قراءة في مسار السودان السياسي

 

أماني بناء الأمة وأحلام تحقيق الوحدة:

 

(فلا اختلاف أديانه، ولا اختلاف عاداته، ولا اختلاف شعوبه، ولا اختلاف أجوائه وظروف المعاش فيه بحائلة دون تحقيق الأمنية العذراء) . محمد عشري الصديق (1908م-1972م)

 

(هي وحدة تبدو كالخيال ولكنها صخرة صلدة، وتبدو كالحلم ولكنها حقيقة ماثلة، وتبدو كالخرافة ولكنها فكرة عميقة الجذور) . مبارك زروق (1914م-1965م)

 

في الحلقة السابقة، استنطقت بعض المصادر والمراجع المكتوبة، ونسجت مما جاء فيها قولي: إن التنوع الثقافي يتضمن بالضرورة التنوع الديني واللغوي والعرقي.. ويعني مفهوماً يتطابق مع مصطلح التعدد الثقافي ويشتمل بداهة على تنوع وتعدد معطيات الثقافة. ففي السودان توجد، إلى جانب العربية، ممثلات لكل المجموعات اللغوية الأفريقية الكبيرة، عدا لغات الخويسان (الكويسان/ الخوسان/ الكوسا) في جنوب أفريقيا، وقد آوى السودان منذ مطلع التاريخ، أعراقاً مختلفة من البشر كانت مصدراً للتنوع الثقافي. كما كان موطناً للمعتقدات الإفريقية، وهي أقدم الأديان فيه، ثم المسيحية والإسلام. ولا زال السودان يزداد تنوعاً يوماً بعد يوم. وقلت إنه تبعاً لمسار السودان الذي حدده القادة (مدنيون وعسكريون) منذ الاستقلال، بمعزل عن الواقع والتاريخ، ونتيجة للسياسات التعليمية والثقافية، ظللنا مُضَللين في خريطة ثقافاتنا، ومُغَيبين عن تاريخنا، وجاهلين بإرثنا الحضاري. وأشرت إلى تكرار الأخطاء في مسار السودان. وقلت إن هناك حاجة لتصحيح السياسات حتى تتغير النتائج. وذكرت أن وضع السياسات الصحيحة وتطبيقها، يحتاج إلى عقول جديدة، وقيادات خلاقة، تتشبث بالوطني لا بالنظرية أو الحزبي، وتسعى لتحقيق انجازات استراتيجية، وانتصارات وطنية في اتجاه الحداثة والسلام والاستقرار، وليس انتصارات حزبية ضيقة آنية الفائدة. واليوم أتابع حديثي.

 

التَنَوُّع جمال وحيوية والتماثل قبح ورتابة:

 

        لا شك أن التَنَوُّعُ Diversity موضع احتفاء عند النفس البشرية السوية، وهو غير التماثل Symmetry، الذي هو موضع قبح ورتابة ونفور. فتَنَوُّعُ الصُّوَرِ: اِخْتِلاَفُ ألْوَانِهَا وَأحْجَامِهَا وَأشْكَالِهَا ، والتنوع هو اختلاف الشكل والمنظر؛ ميزة هذا البستان تنوّع الفواكه فيه. والتنوع هو حدوث الفروق بين الأشخاص والجماعات والعروق بتأثير عوامل مختلفة. أما التماثل، فهو التشابه، ويعني اشتراك الموجودَيْن في جميع الصفات . وفي لسان العرب: مِثل: كلمةُ تَسْوِيَةٍ. والفرق بين المُماثَلة والمُساواة أَن المُساواة تكون بين المختلِفين في الجِنْس والمتَّفقين، لأَن التَّساوِي هو التكافُؤُ في المِقْدار لا يزيد ولا ينقُص، وأَما المُماثَلة فلا تكون إِلا في المتفقين؛ والمِثال: القالَِبُ الذي يقدَّر على مِثْله.

