبب الأساس في ضعف مساهماتهم، وهدر طاقاتهم، وتبديد جهودهم، وغيابهم عن الواقع واحتياجاته. أكثر من ذلك، لقد فقدت شعوب السودان من جراء ذلك الصراع العقيم –الذي بدأ منذ مهرجان تكون الأحزاب، وتعمق مع دخول النظريات- خيار أبنائها، وعظام قادتها ومفكريها. أيضاً، أدى ذلك الصراع -ولا زال- إلى تدمير المؤسسات ذات العائد التنموي (مشروع الجزيرة، النقل النهري، هيئة السكك الحديد...إلخ)، وتخريب الموروثات الثقافية، والتشويه لتاريخ السودان وإنسانه.

 

الشاهد أن طاقم الحكم في السودان منذ الاستقلال 1956م، حتى يومنا هذا 2010م، مدنيون وعسكريون، أصحاب النظريات وغيرهم، لم يستطع أن يحافظ -دعك من الانجازات- على ما حققه ثلاثمائة بريطاني حكموا السودان فترة تكاد تكون مساوية لفترة الحكم الوطني وهي من 1898م حتى 1954م. خرج القادة البريطانون ومشروع الجزيرة في أقصى طاقته الإنتاجيه، والقطارات تربط أطراف البلاد، وتسير بالدقيقة، والنقل النهري في تطور ونماء، ومؤسسة البريد موضع ثقة، والنظافة والنظام ثقافة عامة، والإنضباط سلوك طبيعي حتى لدى الأميين. كانت حركة القادة البريطانيين في ربوع السودان بالجمال والحصين، وكان الواقع أكثر تخلفاً مما هو عليه الآن، والأمية أكثر انتشاراً، برغم ذلك تم الانجاز وترسخت ثقافة الانضباط والنظام. إن الأمر في أسه يتعلق بالقيادات، أكثر مما يتعلق بالواقع. إن قياداتنا منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، هي قيادات دون مستوى عبقرية أرض السودان، وثقافاتها وإنسانها. كانوا ولا زالوا فاقدي الحكمة والحنكة ولم يكونوا من أصحاب القامات السوامق. فالقيادات التي لا تستطيع المحافظة على الانجازات التنموية، دعك من تحقيقها، لا يتوقع منها بناء السلام والاستقرار في مجتمعات التنوع الثقافي. إن إدارة مجتمعات التنوع الثقافي، تطلب قيادات، ذات تأهيل عالي، من حيث العمق المعرفي، والحكمة، والدراية بالواقع والتاريخ. كما يجب أن تكون معاني العدل والحرية والآخر هي أساس  البناء الفكري والمعرفي لدى القادة في مجتمعات التنوع الثقافي.

 

إن تأهيل القيادات وبناء القدرات القيادية لم يكن من أولويات الأحزاب السياسية، أو الحكومات العسكرية التي قامت، كما لم يكن من ضمن السياسات التعليمية. بل أن الأحزاب والحكومات العسكرية فتحت الباب على مصراعيه، ليتولى القيادة من هم دون القامات القيادية، من حيث ضعف التعليم وتدني المهارات القيادية. بل أضحى الأمر كما هو حادث الآن، أن عامة الناس أكثر وعياً وحكمة من قيادات الكثير من المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية. إن معضلة تدريب القيادات وتنظيمها، معضلة قديمة. كان الأستاذ أحمد خير المحامي (حوالي 1905م-1995م) قد طرح في محاضرته الشهيرة "واجبنا السياسي: مؤتمر الخريجين"، وقد نُشرت في مجلة الفجر، العدد 6، مجلد 3، 16 مايو 1937م، تساؤلاً لازال قائماً، قال وهو يتحدث عن السوداني المسؤول: (لِم سمح لنفسه بالتفكير في كل شئ وقد عمل الجليل وشاد العظيم من الأسس، إلا تدريب الصفوف وتنظيم القيادة،...) .

 

أقفز من هذا المحور، إلى محور تشظي الأحزاب، ذلك، لأني سأتناول موضوع الصراع وصناعة القيادات ضمن سلسة مقالاتي القادمة وهي بعنوان: "المثقفون: المزاج الصفوي والصراع العقيم".

 

مهرجان تشظي الأحزاب

 

        إن ظاهرة التشظي والانقسامات في الأحزاب السودانية، ليست ظاهرة جديدة، فهي ظاهرة قديمة، وكانت مستمرة، ولكن بلغت مداها في نهاية القرن العشرين ومع قيام الإنقلاب العسكري عام 1989م. كان تشظي الأحزاب مهرجاناً، نجد فيه أكثر الأحزاب تماسكاً قد تشظى إلى أربعة أو خمسة أحزاب وربما أكثر. بما في ذلك الحزب الحاكم آنذاك "الجبهة الإسلامية القومية"، حزب المؤتمر الوطني حالياً، والأحزاب الأخرى التي خرجت من مظلة الجبهة الإسلامية القومية.

