حينما يقرأ المرء كل ما كتب أوله علاقة ما بمحنة الشعب السوداني الراهنة، وأزماته المتراكمة، ينتابه نوع من "التشويش" الفكري حول طبيعتها وكنهها، وكيف بدأت؟ وما هي أسبابها؟ وأين تكمن جذورها؟ ومن المتسبب فيها؟ وهل هنالك مخرج منها، وبأقل الخسائر المادية والبشرية الممكنة؟ أم هي عصية عن العلاج، إن لم تكن مستحيلة بالفعل فى ظل مكوناتها الراهنة؟
دارت جميع هذه الأسئلة بذهني، وغيرها الكثير، بعد أن بدأت فى الإطلاع على ما فاتني مما كتب حول هذه المحنة، بعد أن أجبرتني ظروف صحية قاهرة عن الإبتعاد لفترة قاربت العشرة أشهر بالتمام والكمال عن القراءة والكتابة، ولا زالت تحد من إستثمار كامل طاقتي فى هذا الخصوص.
بعد أن تأملت مليا فى معظم ما كتب، وعززته بما تراكم عندى من متابعة سمعية طيلة تلك الفترة، توصلت الى قناعة مفادها بأن الأزمة الراهنة التى تمر بها البلاد هي فى المقام الأول أزمة القوى المعارضة، وليست أزمة النظام الحاكم وحده. بمعني آخر فهي أزمة مركبة. فحينما تشمل الأزمة معظم العناصر المكونة للواقعين الموضوعي والذاتي المحيطين بها، يقف عندها التفكير النمطي، والمنهج المكتسب، أيا كانت مرجعيته الفكرية أو الفلسفية، قاصرا عن الإلمام إلماما دقيقا وشاملا بلبها. عندها ستكون أدوات ذلك المنهج عاجزة عن كشف مكنونات تلك الظاهرة، وسيعجز العقل عن إستنباط أدوات تحليل جديدة، إذا ما كان لا يزال مستندا على نفس المنهج، وبالتالي ستشوب النتائج التى يتوصل إليها العديد من أوجه القصور، وينتج عنه ذلك "التشويش" الذى أشرت إليه سابقا.
لذا، يصبح عندها كيفية الخروج من هذه الأزمة الفكرية/المنهجية شرطا لازما لسبر غور أزمة الواقع الموضوعي الذى نعيشه، وفهم مكوناتها فهما سليما، وتحليلها تحليلا موضوعيا لا يستند على رغباتنا الذاتية، ومن ثم إستنباط أنجع الحلول المناسبة لها. أعتقد أن هذا النوع من التفكير ربما سيثير حفيظة البعض، وبالأخص الذين يعتقدون بأن الواقع المادي هو أساس كل شئ، وما الأفكار وما شابهها إلا جزءا من البنية الفوقية التى يفرزها ذلك الواقع، وتصبح بالتالي أحد مكوناته. هذا مبحث آخر لا أعتقد أن هذا هو المكان المناسب للخوض فيه. لكن ما عنيته ببساطة هو ضرورة "التفكير خارج الصندوق"، حتى يمكننا رؤية الأزمة الراهنة بمنهجية مختلفة ربما مكنتنا من إستنباط أدوات تحليل جديدة  لتناولها، وبالتالي صياغة حلول لها تكون مختلفة عن ما ألفناه.
لقد إستمر حكم الإنقاذ، فى إعتقادي، طيلة هذه السنوات العجاف لأسباب عديدة يأتي فى طليعتها إستخدام الدين كسلاح نافذ لكسب تأييد الأغلبية من سكان السودان التى تتميز بسيادة الأمية الأبجدية والمعرفية فى أوساطها من جهة، ولإرهاب قادة السياسة والعمل العام، وحملة مشاعل الفكر والتنوير من جهة أخرى، حتى تتمكن من شل حركتهم، وإرباكهم، وإجبارهم على تغيير أساليب عملهم وترتيب أولوياتهم. عندها سيصبح الموقف من الدين، أو بالأصبح حكم "الشرع"، هو الشاغل الأول والأخير لقوى المعارضة، وليس الدفاع عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة حكم القانون، أو تحقيق التنمية الشاملة والعيش الكريم لأفراد الشعب. كذلك لجأ أبالسة الإنقاذ الى سلاح آخر لا يقل خطورة عن سلاح الإرهاب بإسم الدين، وبالأخص بعد فصل جنوب البلاد، ألا وهو تأجيج العنصرية بين أبناء الوطن الواحد، وفق مبدأ فرق تسد، حتى يتسنى لهم الإستمرار فى حكم البلاد لأطول فترة ممكنة.