 

        على صعيد الثقافات فإن التنوع الثقافي، هو البيئة الأصلح لنمو القيم الجمالية، وهو مصدر إثراء الحياة وإخصابها، والإثراء لا يتحقق بين الثقافات المتشابهة أو المتطابقة، أو في حالة التماثل الثقافي، أو القولبة الثقافية، وانما يتحقق بين الثقافات المختلفة. فالتنوع الثقافي هو تعبير عن الحرية الفردية والجماعية، واعتراف بالتباين البنيوي للافراد والجماعات، وهو تجسيد للحق في الوجود. فالتنوع الثقافي (يعني ضمان استمرار التنوّع في الوجود، ... وهو ليس مجرد أصل من الأصول الممتلكة التي ينبغي حفظها، بل هو مورد يحتاج إلى تعزيزه والترويج له، مع الاهتمام بصورة خاصة بما له من فوائد محتملة، بما في ذلك المجالات البعيدة عن الثقافة بمعناها الضيق) . والتنوع الثقافي -كما أشرنا في الحلقة السابقة- (بوصفه مصدراً للتبادل والتجديد والإبداع، هو ضروري للجنس البشري ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحية. وبهذا المعنى، فإن التنوع الثقافي هو التراث المشترك للإنسانية، وينبغي الاعتراف به والتأكيد عليه لصالح أجيال الحاضر والمستقبل) . أما التماثل والقولبة في مجتمعات التنوع الثقافي، تلغيان الخصوصيات الفردية والثقافية وتحجِّمانها، وتحجبانها لصالح الأحادية الثقافية. والأحادية الثقافية هي فرض للتماثل والقولبة. إن السعي إلى صياغة المجتمع أو توحيده عبر التماثل الثقافي، في بيئة تتنفس التنوع الثقافي، سعي قاصر في البصر والبصيرة، وينم عن عصبية، كما أن نتائجه على المديين القصير والبعيد هي قبح، ورتابة، وظلم، وهو أيضاً أمر مستحيل تحقيقه؛ وإنما يُؤدي إلى إلصاق التُهم والتجريم بالثقافات. فبيئات التنوع الثقافي -كحال السودان- ترفض القولبة، وتنفر من التماثل، ولا ينبغي لها أن تساق في اتجاه التماثل والقولبة؛ وإنما الأجدى والأعدل والأنفع لها، الآن ومستقبلاً، أن ترسم لها السياسات الصحيحة، بما يحقق التلاقح والإزدهار، ويضمن التجانس الثقافي في مساره الطبيعي، وفي مناخ معافى من الإحساس بالقهر أو القسر أو الهيمنة الثقافية أو فرض للتماثل الثقافي.    

 

إن التنوع الثقافي في السودان، واقع ماثل، وحقيقة تاريخية، ولهذا، فإن فرض التماثل الثقافي أو القولبة هو جرم على واقع السودان، واعتداء على تاريخه، وانتهاك لحقوق إنسانه. ولا يستقيم فرض سياسة التماثل أو القولبة في السودان؛ لكونها سياسة خشنة وقاسية على شعوب أقل ما يميزها تنوعها الثقافي. لقد سبق أن أشار المؤرخ محمد عبدالرحيم بعبارة في هذا المعنى تصلح أن تُطلق اليوم، فقد علق محمد عبدالرحيم على سعي الدولة المهدية وإرغامها لأهل السودان على أن يسيروا وفق المنهج الديني الذي رسمته لهم في عهدها، قائلاً: (وعسير على شعب كالسودان أن يحمل على هذا المركب الخشن فلا يضيق عامته ولا يبرمون به) . فالتنوع الثقافي، لا يحتمل السياسات الخشنة، وينفر من فرض التماثل والقولبة، وهو تراث مشترك، المحافظة عليه، والدفاع عنه، واجب أخلاقي وإنساني، كما أن السياسات يجب أن تقوم على إثرائه، وضمان نقله إلى أجيال المستقبل، ليكون شاهداً على تجاريب إنسان السودان، والشاهد أيضاً على المجلد الحضاري لأهل السودان.

 

التنوع الثقافي: جمال للإنسان وسعة للحياة

 

(آه، أي وطن رائع يمكن أن يكون هذا الوطن، لو صدق العزم وطابت النفوس وقل الكلام وزاد العمل) . الطيب صالح (1929م- 2009م)

 

