قراءة في مسار السودان السياسي

 

 

أماني بناء الأمة وأحلام تحقيق الوحدة:

 

(فلا اختلاف أديانه، ولا اختلاف عاداته، ولا اختلاف شعوبه، ولا اختلاف أجوائه وظروف المعاش فيه بحائلة دون تحقيق الأمنية العذراء). محمد عشري الصديق (1908م-1972م)

 

(هي وحدة تبدو كالخيال ولكنها صخرة صلدة، وتبدو كالحلم ولكنها حقيقة ماثلة، وتبدو كالخرافة ولكنها فكرة عميقة الجذور). مبارك زروق (1914م-1965م)

 

خلاصة الحلقة السابقة:

 

            كان العنوان الفرعي للحلقة السابقة، هو السنوات العجاف وانحراف المسار السياسي، وهي السنوات التي تلت ثورة 1924م، وامتدت حتى قيام مؤتمر الخريجين عام 1938م. كان الشاعر محمد المكي إبراهيم قد وسم أحد فصول كتابه: الفكر السوداني: أصوله وتطوره، بـ "السنوات العجاف"، وأرجع الفضل في نحت الوسم، إلى الدكتور عبدالله على إبراهيم. لقد كان أثر السنوات العجاف عظيماً وخطيراً، فقد ساهمت بقدر كبير -ضمن عوامل أخرى- في انحراف مسار السودان السياسي، ففيها برزت عوامل جديدة وجليلة في السوح السياسية والفكرية. تحكمت تلك العوامل في توجيه الحركة الوطنية السودانية، وأجهضت مبادرات جيل الشباب المتعلم، الذي تخرج في كلية غردون التي افتتحت عام 1902م، والمدرسة الحربية (مدرسة الخرطوم الحربية) التي تأسست عام 1905م، والمعهد العلمي الذي أُنشىء على غرار الأزهر عام 1912م. إلي جانب القلة التي درست في مصر ولبنان. لقد امتصت تلك العوامل الروح الثورية، ورغبة جيل الشباب المتعلم في التغيير، ونسفت فرصه وحقوقه كقادة مستقبل للسودان. امتد تأثير تلك العوامل لتمثّل العناصر الأساسية في السياسية السودانية منذ مرحلة تكوين الأحزاب السودانية منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومرحلة الاستقلال عام 1956م، وحتى يومنا هذا.

 

تبع إخماد ثورة 1924م، التي قادها الشباب من الأفندية، بعيداً عن نفوذ رجال الدين، والقيادات الطائفية، إجراءات متعسفة من الإدارة البريطانية، وتحالف طائفي ضد جيل الشباب المتعلم. لقد احكمت الإدارة البريطانية الطوق على حركة المثقفين، وصدتهم عن دورهم القيادي، وشجعت غير المتعلمين، ودفعت بهم لتقدم الصفوف وتولي القيادة، وقامت بإحياء التنظيمات القبلية كبديل للمثقفين، للاستعانة بهم في حكم البلاد، واتاحت الفرصة لصعود نفوذ القيادات الطائفية، وازدياد ارتباطها بالإدارة البريطانية، وتطور نفوذها الاقتصادي إلى جانب قبضتها الدينية. كما صاحب تلك الإجراءات جو من اللاثقة وحالة من التنافس بين الموظفين والتسابق لاسترضاء الحكام البريطانيين.

 

