فى مثل هذه الأيام من العام الماضي بشرنا وزير المالية بأن إنفصال الجنوب لن يكون له أي آثار سالبة على أداء الإقتصاد السوداني، أو على موازنته السنوية. بل ذهب سيادته أبعد من ذلك ليؤكد لنا بأن إنفصال الجنوب سيقع بردا وسلاما على إقتصاد السودان وشعبه، لأن ما كان يصرف على الحرب، أو ما كان يذهب دعما لإقتصاد الجنوب، سوف يوجه الى تنمية إقتصاد ما تبقى من الوطن وتحسين الوضع المعيشي لأبناء شعبه.
وبعد مرور تسعة أشهر فقط من إنفصال الجنوب يأتي نفس هذا الوزير ليقول لنا، ومن تحت قبة برلمان دولة الفساد والإستبداد، بأن الميزانية تواجه عجزا يقارب الثلاثة مليار جنيه (بالجديد) نتيجة لإنفصال الجنوب وجفاف المصادر المالية من تصدير البترول، وكذلك عدم الإتفاق على رسوم مرور بترول الجنوب عبر أنابيب دولة الشمال الى ميناء التصدير...فتأمل!
لقد بدأ يساورني شك حقيقي حول قدرة هذا الوزير بالذات على فهم مبادئ علم الإقتصاد، بشقيه النظرى والتطبيقي، حتى وإن إفترضنا أنه يحمل شهادة من كلية لندن للإقتصاد، لإنه قد أثبت بالتجربة العملية إنه يصلح كأفضل نموذج لمن أطلقت عليهم فى مقالات سابقة "قيادات الجهل المسلح بالشهادات".
والآن إليكم الدليل على جهل هذا الوزير بمبادئ علم الإقتصاد، وبالأخص مبادئ إقتصاديات المالية العامة. لو طلب من أي طالب جامعي، وهو يحبو على عتبة التخصص فى علم الإقتصاد البحت، أن يعرف لنا ميزانية أي دولة فى العالم لأجابك على الفور على أنها،"بيان تقديري مفصل يحتوي على الإيرادات العامة التى يتوقع أن تحصلها الدولة، والنفقات العامة التى يلزم إنفاقها خلال سنة مالية قادمة". وهي بهذا المعني "تعتبر بمثابة البرنامج المالي للخطة عن سنة مالية مقبلة من أجل تحقيق أهداف محددة فى إطار الخطة العامة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية للدولة".
ثم سيضيف لك هذا الطالب النجيب بأن الميزنية تعني فى الواقع ما يلي:
1-    ميزانية الدولة عبارة عن قائمة أو بيان بإيرادات الدولة ومصروفاتها
2-    ميزانية الدولة تقديرية وليست فعلية
3-    تتعلق بفترة زمنية محددة تكون عادة سنة، و
4-    تكون معتمدة من قبل السلطة التشريعية فى البلاد.
ثم لن ينسي هذا الطالب النجيب بأن يذكر لك شرطا هاما لإعداد الميزانية السنوية للدولة وهو وجوب إعدادها وفقا لمجموعة إفتراضات واقعية تكون مستمدة من التجربة العملية لأداء موازنات الدولة السابقة عبر سلسلة زمنية محددة، حتى تكون عملية ومتوازنة. وأخيرا سيقول لك هذا الطالب النجيب بأنه يجب إعداد أكثر من سيناريو واحد للميزانية، على أن يكون أحدها أسوأ سيناريو متوقع، ويمكن تنفيذه حال تعثر أداء السيناريو الأفضل الذى تم إعتماده.
إذا كان هذا هو رأي طالب كلية الإقتصاد فى منهجية إعداد الميزانية العامة للدولة، فما رأي السيد وزير المالية، خريج كلية الإقتصاد، وصاحب الخبرة فى شؤون الحكم والإدارة التى تعادل عمر هذا الطالب. إن السيد الوزير قد تجاهل عمدا جميع المفاهيم المتعارف عليها فى إعداده لموازنة العام الماضي، حيث أنه لم يبني موازنته على إفتراضات واقعية أوسليمة فقط، لكن الأسوأ من ذلك إنه قد تجاهل الواقع الماثل أمامه لتركيبة الإقتصاد السوداني.