تجلى التنوع الثقافي في السودان في جمال إنسانه، من حيث تمتعه بالمعاني الإنسانية واتصافه بخصال فريدة وخصائص نادرة، فقيمة التسامح، مثلاً، ظلت سمة يتسم بها أغلب عامة الناس -عامتهم وليس مثقفيهم - في السودان. وهي قيمة إنسانية جميلة، ما كان لها أن تنب أو تنمو إن لم يكن هناك تنوع ثقافي، فالتسامح هو التَّساهُل، وهو يكون مع من تختلف معه، وليس مع من تتفق معه، يقول الدكتور سمير أمين: (...إن الإنسان لا يتسامح إلا مع ما لا يحب...) . إن قيمة التسامح هي نتاج طبيعي للاختلاف والتباين البنيوي والتكويني للإفراد والجماعات، وهي من خلاصات التنوع الثقافي. ظلت المعاني الإنسانية الجميلة التي يتسم بها إنسان السودان، موضع دهشة الزائرين للسودان، كما ظلت موضع غرابة واستغراب في الكثير من بلدان العالم التي يعيش فيها السودانيون. وهذه أمور سمعها الكثيرين ولا زال يسمعها السودانيون أينما حلوا. وبسبب هذه المعاني الإنسانية فقد شغف الكثيرون حباً بالسودان وبالسودانين. قال الروائي الطيب صالح متحدثاً عن كثرة العلماء الذين عكفوا على دراسة السودان قائلاً: (تدهشك كثرتهم وتنوع جنسياتهم ... كلهم شغفوا حبّاً بالسودان، لأنهم وجدوا فيه وفي أهله ذلك الشئ النادر، الذي صنعه السودانيون على امتداد القرون، كما يُصنع السجاد الشيرازي الثمين. وهو نفسه الشئ الذي عميت عيون إخواننا هؤلاء عن رؤيته، فأمعنوا فيه إتلافاً وتمزيقاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً فالله المستعان) .

 

كان الزعيم السوفيتي ليونيد برجنيف (1906م-1982م) واحداً من الذين أعجبوا بالحياة السودانية وبالاشتراكية الشعبية السودانية، عندما زار السودان. فقد حكى الأستاذ عبدالرحمن مختار في كتابه خريف الفرح: أسرار السودان 1950م-1970م، قائلاً: (في نوفمبر عام 1961م زار الزعيم السوفيتي ليونيد برجنيف السودان وعند عودته بالعربات من رحلة إلى مشروع الجزيرة رأي خيمة تنصب عادة للمآتم ووقف الركب وترجل الزعيم السوفيتي وقدم عزاءه لآل الفقيد وجلس أرضاً كغيره يراقب كل حركة وكل وجه ويحملق في صواني الأكل الصغيرة والكبيرة والشاي والقهوة التي كان يُحضرها أهل الحي حتى تجمعت وأصبحت بالعشرات والعشرينات ثم جلسوا في حلقات صغيرة وأقبلوا على الطعام والضيف الكبير يراقب هذا الذي يجري أمامه بدهشة وحيرة وتطلع وانبهار. استفسر الرئيس السوفيتي من مضيفه آنذاك الرئيس إبراهيم عبود قائد انقلاب نوفمبر 1958م عن سر الخيمة وكل الذي يراه وبعد شرح مستفيض ومفصل للحياة السودانية والاشتراكية الشعبية الموروثة من مضيفه، خرج الزعيم السوفيتي عن وقاره وصرخ في هستيريا واضحة: إذن لماذا تهاجموننا؟، ولماذا تتهموننا بالكفر والإلحاد والشيوعية؟ أنتم شيوعيون أكثر منا!! إننا في الإتحاد السوفيتي نسعى جاهدين ومنذ بداية الثورة الاشتراكية لنصل إلى ما وصلتم إليه!. وعند عودته إلى بلاده نقل إلى اللجنة المركزية والشعب السوفيتي في حديث مذاع ومتلفز انطباعاته عن السودان ولم ينس الزعيم السوفيتي أن يكرر حكاية السر وراء الخيمة المنصوبة في إحدى قرى الجزيرة في السودان الأفريقي العربي) .

 

هذا الجمال الإنساني الذي نعيشه ولا نحس بأهميته، ونمارسه دون أن ندرك قيمته، لا يمكن تأصيله في ثقافة بعينها من الثقافات السودانية، ولا يمكن تجذيره في حقبة تاريخية بعينها من الحقب التاريخية في السودان، أنه جمال تبلور وتشكل عبر التراكم التاريخي، والتبادل والتفاعل بين ثقافات السودان المختلفة. ويعود في أصله وجذره إلى التنوع الثقافي.