قادت تلك الإجراءات جيل الشباب المتعلم إلى ابتكار تنظيم جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية، التي انزووا فيها. أدى انزواء المثقفين، على الرغم من فوائد التعلُم الذاتي، إلى نمو المزاج الصفوي، والانقطاع عن الواقع والجماهير، إلى جانب التمسك بالتراث العربي، باعتباره يمثل عملاً لمقاومة الاتجاه الاستعماري لهدم اللغة العربية وآدابها في السودان، تبعه صراع بين أعضاء الجماعات والجمعيات حول مفهوم الهوية والذاتية السودانية. انتصر في ذلك الصراع الطرح العروبي الاسلامي، وتمكَّن في فكر مناصريه من أعضاء جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية، الذين أصبحوا فيما بعد قادة السودان بعد الاستقلال عام 1956م. مع نفوذ الطرح العروبي الإسلامي إلى فكر جيل الشباب المتعلم، الذين أصبحوا فيما بعد صُناع القرار، وبعد دخول الطوائف الدينية في المعترك السياسي، تراجعت معاني القومية السودانية، وتعثرت خطوات بناء الأمة، بل لم يعد بناء الأمة السودانية من الأولويات في فكر صُناع القرار، منذ ذلك الوقت، حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير عام 2005م. لقد كانت اتفاقية السلام الشامل انجازاً عظيماً وجليلاً، يستحق الاحتفاء والفرح. فقد أوقفت حمامات الدماء، وأنهت حالة من الاضطراب السياسي استمرت نحو خمسين عاماً، وأعادت أطروحات بناء الأمة السودانية، والاعتراف بالآخر، وبعثت بالأمل من جديد، في إمكانية تحقيق وحدة السودان على أسس التنوع الثقافي. كان يمكن فوق تنفيذ بنودها، أن تمثل أنسب اللحظات التاريخية والإنسانية، لإجراء مراجعات شاملة، بنقد ذاتي، وتقييم علمي، لتصحيح مسار السودان، بما يخدم إنسانه ومستقبله، من دون تجريم لصفحات تاريخ السودان أو ثقافاته، أو لصُناع أحداثه أو قراراته منذ استقلاله عام 1956م. ولكن إذا ما تأملنا تاريخ السودان، منذ ألوف السنين، نجد أنه كلما بادرت عبقرية انسانه، بمبادرات تُهيئ له المسار السليم والصحيح، من أجل التغيير والانطلاق، ردعته الأقدار بما يكبح جماح انطلاقه، ويجمد حركة التغيير فيه، ويصد نِعم التنمية والسلام والاستقرار عن شعوبه. نأمل أن يرتفع القادة إلى مصاف تطلعات شعوب السودان، وأن يُؤتوا الحكمة فيما تبقى من عمر لتنفيذ الاتفاقية بما يحقق الوحدة، فوحدة السودان حق تاريخي، وأرث جماعي لأجيال المستقبل.

 

التحالف الطائفي ضد جيل الشباب المتعلم

 

لا ندعو لمحاكمة الماضي بل نلح على قراءته بوعي نقدي يستنطق الأحداث بهدف سبر أغوار المجتمع للتعرف على القيم التي تمتلكه، والمفاهيم التي سيطرت عليه . الدكتور منصور خالد

 

خرجت القيادات الطائفية من درس ثورة 1924م، الذي خُطط ونُفذ بدون مباركتهم، ومشاركتهم، بأن جيل الشباب المتعلم الذي لم يحفلوا به كثيراً، قد اختار طريق الثورة، وهو جيل يمثل المستقبل وقادته، وتفاجأوا بأن هذا الجيل لم يعد مثل آبائه في ولائه وطاعته لقادة الطوائف الدينية. أورد الدكتور محمد سعيد القدال رأى السيد عبدالرحمن المهدي (1885م-1959م) في ثورة 1924م، قال السيد عبدالرحمن المهدي: (وإنني وإن كنت أكبر صفات الرجولة والصبر التي امتاز بها أعضاء جمعية اللواء الأبيض إلا أنني لا اعتبر حركة 1924م ممثلة للمطالب الحقيقة لشعب السودان)  .

 

كان من أهم ما يميز ثورة 1924م، أن الدين لم يكن أحد مقوماتها، ولم يشكل عنصراً من عناصر دعوتها، أو مرتكزاً يجمع بين أعضائها، يقول الدكتور حسن عابدين في كتابه: فجر الحركة الوطنية: (لم تبن جمعية الاتحاد السوداني ولا جمعية اللواء الأبيض معارضتها للحكم الاستعماري على أساس ديني، كما لم تتضمن برامجهم ودعاياتهم إلا نذراً يسيراً من التذمر الديني بالمقارنة مع تركيزهم على المظالم السياسية والإقتصادية. فمقال "مطالب الأمة" –على سبيل المثال- الذي كتبه على عبداللطيف عام 1922م ركز على نقد سياسات الحكومة التعليمية والإقتصادية، وفي أغسطس عام 1924م ذكر الحاكم العام بالإنابة أنه لأمر يدعو للدهشة أن تعم الأفكار الوطنية كل مكان. فبالرغم من أن جمعية اللواء الأبيض كانت مستعدة لاستغلال التطرف الديني من وقت لآخر، إلا أن الدين لم يكن يشكل عنصراً أساسياً في دعوتهم) .

