عبدالحي يوسف بما ينطوي عليه يمثل تياراً مهدداً للأمن الداخلي وخطراً على السلام العالمي
(2-2)

"نحن لا نلوم الفقهاء على عدم الفهم، ولكننا نلومهم على عدم الصدق".
محمود محمد طه، ديسمبر 1968

بقلم دكتور عبدالله الفكي البشير

إن ما تفوه به عبدالحي يوسف في حق الجمهوريين وفي حق سعادة الوزيرة ولاء عصام البوشي، كما ورد في الحلقة السابقة، يفتح الباب واسعاً للإرهاب الفكري، وهو يعبر عن تيار واسع ومتنامي، الأمر الذي تجب مواجهته ومحاصرته بالوعي. فهذا التيار يهدد التعايش والأمن الداخلي، ويمثل خطراً على السلام العالمي. كما أن مواجهة هذا الإرهاب الفكري يمثل موقفاً ثورياً. وعلى كل فئات الشعب السوداني المرأة والشباب، خاصة المثقفين، القيام بواجبهم الثوري في مواجهة هذا الإرهاب وهذا الصلف الفكري والعبث الأخلاقي. ومن العيب الثوري أن يقف المثقف في خانة المتفرج ويلزم الصمت في مثل هذه المواقف. فدور المثقف ومواقفه وتدخلاته ما هي إلا تعبير عن تجسيد لمعارفه. والمثقف الحر لا يكتمل دوره إلا بتجسيده لمعارفه. والمثقف الحر يجب أن يكون حائلاً بين شعبه وإعادة التاريخ. وفي هذا علينا أن نسترجع التاريخ وندرسه لكي نفهم، فمن لا يدرس التاريخ لا يستطيع أن ينجو من إعادته، كما أن دراسة التاريخ هي شرط للدخول في المستقبل على أسس جديدة. سبق وأن استطاع الهوس الدين أن يحل الحزب الشيوعي ويطرد نوابه المنتخبين ديمقراطياً من البرلمان، ونجح كذلك، وهو نجاح إلى حين، في انعقاد محكمة الردة في 18 نوفمبر 1968، وفي عام 1983 أتى بقوانين سبتمبر (ما سمي بالشريعة الإسلامية)، التي هددت وحدة البلاد، وجعلت المواطن غير المسلم مواطناً من الدرجة الثانية، وقطعت أيادي الناس وأرجلهم بغير وجه حق، ... إلخ، وكل هذه المحطات وغيرها، كانت محطات ظلم وظلام، ومحطات لتأريخ هزيمة الوعي في السودان. وحان الآن أوان انتصار الوعي.
فقد سبق وأن أصدر عبدالحي فتوى بلهاء، في حق الإخوان الجمهوريين، أكد فيها بكل ما أورده من أدلة وخطه من كلمات بأنه يقول بما لايعلم، ويفتي من غير ورع وتقوى، وبكسل عقلي ظاهر. والكسل العقلي، كما يقول طه حسين، يحبب للناس الأخذ بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد. فالأخذ بالجديد، بل مجرد النظر فيه، يتطلب النشاط والحيوية واعمال الحس النقدي بما يحمله من تحدي ومواجهة للمسلمات، بينما القديم لا يتطلب سوى الاستمرار في التسليم. وهذا ما ظهر بجلاء في فتوى عبدالحي في حق الجمهوريين. إذ أكدت كل الأدلة التي صاغها في فتواه، على أنه لم يقرأ كتب الفكر الجمهوري، وإنما كان ناقلاً كسولاً لم يترب على البحث العلمي الرصين، ولم ينل شيئاً من الدربة على أخلاق البحث. فهو يأتي بالأدلة من الآخرين، بما اشتملت عليها من أخطاء، ولا يكلف نفسه حتى مراجعتها في مصدرها، ليصحح الخطأ، ويأخذ فضيلة الناقل غير الكسول. وفي هذا المنهج الخديج، لم يكن عبدالحي مبتدعاً، وإنما تلميذاً متبعاً لرجال الدين وهيئة علماء السودان في مواقفهم غير الأخلاقية من الجمهوريين منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى يوم الناس هذا.