أعتقد أن أول نتائج خطوة "التفكير خارج الصندوق" ستكون إبطال مفعول هذين السلاحين من خلال اليقين الذى سينتج عنه التصالح مع الذات، لأن السبب الرئيسي للخوف من الإرهاب الفكري والديني والخنوع والخضوع  له يتمثل فى عدم اليقين بصحة المنهج الذى نعمله فى تحليل القضايا التى تواجهنا. من هنا نجح أبالسة الإنقاذ فى إرهاب الشعب السوداني، وبالأخص نخبه المتعلمة، بإسم الدين. لقد إستغلوا هذا السلاح أسوأ ما يكون الإستغلال، وسخروا له كل إمكانياتهم، وما توفر لهم من وسائل، بدءا بالمساجد، مرورا بالمدارس، وإنتهاءا بوسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة منها، حتى يتسنى لهم تنفيذ أجندتهم الخفية وتحقيق أهدافهم الخبيثة التى بدأت نتائجها تتجلى حتى للمصابين بالحول السياسي!
إستغل هؤلاء الأبالسة هذا السلاح الصدئ لفترة تقارب الربع قرن من الزمان، ولا زالوا سادرين فى ذلك، حتى بعد أن وضح تماما لرجل الشارع البسيط، وليس النخب المتعلمة فقط، مدى كذبهم وإفترائهم وإستغلالهم للدين الإسلامي الحنيف أسوأ إستغلال لتحقيق أغراض دنيوية تافهة، وإشباع رغبات شخصية تبدو منحطة فى مظهرها، ولكنها بالفعل أكثر إنحطاطا فى جوهرها. لقد وصل الإرهاب الديني مداه حينما أعقد رجال فى قامات السادة الصادق المهدي ومحمد عثمان المرغني عن أن يفصحوا عن معارضتهم لقوانين سبتمبر الغبراء، التى شوهت الشريعة والدين معا، كما صدح بذلك شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه، عليه رحمة الله، حتى وقتنا الراهن.
أفضل مثال يمكن أن نسوقه للمدى الذى وصل إليه الإرهاب الذى مارسه هؤلاء الأبالسة بإسم الدين يتمثل فى رفض السيد الصادق المهدى إلغاء قوانين سبتمبر الجائرة حينما وصل الى سدة الحكم بعد أن كان قد وصفها بأنها "لا تساوي الحبر الذى كتبت به"، إبان حملته لإنتخابات عام 1986م. لكنه فات على السيدين بأن هؤلاء الأبالسة لم يلجأوا الى سلاح الدين إلا لتحقيق هدف واحد، ضمن أهداف أخري، يمثل فصل الجنوب سقفه الأعلى، حتى يتمكنوا من إقامة دولتهم الدينية الخالصة بحجة أن أكثر من 99% من سكان السودان قد أصبحوا من المسلمين، ويمثل حده الأدني إكتناز الذهب والفضة، ونكح صغار السن من النساء، وأكل أمولا الناس بالباطل، وترسيخ القيم الطفيلية، وبالأخص قيم الفساد المطلق الذى تمثل فيما أسموه ب"التمكين"!!