 

واجه جيل الشباب المتعلم بالإضافة للسياسات المتعسفة التي اتخذتها الإدارة الاستعمارية بعد ثورة 1924م، تحالف الطوائف الدينية ضده، يقول البروفسير عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، في دراسته "الدين والسياسة ونشأة وتطور الختمية والأنصار" التي نُشرت عام 1970م، وضمنها لاحقاً في كتابه: جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في أفريقيا، الذي نشره مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، بجامعة أم درمان الأهلية، عام 2005م، قائلاً: (غير ان الظروف آنذاك فرضت نوعاً من التحالف العملي بين جماعتي "الختمية" و"الأنصار" وجماعة الشريف يوسف الهندي وبين حكومة السودان. كان يجمع بين هؤلاء سياسة الانجليز الداخلية والخارجية ثم موقف الجميع من طبقة المثقفين التي اخذت تظهر ويشتد ساعدها فيقوى نفوذها في المدن ويمس ما يقرب منها من الأرياف، وتتبلور اتجاهاتها السياسية المعادية للاستعمار وتتحدد مواقفها الاجتماعية المعادية للطائفية والقبلية وحكم المشايخ... هذا بينما انعكست مواقف طلائع المثفين الوطنيين وافكارهم في "جمعية اللواء الأبيض" و "ثورة عام 1924م" وما بدأ واضحاً من الصلة بين رواد الحركة الوطنية في السودان وأشقائهم بمصر بعد ثورة 1919م المصرية) .

 

رسم حلف الطوائف ضد المثقفين -وهو حلف كان أعضاؤه في حالة منافسة مستمرة وصراع دائم، نادراً ما يتحالف أو يتفق، ولكنه في مواجهة المتعليمين تسنى له الاتفاق والتحالف- سيناريوهات مختلفة ومتعددة لاحتواءه الشباب المتعلم، واستقطابه، وتحجيمه، وإرجاعه إلى الصفوف الخلفية، فهو ليس صاحب حق في قيادة السودان. فقيادة السودان هي للكبار، يقول البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م): (كانت الثورة ثورة شبان متعلمين، وقد وقفوا منعزلين عن القيادات المؤثرة اجتماعياً. وكان الكبار ضدهم، وكان نصيبهم الفشل، وان كانوا قد أثاروا النفوس ووضعوا المثال للمجاهدين. وفي الأربعينات والخمسينات كانت الحركة شاملة وتستند على نفوذ الطوائف وتجد مؤازرتها) .

 

مثَّل إضراب الطلبة- طلبة كلية غردون عام 1931م، نقطة البداية لنشاط الطائفية الاستقطابي. نتج عن إضراب الطلبة، تدخل القيادات الطائفية، الذي أدى إلى إنهاء الإضراب. وتبع ذلك استقطاب حاد ومستمر للمثقفين من قبل القيادات الطائفية، الأمر الذي جعل المخابرات البريطانية عام 1934م –كما ذكرنا في الحلقة السابقة- تصف السيد عبدالرحمن المهدي بأنه الزعيم السياسي "لطبقة الخريجين".

 

الطائفية وتجميد حركة التغيير

 

 كانت الطائفية، إحدى أدوات الإدارة الاستعمارية في إحداث الجلبة والصراعات والمؤامرات. كما مثَّلت أحد أهم عوامل تجميد حركة التغيير في السودان، لقد كانت الطائفية المزرعة لتجارب المستعمر في تشجيع المنافسة والصراع بين زعمائها. تلك المنافسة التي استجابت لها القيادات الطائفية، وتفاعلت معها، في سبيل كسب ود المستعمر، وتحقيق الانتصارات الآنية والذاتية الضيقة، مما أسس لفكرة المؤامرات والصراعات في الممارسات السياسة السودانية، وغدت المعطى الأساس في مسار السودان، يقول الأستاذ عبدالرحمن محمد في كتابه السودان: الوحدة أم التمزق: ((وفي حقيقة الأمر فإن الميراث البريطاني الإداري لم يشفع للسودانيين لمواصلة الحكم بفاعلية، وكما حدث في الهند فلقد أرسو دعائم حكم القانون، ولكن، ورغم المظهر الخارجي، كما قال نهرو "جمدوا حركة التغيير")). ويبدو أن السير جيمس روبرتسون، آخر سكرتير إداري في السودان، كانت له وجهة نظر مماثلة حين قال: ((... إنهم كحكام شجعوا على التنافس المحموم بين الطائفتين الدينيتين وزعيميهما، وهي سياسة يعترف بآثارها السلبية على السياسة السودانية)) .