       

        لقد نُظمت بعض الملتقيات والندوات، وهي قليلة، قياساً بحجم المصيبة، لدراسة ظاهرة الإنقسامات والتشظي في الأحزاب. كان من بين هذه الملتقيات، منبر "ما بين الصحافة والسياسة"  الذي نظمته صحيفة الصحافة، قبل سنين، وتناول ظاهرة تشظي الاحزاب السياسية بمشاركة عدد من  ممثلي الاحزاب السياسية، والأكاديميين والصحفيين. ذكر الدكتور عطا حسن البطحاني، رئيس شعبة العلوم السياسية، جامعة الخرطوم، أن أهم الاسباب التي تؤدي الى الانقسامات داخل الاحزاب هي:

 

1. عامل يرجع الى البيئة السياسية، واعني بذلك عدم اكتمال الدورة الديمقراطية في الحياة السياسية السودانية منذ الاستقلال، وهذا بالطبع أدى الى عدم تقييم أداء هذا أو ذاك عقب الدورة البرلمانية المحددة. مما يراكم اختناقات داخل الحزب، متى ما وجدت الفرصة خرجت للعلن في شكل تيار أو جناح.

2. عدم التوفيق في ادارة الصراع داخل الحزب، وهذا انعكاس لما هو حادث خارج الحزب، فالمجتمع السوداني ما زال في حالة سيولة.

3. تكثيف الصراعات داخل الصفوة والنخب السياسية، فالانشقاق داخل هذه الصفوة غالباً ما يكون انشقاقاً افقياً وليس رأسياً.

 

                كما اشار د. البطحاني الي أنه ليس هناك وصفاً اكاديمياً جاهزاً لظاهرة الانشقاقات.. فقد تكون صحية او غير صحية، لكن يمكننا وصفها بانها حالة تمرد وتململ من جمود وقعود الحزب.

 

           وتحدث الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الامة، وأرجع ظاهرة الإنشقاقات إلى السلطة التي أدمنت إختراق القوى السياسية الاخرى مما كان سبباً من الأسباب التي أدت الى الإنشقاق داخل حزب السلطة. وأضاف قائلاً: لقد عمل النظام على سياسة التمكين، وهي ذات شقين، شق تمكين حزب السلطة، وشق آخر لتمكين تمزيق الاحزاب الاخرى. كما ذكر أن الإنشقاقات جاءت بردة فعل لسياسات الانقاذ في دارفور، تحديداً نتيجة لسياسات الاختراق التي ادمنها النظام. وأشار إلى أن صلاح حال الاحزاب السياسية السودانية في دعم التحول الديمقراطي وبناء اللبنات التي ترسي الديمقراطية مع التوفيق التام والكامل مع السيادة الوطنية.

 

          وتحدث الأستاذ الحاج وراق عن إغفال الطابع الاجتماعي للواقع السوداني. وقد عنى بذلك التطور الاجتماعي الذي أحدثه التعليم بالسودان ومسألة البعد القبلي في الانقسامات وضرب مثالاً بما حدث بالحركة الشعبية لتحرير السودان عند إنقسام النوير والشلك (إنقسام لام أكول- ورياك مشار) وأشار الى دور الانقاذ في عملية «التسميم المعنوي» الذي تبثه وسط الاحزاب. وقال إن هذا البث يبدأ دائماً قبل عملية الاختراق الفعلي للحزب. وأرجع وراق كل هذه الانقسامات - خاصة في عهد الانقاذ- الى حالة الهزيمة التي يعاني منها الكل، وانقلب بعضهم على بعض يتلاومون.

 

وقال عبدالله حسن احمد: إن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الانقسام الشهير بالحركة الاسلامية الذي حدث عام 2000م، هو عدم وجود مناخ صحي للحوار داخل السلطة، فالسلطة في يد العسكر، بالمقابل نجد القيادات التاريخية للحركة الاسلامية في المؤسسات المدنية.

 

           كما عزى متحدثون آخرون ظاهرة تشظي الأحزاب إلى وجود الأنظمة الشمولية والعسكرية الباطشة كنظام عبود ونميري ثم الانقاذ. ونبه البعض إلى ضرورة ربط ظاهرة الانشقاق وحالة الديمقراطية داخل الحزب، فاذا غابت الممارسة الديمقراطية داخل الحزب، فمن الطبيعي ان تحدث انشقاقات داخل ذلك الحزب.