 

التنوع الثقافي والمُرتكز الحضاري للسودان

 

إن البحث عن مرتكز حضاري للسودان من خارجه، يُمثل ردة حضارية، وتشويه لثقافاته، واعتداء على حقوق إنسانه. وهو بحث يشبه بحث الأعلى عن الأدنى، فبيئات التنوع الثقافي، لها كينونتها، وأصالتها، فهي لا تحتمل تأصيلها في الأحادية الثقافية، ولا تقبل تجذيرها في حقبة تاريخية بعينها، وإنما هي –كما ذكرنا أنفاً- نتاج لتراكم تاريخي وتداخل حضاري. في الجزء الثالث من كتابه تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، الذي صدر عام 2008م، عقب الجزئين اللذين صدرا في عامي، 1975م، 1986م، على التوالي، ذكر البروفسير يوسف فضل حسن أنه قد وصل إلى قناعة صارمة بشأن السودان، فهو يقول: (هذا الجزء من دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب يسير على نسق الجزئين السابقين، تحركه قناعة صارمة بأن السودان لم يكن مجرد جسر عبرت عليه الثقافة العربية والإسلامية إلى أفريقيا، ولا بوتقة انصهرت فيها الثقافتان، العربية والأفريقية، فحسب، وإنما كانت للسودان شخصيته التاريخية المميزة منذ فجر التاريخ، ولعل المتابع لشخصية السوداني يجد أنها استطاعت أن تسودن الثقافة العربية والإسلامية قبل أن تتقبلها، كما أبرزت كينونتها الخاصة في إطار الثقافة الإفريقية التي تنتمي إليها) .

 

والسودان في يقين الدكتور منصور خالد هو: (البوتقة التي انصهرت فيها العروبة والزنوجية، وتتمازج فيها الثقافة العربية بالثقافات الأفريقية، وينعكس فيها التفرد العربي والتنوع الأفريقي؛ ومن هنا جاء توصيف السودان عند بعض الكتاب بأفريقيا المصغرة (Microcosm of Africa). فالحاضنة الثقافية للشخصية السودانية ليست العروبة ولا الزنوجية وإنما السودانوية. كما أن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج وإنما هو أيضاً السودانوية. السودانوية نتاج عروبة تنوبت وتزنجت، ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات لا العبادات شية من وثنية) . ويقول الدكتور نور الدين ساتي: (إننا في النهاية جميعنا سودانيون تجمعنا السودانوية التي كنت أول من يتحدث عنها... إذ تم تشكيل الشخصية السودانية جزئياً بواسطة التنقل المستمر للمجموعات البشرية والتداخل والتمازج والتعايش بينهما سواء كانت تلك المجموعات من شمال أم جنوب أم شرق أم غرب افريقيا، أم كانت من خارج القارة الافريقية وقد أعطت هذه التفاعلات الشعب السوداني شخصيته وخصائصه المتفردة ...) .

 

إن الشخصية التاريخية المميزة للسودان منذ فجر التاريخ، أوجدت في أهله ذلك الشئ النادر، الذي صنعه السودانيون على امتداد القرون كما أشار الروائي الطيب صالح، إلا أن ذلك الشئ النادر الذي يتميز بتفرده وجمال معانيه الإنسانية، قد يكون شيئاً آخر حينما ينتقل إلى فضاء ثقافي مغاير. حكى السفير معاش أحمد دياب في مذكراته خواطر وذكريات دبلوماسية ، أنه حينما كان قائماً بالأعمال بسفارة السودان بتنزانيا، في النصف الأول من السبعينات، اصطدم بقضية ملحة، وموقف حرج لم يكن يتوقعه أو يدور بخلده. كان أطراف الموقف ثلاثة: شخصه، وصديقه الدكتور أمين مكي مدني، الذي كان يعمل آنذاك بمكتب المندوب السامي للاجئين التابع للأمم المتحدة في دار السلام. وأعضاء بعثة منظمة التحرير الفلسطينية.

 