 

 كان الوضع الطبيعي أن يكون جيل الشباب المتعلم، صاحب المبادرات، وصاحب الحق في القيادة المستقلبية للسودان، ولكن شهدت السنوات العجاف صعود القيادات الطائفية وزيادة نفوذها الديني والإقتصادي، وتوليها لزمام الأمور. وعلى الرغم من ذلك لم يركن المثقفون إلى ما آل إليه الحال، بل سعوا سعياً حثيثاً لإنتزاع القيادة من القيادات الدينية، يقول الأستاذ أحمد خير المحامي (1903م-1995م): (بدأ الجيل الحديث في السودان يشعر بكيان مستقل في المجتمع السوداني وانحصر جهده وجهاده لبضع سنوات في تحقيق غرض واحد وهو محاولة انتزاع أزمَّة القيادة الشعبية من الزعماء الدينيين... واعتمدوا في نضالهم على سلاح المنطق والجدل العقلي. وكانوا ينادون بتحرير الفكر وانطلاقه من قيود العادات ورواسب التقاليد الفاسدة وأوهام الخرافة التي ليست من الدين في شئ) .

 

شهدت مجلتا "النهضة السودانية"، و"الفجر"، كتابات جيل الشباب المتعلم، وقد عبر بعضها عن تطلعاته وأشواقه، وموقفه من القيادات الدينية والطائفية. صدرت "مجلة النهضة السودانية" في أوائل الثلاثينيات لمؤسسها ورئيس تحريرها محمد عباس أبو الريش، وصدر عددها الأول في يوم 4 أكتوبر 1931م، وتوقفت عن الصدور في شهر ديسمبر عام 1932م. وصدرت "مجلة الفجر" في مجموعتين، الأولى، وكان رئيس التحرير عرفات محمد عبدالله (1897م-1936م)، خلال الفترة من  يونيو 1934م إلى أكتوبر 1935م. أما المجموعة الثانية فكانت خلال الفترة من 1/3/1937م إلى 6/8/1939م، وآلت رئاسة التحرير فيها للأستاذ أحمد يوسف هاشم (1906م– 1958م)، بعد أن توفى عرفات محمد عبدالله (1897م-1936م) في عام 1936م .

 

كان موقف جيل الشباب المتعلم من القيادات الدينية والطائفية، حاضراً في كتاباتهم، فقد جاء في "مجلة الفجر" في غرة يونيو عام 1937م، في باب حديث الفجر، وتحت عنوان: الحزبية:

(للسيدين منا التجلة والاحترام ولكن مصلحة البلاد عندنا فوق مصلحة الأفراد، ولهذا نتقدم للسيدين بهذا الرجاء النهائي وننتظر منهما الجواب: لقد سئمت البلاد هذه الحزبية غير الموجهة وقد مضت أيام الزعامة الدينية التي ترتكن على الاتباع من الدهماء الذين يرجون ثواب الآخرة من غير الله، والشباب يريد منكما واحدة من ثلاث:

 

(1) أن تعودا إلى ماضيكما وتكونا رجال دين لاهم لكما إلا العبادة وأن يأتي إلى زيارتكما من يؤمن في صلاحكما ويريد التقرب بكما إلى الله وأن تهدياه سواء السبيل وبهذا تبتعدان عن ميدان الخدمة العامة فيستطيع الشباب أن يعمل لصالح بلاده وفق ما يريد دون أن يصطدم بكما أو

 

(2) أن توحدا صفوفكما وتنبذا هذه الحزبية وتعملا في صف واحد ويشد ازركما الشباب المثقف حتى تعملا الخير للبلاد.

 

(3) وان أبيتما إلا الحزبية فنرجو منكما أن تخلعا عنكما مسوح الدين وأن تكونا زعيمي أحزاب سياسية واجتماعية وعند ذلك نرجو منكما أن تصدرا للناس برامجكما السياسية والاجتماعية لينضوي تحت لواء أحد الحزبين من يؤمن في برامجه وينضوي تحت لواء الثاني من توافقه برامج الثاني. ونطلب منكما أن تخرجا للناس على أعمدة الصحف ومنابر الخطابة، وبهذا يستطيع أن يزاحمكما على الزعامة من يجد في نفسه الكفاءة لذلك.

 

هذا ما نطلبه منكما فإذا اجبتما سؤالنا كنتما عند حسن ظننا بكما وإن ابيتما إلا التمادي في هذه الحالة الراهنة فليس أمامنا إلا أن نعمل ما نراه في صالح البلاد) .