فتوى عبدالحي يوسف وإعادة انتاج نصوص وحيثيات محكمة الردة 1968

أفتى عبدالحي يوسف ضمن إجابته على سؤال يقول: هل يعتبر الجمهوريون (جماعة محمود محمد طه) من الفرق المارقة؟ وهل يجوز الأكل معهم أو الزواج منهم؟ فأجاب عبدالحي، قائلاً: "فإن الفكر الجمهوري الذي كان داعيته والمنظِّر له الهالك المذموم (محمود محمد طه) قد حوى جملة من المصائب والطامات التي تجعل الحكم عليه بيِّناً واضحاً، ومن ذلك..." ثم أورد خمس نقاط واستشهد ببعض النصوص وأشار لبعض المشايخ الذين كتبوا عن الفكر الجمهوري، إلى جانب بعض المؤسسات الإسلامية. سبق ونشر الدكتور عمر القراي، وهو من الإخوان الجمهوريين، رداً على فتوى عبدالحي. جاء الرد بعنوان: "من محن الوطن.. أشياخ التكفير.. أساتذة جامعات؟!"، ووجد طريقه للعديد من الصحف والمواقع الإليكترونية، يمكن الاطلاع عليه فيها، ومنها موقع الفكرة الجمهورية على الانترنت www.alfikra.org. أوضح القراي بأنه لو كان الشيخ عبد الحي، يملك من الورع، ما يجعله ينقل من كتب الجمهوريين، نقلاً صحيحاً، غير مبتور، لناقشنا الحجج التي أوردها، في فتواه البائسة. "ويمكن لمن أطلع، على كتب الأستاذ محمود، أن يدرك دون عناء، أن معظم ما أورده عبد الحي، مزور، ومحرف، ومبتور بقصد، حتى يعطي فهماً معاكساً". وفصَّل القراي في ذلك، وقدم نموذجاً للبتر وحذف الجمل من نصوص محمود محمد طه، وهو أمر درج عليه الفقهاء ورجال الدين. وسيجد القراء تفصيلاً عن كل ذلك في كتابنا الجديد الذي سيصدر خلال أيام، بعنوان: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف. رصد الكتاب عبث الفقهاء وكشف مؤامراتهم وكسلهم العقلي. وها نحن نشهد استمرار الفقهاء في مفارقة الأسس العلمية والقيم الأخلاقية في فتاويهم وفي نقدهم للفكر الجمهوري. إن الفقهاء كحال الشيخ الدكتور عبدالحي يوسف، وعلماء هيئة علماء السودان، في حاجة لإعادة تعليم.
معروف أن المحكمة العليا/ الدائرة الدستورية سبق وأعلنت في 18 نوفمبر 1986 بطلان حُكم المحكمة الجنائية (محكمة المهلاوي) وبطلان حُكم محكمة الاستئناف (محكمة المكاشفي) في حق محمود محمد طه. وقالت المحكمة العليا/ الدائرة الدستورية في بطلان الحكم أن المحكمة في حكمها في يناير 1985 قد استشهدت بحكم محكمة الاستئناف الشرعية بالخرطوم الذي صدر في عام 1968م، وما صدر عن المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي من تأييد لحكم عام 1968م، وما صدر عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ثم أوضحت المحكمة العليا/ الدائرة الدستورية، قائلة: ولعلنا لا نكون في حاجة إلى الاستطراد كثيراً في وصف هذا الحكم، فقد تجاوز كل قيم العدالة سواء ما كان منها موروثاً ومتعارفاً عليه، أو ما حرصت قوانين الإجراءات الجنائية المتعاقبة على النص عليه صراحة ، أو انطوى عليه دستور 1973م الملغي رغم ما يحيط به من جدل.. إلخ. ثم أعلنت المحكمة العليا/ الدائرة الدستورية بطلان الأحكام الصادر من المحكمة الجنائية (محكمة المهلاوي) ومحكمة الاستئناف (محكمة المكاشفي) في حق محمود محمد طه، واعتبرتها كيداً سياسياً. (للاطلاع على التفاصيل أنظر: القضية نمرة م ع/ق د/2/1406هـ، أسماء محمود محمد طه وعبداللطيف عمر حسب الله ضد حكومة جمهورية السودان، الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القانونية، 1986م، السلطة القضائية http://www.sjsudan.org).