إن إستجابة السيدين لسلاح الإرهاب الديني الذى مارسه هؤلاء الأبالسة يمثل أوضح مثال لعدم التصالح مع الذات. دليلنا على ذلك هو موقف السيد الصادق من قوانين سبتمبر الذى جعله يجمع النقيضين فى ذات الوقت! ولقد إمتد هذا التناقض الى ما هو أبعد من ذلك وأكثر خطورة حينما نجح الإرهاب الديني ليس فى إخراج هؤلاء السادة من معادلة العمل المعارض لحكم الإنقاذ فحسب، وإنما إستجابا الى نداء النظام، تحت وطأة ذلك الإرهاب من جهة، ونزولا عند تحقيق مصالحهم الشخصية من جهة أخرى، للمشاركة فى الحكم، حتى وإن كان ذلك بالفتات وضد رغبة معظم قواعد طوائفهم وأحزابهم، وبالأخص قطاع الشباب منهم. إن عدم اليقين من صحة المنهج و"التشويش" الذى نتج عنه قد أفضى بالسيدين بأن يكونا على ’هامش‘ السلطة التنفيذية، بدلا من أن يكونا فى طليعة وقيادة نضال قوى ’الهامش‘، حال إمتلاكهم للمنهج السليم، ل "إقتلاع نظام الإنقاذ من جذوره"، أو كما قال مولانا المرغني فى أحد أزمانه المضيئة، وبالتالى سيتمكنا من أن يكونا على قمة السلطة التنفيذية، التى يهرولون لها فى الوقت الحالي، ولكنهما لم يقبضا سوى الريح!
وبما أنه بالأضداد تتميز الأشياء، فلنقارن موقف السيدين بموقف السادة نصر الدين المهدي والتوم هجو، اللذان ينتميان الى نفس الطائفتين والحزبين. أعتقد أن منهج "التفكير خارج الصندوق"، الذى يبدو لى أنهما قدإسترشدا به، قد مكن هذان الرجلان ليس من الإنعتاق من قبضة الإرهاب الديني الذى يمارسه هؤلاء الأبالسة ، أو من إمتلاك وضوح الرؤية كذلك، وبالتالي المنهجية السليمة للقراءة السليمة لمحنة السودان المعقدة فحسب، وإنما إمتلاك اليقين والمصالحة مع الذات التى دفعتهما لإتخاذ أشجع خطوة يمكن أن يكونا قد أقدما عليها طيلة تاريخمها السياسي الطويل، وهي ليس الإنضمام فقط الى طلائع التغيير الإقتصادي والإجتماعي والسياسي الذى سيطال السودان كله ممثلا فى قوى الجبهة الثورية، وإنما تقلد أرفع المناصب داخل قيادتها السياسية و التنفيذية. وبهذه المناسبة أود أن أتوجه بالتحية والتجلة الى هذين الرجلين على الخطوة الشجاعة التى إتخذاها والتى ستشكل، فى تقديري، بداية النهاية ليس لحكم هؤلاء الأبالسة فقط، وإنما كذلك الى الإنتفاضة المزدوجة التى سيكون أحد بشرياتها غروب شمس "قيادات الكنكشة"، والى الأبد بإذنه تعالي!!
لقد شكل الإرهاب بإسم الدين أحد أهم عوامل نجاح أبالسة الإنقاذ فى تمزيق عرى الوطن وتفتيت ترابه وفصل جنوبه. ولكن حينما ظهر لهم جنوب آخر ممثلا فى جنوب كردفان والنيل الأزرق وبعض أجزاء دارفور، أسقط فى يدهم لأنه قد أبطل مفعول سلاح الإرهاب بإسم الدين. فهل لهم أن يقنعوا أنفسهم، ناهيك عن الآخرين، بأنهم يخوضون حربا دينية ضد أحفاد من كان يقدم كسوة الكعبة المشرفة لعشرين سنة متتالية، أو من حفر آبار على الذى أصبح يسمى بإسمه ميقات الحج والعمرة؟ إن ذلك لمن رابع المستحيلات، لذلك كان لابد لهم من البحث عن سلاح آخر يخوضون به معركتهم ضد الجنوب الجديد، والإستفراد بحكم البلاد، والإستحواذ على خيراتها ومواردها كاملة الدسم لأطول فترة ممكنة، فتفتقت "عبقريتهم" عن أسوأ سلاح يمكن أن يخطر على عقل بشر، ألا وهو سلاح العنصرية البغيض.