 

            كانت الطائفية قد تمكنت، وترسخت، لذا لم يستطع الجيل الحديث انتزاع القيادة من زعمائها، ولم تستمر مواجهته لها، بل نجحت القيادات الطائفية في احتواء الجيل الحديث واستقطابه، وتحجيمه، الأمر الذي أدي إلى اجهاض مبادراته، وتكبيله بالقيود الدينية، وبالتالي تجميد حركة التغيير في المجتمع، يقول الدكتور النور حمد في كتابه: مهارب المبدعين: قراءة في السير والنصوص والأدبية، الذي صدر حديثاً من دار مدارك للنشر، عام 2010م، متحدثاً عن الطائفية قائلاً: (كانت بحكم تمترسها في خندق الموروث الديني المكبل، قد حددت سقفاً خفيضاً لنمو الحياة السودانية. قاد الخريجون الأوائل حراك مناهضة الاستعمار، ولكن الطائفية هي التي جنت، في عقود قليلة، وبلا جهد يذكر، وبلا استحقاق يذكر، ثمار جهود أولئك الخريجين. ابتلعت الطائفية طاقات الجيل الأول من الخريجين، بعد أن وضعتهم تحت جناحها... أسهم طلائع الخريجين الذين اختاروا مركب الطائفية، في تكبيل انطلاقة البلاد نحو أفق الحداثة، ونحو ارتياد معارك تجديد التراث وإحيائه، وغربلته، وإعادة صياغته وتوجيهه في الوجهة التي تخدم صورة المستقبل، لا في وجهة تركه على ما هو عليه، ومن ثم حبس البلاد والعباد في دوامة النكوص والتراجع، التي وسمت عقود ما بعد الاستقلال) .

 

كانت الطائفية السبب الأساس في تراجع الوعي القومي، وامتصاص الروح الثورية، وانحراف المسار السياسي للسودان عن وضعه الطبيعي، ففي فبراير 1938م، بدأ تجمع الوعي القومي مرة ثانية عند انعقاد "مؤتمر الخريجين" -كما أشار الشاعر محمد المكي إبراهيم-. كان قيام المؤتمر بعد توقيع اتفاقية 1936م، ومع نشوء الحرب العالمية 1939م-1945م، قد شكل مرحلة جديدة في تطور الحركة الوطنية السودانية. لقد خرجت منه مذكرة الخريجين عام 1942م التي طالبت الإدارة البريطانية بحق تقرير المصير بعد الحرب. ولكن سرعان ما برز انقسام الخريجين، وصراعاتهم، ودخل النفوذ الطائفي والديني بثقله، ليبعثر تجمع الوعي القومي، مرة ثانية، يقول البروفسير البيلي: (كان "مؤتمر الخريجين" يتبلور نشاطه الاجتماعي اسماً لتتشكل اتجاهات الخريجين السياسية والتي برزت عند ظهور الأحزاب في جماعتي "الوحدويين" و "الاستقلاليين". كانت الحركة السياسية الوطنية السودانية تعكس إلى حد بعيد التطورات السياسية العالمية في دول العالم الثالث في مواجهتها لمعسكر الاستعمار. ولكن سرعان ما انفرط عقد وحدة الخريجين بعد ذلك. واخذ النفوذ الديني المتمثل في "الختمية" و "الانصار" يتخذ الموقف المناسب له مع ما يناسبه من أحزاب... ومنذ عام 1944م تظهر الاحزاب، "الاشقاء" عام 1944م، حزب "الأمة" عام 1945 وحول هذين تبلورت الحركة السياسية الوحدوية والاستقلالية) .

 

الشاهد أنه برغم الإرث النضالي لثورة 1924م، وما أحدثته من تغيير وصدى، لم تكن جمعية اللواء الأبيض حاضرة كحزب سياسي في مهرجان تكوين الأحزاب السودانية –كما سماه الدكتور محمد سعيد القدال- في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، ويعود ذلك لأسباب مختلفة نتناولها ضمن الحلقة القادمة. أقف هنا، وأود تنبيه القارئ الكريم إلى أن خطتي لهذه المقال، كانت تقوم على هيكلته في خمس حلقات، ولكنها الآن ستكون سبع حلقات. وفي يوم الخميس القادم أتابع حديثي حول: الأحزاب -حيث الأسْوأ مثل الأفضل-: من مهرجان التكوين إلى مهرجان التشظي.

 

 (نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 29/4/2010م)

عبدالله الفكي البشير

الهوامش

Abdalla El Bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]