 

      الشاهد، أنه مع منطقية وموضوعية هذه الأسباب جميعها في تشظي الأحزاب؛ إلا أنه لا يمكن دراسة تشظي الأحزاب السودانية، دون استصحاب وتأمل مرحلة تكوين ونشأة هذه الأحزاب. ولا يمكن دراسة ظاهرة تشظى الأحزاب بمعزل عن حالة تنامي الوعي بالذاتية لمختلف الثقافات التي انتظمت البلاد، إلى جانب المعطيات العالمية والوعي المتقدم بحقوق الإنسان. وفوق كل ذلك لا يمكن دراسة ظاهرة التشظي بمعزل عن أزمة القيادات. تلك الأزمة التي يعيشها السودان منذ الإستقلال وحتى يومنا هذا، على مستوى دفة الحكم بمختلف تفرعاته ومراحلة، وعلى مستوى الأحزاب بالطبع.

 

كان تكوين الأحزاب يحمل نواة الإنقسام والتشظي منذ يومه الأول. لقد كان السقف الفكري الذي قامت عليه الأحزاب في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي سقف فكري خفيض. وهو سقف الطائفية، وهو سقف لا يتناسب مع تاريخ السودان الطويل، ولا يقارب واقعه الثقافي المتنوع. لم يكن الإطار الفكري للأحزاب قادراً على الاستيعاب والتمثيل الحقيقي للثقافات السودانية، سوى الثقافة العربية الإسلامية. وبهذا تكون الأحزاب قاصرة عن تحقيق تطلعات أبناء الثقافات المختلفة، وقاصرة في تلبية متطلبات الواقع السوداني. لقد رسبت هذه الأحزاب في أول إمتحان واجهها مع الآخر وهو مفاوضات تقرير المصير الوطني، وهذا قبل أكثر من نصف قرن، فما بالك اليوم. وبهذا يكون مهرجان تكوين الأحزاب السودانية –كما أشرت في الحلقة السابقة- قد بنى جداراً سياسياً عازلاً بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافات السودانية الأخرى. وبالتالي جداراً سياسياً عازلاً بين شعوب السودان من جهة، وبين شعوبه وقادته من جهة أخرى. فهي أحزاب لا تلبي متطلبات الواقع، فحينما تنامي الوعي بالذاتية في أقاليم البلاد المختلفة: الجنوب، دارفور، جبال النوبة، وديار البجة، ...إلخ، لم يجد أهل هذه الأقاليم أنفسهم داخل هذه الأحزاب، فهي لا تمثلهم ولا تعبر عن ثقافاتهم، فخرج من كان في الأحزاب وهو ينتمي لتلك الأقليم والثقافات، ليبحث عن صيغة تعبر عن ثقافته وتلبي إحتياجات ديار إنسانه.

 

أيضاً، لم تكن هذه الأحزاب عند تكوينها من صنع المثقفين، ولا تعبر عن تطلعاتهم، وإنما كان زمام الأمور في مرحلة تكوينها لدى القيادات الطائفية والدينية، فهي تُعبر عن تصورات القيادات الطائفية والدينية، وهي تصورات قاصرة وناقصة من حيث تلبية متطلبات الواقع السوداني ومن حيث تناغمها مع تاريخه. كانت مبادرات المثقفين الفكرية والسياسية، التي جاءت من خارج الإطار الفكري للطائفية، قد واجهت المحاصرة والعداء والحرب العنيفة مما أدى إلى نسفها، ونسف أصحابها، وعلى رأس هؤلاء الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م، وحزبه "الحزب الجمهوري" الذي أنشأه عام 1945م.

 

لقد صاحب تكوين الأحزاب السودانية، التمركز حول الزعيم القائد الأوحد، وظل هذا الوضع سائداً إلى يومنا هذا. وقد تطورت الحياة وتطور العقل البشري، ولم يعد يقبل العقل البشري فكرة القائد مدى الحياة، الذي يمثل مركز الوجود، ومنتهى الأشياء، ومنبع الحكمة، وموضع الثقة الأبدية. لقد ظل القادة في الأحزاب لعقود طويلة كما هم، تحسم الصراعات من أجلهم، وتكبت الأصوات المعارضة والمنافسة لصالحهم، وهذا أمر ينافي منطق التطور الطبيعي للأشياء. تبع ذلك تدرج المطيعين للزعيم في سلم الحزب، حتى ولو كان المطيع من أصحاب التكوين المعرفي الضعيف، والمهارات القيادية المتواضعة، فإنه لا محالة واصل لمراكز القرار والقيادة، الأمر الذي عاد بالوبال والدمار على الحزب والسودان.

 

لا شك أن هذا العوامل التي ذكرتها تنطبق على الأحزاب التي تكونت في منتصف أربعينات القرن الماضي، وينطبق بعضها إلى حد كبير على أحزاب النظريات، وهي الأحزاب التي وفدت مع دخول النظريات الإقليمية والعالمية، وهي الشيوعية، والأخوان المسلون، والبعثيون. وستجد هذه النظريات تناولاً أوسع ضمن سلسة مقالاتي القادمة كما أشرت آنفاً وهي بعنوان: "المثقفون: المزاج الصفوي والصراع العقيم".

 

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الجمعة 14 مايو 2010م)

 

 

الهوامش

 

Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]