بدأت الماكينة الإعلامية الإنقاذية فى بث سموم العنصرية البغيضة بين أبناء الوطن الواحد لكي تبرر بها إستمرار حربها اللعينة على الشعب السوداني، بعد إبطال فصل الجنوب لسلاح الإرهاب الديني، ولكي تخيف بها سكان بقية مناطق ما تبقى من الوطن، ولتقنعهم بأن تغيير التركيبة الديمغرافية والسكانية للبلاد يشكل أحد أهم أهداف الحرب العادلة التى فرضها هؤلاء الأبالسة على بنات وأبناء الهامش، الذين يخوضون صراعا نبيلا دفاعا عن حقوق أهلهم المشروعة والمهضومة من قبل قادة نظام دولة ’البدريين‘.
إن دخول نصر الدين المهدي والتوم هجو الى قيادة قوى الهامش لا يشكل الخروج النهائي من ربقة الإرهاب الديني الذى مارسته قوى الظلام فى بلادنا لأكثر من عقدين من الزمان، أو حتى الخروج من نمط المنهج التقليدي الذى حكم أداء قادة أحزابنا الوطنية فحسب، وإنما يشكل، وهذا هو الأهم فى تقديري، بداية الطريق السليم المفضي الى التخلص النهائي من النظرة العنصرية والدونية الى بنات وأبناء الهامش التى مارسها عليهم أبناء "الذوات" منذ فجر الإستقلال وحتى يومنا هذا، وبالتالي القضاء على دولة الحزب الواحد وإفساح الطريق الى تأسيس وإستكمال بناء دولة الوطن الواحد الذى يسع الجميع دون تمييز بسبب اللون أو العرق أو الدين أو الموقع الجغرافي.
وما أود أن أنوه له فى هذا الصدد هو أنه فى حالة نجاح الحرب العنصرية التى بدأت رايتها تعلو صارية الأبواق الإعلامية لدولة ’البدريين‘، فإنها سوف تقضى على ما تبقى من السودان الذى نعرفه فى وقتنا الراهن، وسوف لن تبقى ولا تذر من أرض وشعب، وسوف تقضى على الأخضر واليابس، وسوف تجعل ما تبقى من وطننا عراقا أو صومالا آخر، وهذا بالضبط ما يهدف له هؤلاء الأبالسة. إن من يسمع الخطاب الأخير لرئيسهم الموتور سوف يتأكد تماما من صحة ما أقول.
من هنا فإنني أتوجه بهذا النداء الصادق الى جميع المثقفين الوطنيين الذين إلتزموا دوما جانب الشعب، وناضلوا ضد القهر والطغيان الذى مورس على الغلابة والمساكين من بنات وأبناء شعبنا طيلة حقب الدكتاتوريات التى جثمت على صدره لفترة قاربت النصف قرن من الزمان، والذين بذلوا الغالى والنفيس لتحقيق العدالة الإجتماعية، والدفاع عن حرية وكرامة الشعب السوداني، وعن حرية الفكر والتعبير وسيادة حكم القانون، وأدعوهم الى التفكير "خارج الصندوق" والإنعتاق النهائي من الإرهاب الديني الذى يمارسه أبالسة الإنقاذ، وكسر شوكة سلاحهم العنصري الذى صاروا يرفعونه فى الآونة الأخيرة، وإقتفاء أثر المناضلين نصر الدين المهدي والتوم هجو لدعم نضال قوى الهامش بمختلف أشكاله، داخل وخارج المدن، المسلح فى الريف والسلمي فى المدن، وذلك لإنجاز مهام الإنتفاضة المزدوجة التى ستطيح بحكم أبالسة الإنقاذ و"قيادات الكنكشة" دون رجعة، والى الأبد بإذن واحد أحد.
آخر الكلام:
فلنقف صفا واحدا ضد الحرب العنصرية اللعينة لأبالسة الإنقاذ!!
30/5/2013م




Ibrahim Karsani [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]