بدأت القصة حينما وصل إلى السفارة بدار السلام إخطارٌ من رئاسة وزارة الخارجية السودانية بأن وفداً من منظمة التحرير الفلسطينية سوف يقوم بزيارة إلى تنزانيا، وطلبت الوزارة بذل كل المساعي لإنجاح زيارة الوفد، وأن تكون السفارة هي مقر نشاط وتحركات الوفد. وصل وفد المنظمة وقامت السفارة بتنظيم الاستقبال، وكان استقبالاً رائعاً (كما وصفه السفير دياب)، ثم غادر الوفد الفلسطيني تنزانيا بعد انتهاء الزيارة، فأصبح على السفارة مسئولية متابعة نتائج الزيارة الناجحة، وكان أهمها موافقة حكومة تنزانيا على فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية بدار السلام، والتزامها بتوفير المكاتب والسكن لأعضاء البعثة الفلسطينية التي ستصل دار السلام لاحقاً. بعد أيام قليلة وصلت البعثة الفلسطينية، وعند استقبالها بالمطار، فاجأ المسئولون التنزانيون، السفير دياب بأنهم لم يتمكنوا من تخصيص مقرٍ للبعثة الفلسطينية، ومساكن لأعضائها. عندها قرر السفير دياب استضافة أعضاء البعثة في منزله، كانت البعثة تتكون من السيد/ فؤاد البيطار وزوجته، واثنين من معاونيه وأبدى المسئولون التنزانيون ارتياحاً لهذه المبادرة. ومن المطار توجه أعضاء البعثة إلى منزل السفير دياب. يقول السفير دياب: (ووجدت في الأخ فؤاد وزوجته ومعاونيه رفقة حسنة في تبادل الرأي والحوار حول القضية الفلسطينية والقضايا الإفريقية ... وقد كان يشاركنا في تلك الحوارات الأخ الصديق د. أمين مكي مدني...). واصل السفير دياب مساعيه مع الجهات التنزانية لتوفير مقرٍ للبعثة وسكن لأعضائها، ومرت الشهور.. وفي هذا الأثناء يقول السفير دياب: (اتصل بي الأخ د. أمين وأفادني بأنه سوف يغادر في إجازته السنوية إلى السودان لمدة شهرين ومراعاة لظروفي وظروف البعثة الفلسطينية فإنه رأى أن ينتقل أعضاء البعثة الفلسطينية إلى منزله إلى حين أن تتمكن السلطات التنزانية من توفير السكن لهم). وجدت مبادرة د. أمين قبولاً، وعلى الفور تم انتقال أعضاء البعثة إلى منزل د.أمين.

 

ظل الجميع في انتظار وفاء الجهات التنزانية بإلتزامها نحو مقر البعثة، وسكن أعضائها، وبعد مرور شهرين، يقول السفير دياب: (فجأة وصلني إخطار من الأخ د. أمين مكي مدني بأنه سوف يصل إلى دار السلام وبرفقته زوجته وابنتيه ووجدت نفسي في موقف لا أحسد عليه فقررت في ضوء تعثر السلطات التنزانية في توفير مقار إقامة أعضاء البعثة الفلسطينية من أن أطلب من الأخ فؤاد وأسرته ومعاونيه إخلاء منزل د. أمين والعودة للإقامة معي في منزلي مرة أخرى). وهنا كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد يقول السفير دياب: (فقد شكرني الأخ فؤاد على دعوته للإقامة بمنزلي وشكر الأخ أمين مكي على مبادرته لمنحهم داره للإقامة فيها لمدة شهرين، ولكنه أضاف بأنه لن يغادر هذا المنزل الذي يتبع للمندوب السامي لشؤون اللاجئين التابع للأمم المتحدة مع مراعاته لشعور الأخ أمين ...). يقول السفير دياب: (كان هذا الموقف بالنسبة لي صدمة كبيرة... اتصلت فوراً بالأخ أمين بالسودان وطلبت منه تأخير عودته إلى تنزانيا لمدة أسبوع ولم أفيده بأكثر من ذلك، وعلى الفور طلبت موعداً عاجلاً مع وزير الخارجية التنزاني "جون مارا شيلا" ... وعند لقائي به شرحت لـه الموقف بكل تفاصيله وأبعاده فأبدى الرجل تفهماً كاملاً... ووعد بأنه في ظرف أربعة وعشرين ساعة سوف يجد حلاً له. ولقد كان وبعد يومين من مقابلتي لوزير الخارجية اتصلت بي وزارة الإسكان وأفادتني بأنها قد خصصت داراً لمقر بعثة منظمة التحرير الفلسطينية ومنزلاً لسكن أعضاء البعثة وقبل عودة الأخ د. أمين كان الأخ فؤاد ومعاونيه قد استقروا في الأماكن التي خصصتها لهم السلطات التنزانية وبذلك انتهت معاناة جميع الأطراف وبدأت بعثة المنظمة في ممارسة مهامها). القصة فصيحة وناطقة بدلالتها بما يكفي. وفي يوم الخميس القادم أُتابع حديثي.

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، الخميس 15 أبريل 2010م).

عبدالله الفكي البشير

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الهوامش