دعوة لتصفية هيئة علماء السودان وإعادة تعليم منتسبيها

جاء ميلاد هيئة علماء السودان برعاية الاستعمار البريطاني وتحت التأثير المصري، عندما كوَّن الحاكم العام في 3 يونيو 1901 لجنة العلماء، التي اتخذت عدة أسماء: مشيخة العلماء، مجلس العلماء، هيئة العلماء، قبل أن تصبح هيئة علماء السودان. مثلت لجنة العلماء نواة المعهد العلمي بأم درمان "أزهر السودان" (وأصبحت جامعة أم درمان الإسلامية)، وكانت خدماتها لا تخرج عن ما حدده الحاكم العام البريطاني. فقد حدد مهامها في خمس نقاط كان من بين تلك النقاط: "تكون اللجنة موضع استشارة الحاكم العام في الشؤون الدينية وكل ما يختص بالعلم والعلماء دون أن تكون مكلفة بأن تبتكر النظر في أي موضوع من تلقاء نفسها، بل حتى إذا عرض عليها من الحكومة، أمر من ذا القبيل، كان عليها أن تحرر قرارها بما تراه وتقدمه لجهة الاختصاص التي لها الخيار في العزل بموجب ما تقرره اللجنة". وتعود فكرة ميلادها إلى موقف البريطانيين من الطرق الصوفية، بعد هزيمتهم من المهدية، فعملوا على تقوية علماء الفقه على حساب المتصوفة، وسعوا إلى تقليص نفوذ الطرق والتصوف فعززوا دور الفقهاء والعلماء على حساب المتصوفة، فأنشأوا لجنة العلماء.
مثَّل قيام لجنة العلماء/ هيئة علماء السودان تعبيراً قوياً عن انتقال السودان من حالة الانفتاح الموروث منذ آلاف السنين إلى حالة انغلاق فكري مستمر ومتوسع. فقد مثَّل قيامها، لحظة انتصار للفكر الفقهي وبشكل أخص على المستوى الرسمي، ومن ثم سيطرته وتمدده على حساب الفكر الصوفي، فغدا المعطى الأساس في تشكيل العقل الثقافي السائد. فهيئة علماء السودان ومن خلال جرد متساهل لسيرتها ومواقفها من عباقرة السودان ومن المبادرات الخلاقة، فإنها مثَّلت عائقاً دائماً لمناخ الحرية، ولفرص التقدم الفكري. وما قامت به، ولا تزال تقوم به، ضد الإخوان الجمهوريين، يمثل أنصع دليل على ذلك.
مثل سجل هيئة علماء السودان في موقفها من الجمهوريين منذ خمسينات القرن الماضي وحتى يوم الناس هذا، نموذجاً لعدم الصدق وغياب الأخلاق كما عبَّرت عن ذلك بيانات الهيئة وفتاويها ودراسات أعضائها الركيكة الجاهلة. (للمزيد أنظر: عبدالله الفكي البشير، صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، ط1، دار رؤية، القاهرة، 2013). وسيكون هناك تفصيل أكثر عن هذا، وعن دور هيئة علماء السودان في مؤامرة محكمة الردة في نوفمبر 1968، وفي سعيها لتنميط صورة الجمهوريين في الشارع السوداني والإسلامي، وتضليلهم للشعب، من خلال التوظيف لأئمة المساجد في السودان، ضمن كتابنا الجديد الذي أشرنا له آنفاً: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، درس الكتاب مواقف نحو (275) من رجال الدين والمثقفين. وتناول ترهات وهراء هيئة علماء السودان التي نشرتها عن الفكر الجمهوري وفي حق الجمهوريين، إلى جانب توظيفها، غير الأخلاقي، لحكم محكمة الردة 1968، وتوظيف الفتاوى التي أصدرتها المؤسسات الإسلامية من أعضاء التحالف الإسلامي ضد الأستاذ محمود محمد طه، لتقنع بها غمار الناس. يتضمن الكتاب كشفاً لكل هذا العبث الذي قامت به هيئة علماء السودان، مشفوعاً بالوثائق والأدلة والبراهين النواصع.
لقد حان الأوان مع اندلاع ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، ونمو الوعي، وتوفر فرص التعلم الذاتي، التحرر من الأوصياء على العقول، والانتفاض على رجال الدين. ولا يكون ذلك إلا بتجريد المؤسسات الدينية من سلطاتها المتوهمة وغير المستحقة، وأولى خطوات ذلك هو تصفية هيئة علماء السودان، وإعادة تعليم منتسبيها على فهم جديد للإسلام يخاطب احتياجات العصر ويلبي متطلبات إنسانه.
إن تصفية هيئة علماء السودان يصب في استكمال الاستقلال بتحرير الحياة السودانية من الإرث الاستعماري، استعمار العقول والفكر. وبتصفيتها يستطيع السودان أن يلعب دوراً عظيماً في بناء السلام العالمي، لا أن يكون مهدداً له. وبتصفيتها تكون قد تهيأت أهم فرص نجاح التغيير الجذري والشامل في السودان.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.