لقد كان السيد الوزير يعلم يقينا بأن إنفصال الجنوب قد أصبح واقعا معاشا بحكم نتيجة الإستفتاء الذى أجري فى يناير من نفس عام إعداد الميزانية. وقد كان يعلم تماما كذلك بأن موارد البترول، التى تشكل حوالي 70% من موارده المحلية، وحوالي 90% من موارد عملته الصعبة، سوف تذهب الى دولة الجنوب الوليدة، التى سعى جاهدا، هو وأفراد عصابته الحاكمة لقيامها، ولن يكون له مصدر إيرادات أخرى سوى جلد ظهر الشعب بسياط الضرائب والرسوم، لأن دولته الرسالية قد حطمت القاعدة والمشاريع الإنتاجية التى كانت تدر دخلا محترما للدولة، ويعيش من خلالها مئات الآلاف من الأسر، ويأتي فى مقدمتها مشروع الجزيرة التى كانت خضراء فى أزمان غابرة قبل مجئ عهدهم الظلامي البائس.
ولكن المدهش حقا أن يأتي لنا السيد الوزير ليكشف أمام برلمانه الكرتوني، وفى قوة عين يحسد عليها،"عن عجز فى ميزان المدفوعات فى الربع الأول من العام 2012م قدره حوالي 286 مليون دولار مقابل فائض بلغ حوالي 183 مليون دولار فى الربع الأول من العام الماضي". بمعنى آخر أن فائض العام الماضى فى ميزان المدفوعات قد كان نتيجة لصادرات النفط وقد تحول الى عجز خلال نفس الفترة من هذا العام نتيجة لعدم وجود موارد بترولية يمكن تصديرها. ثم يضيف معاليه،"بأن العجز فى الميزان التجاري بلغ حوالي 540 مليون دولار"، بمعني أن السودان قد إستورد من السلع والخدمات من بقية دول العالم أكثر مما صدر إليها. ويضيف معاليه قائلا لأعضاء برلمانه الكرتوني بأن العجز الكلي فى موازنته قد بلغ (2986) مليار جنيه، أي حوالي ثلاثة مليارات من الجنيهات( بالجديد) بالتمام والكمال.
إن الأرقام التى أوردها السيد الوزير كان من المفترض أن تشكل توقعاته للميزانية التى يتحدث عنها عند إعدادها، لو أخذ سيادته حقائق الواقع الإقتصادي الماثل أمامه حينها، بدلا من أن يذرف دموع التماسيح على نتائج تجاهلها لأسباب آيديولوجية وسياسية بحتة لا علاقة لها بعلم الإقتصاد. ثم يستمر السيد الوزير سالكا نفس أسلوب قوة العين ليقول لنا بأنه سيتخذ "جملة تدابير مالية ونقدية فى الوقت المناسب" لإحتواء"الخلل الواضح فى مؤشرات الإقتصاد الوطني خلال الربع الأول للعام الجارى".
إن هذا الخلل قد كان واضحا وضوح الشمس لكل من له بصيرة، ناهيك عن أن يكون وزيرا مسئولا عن إعداد الميزانية السنوية للدولة. وبما أن وزيرنا الهمام قد أصيب  بالعمى الآيديولوجي،شفاه الله، فقد عجز تماما عن رؤية هذا الواقع البائس، وأؤكد لكم بأنه لن يتمكن من ذلك حتى زوال ذلك المرض اللعين!
ولأن السيد الوزير إستمر ينطق عن الهوى من داخل "قفصه الآيديولجي"، فقد أكد لأعضاء برلمانه الكرتوني "صعوبة السيطرة على التصاعد الجنوني للأسعار"، قائلا بالحرف الواحد،" ممكن ترتفع الأسعار لكن ما حتحصل ندرة وما حتكون فى صفوف". ولكن سيادته لم يوضح لنا أسباب هذا النجاح الباهر فى محاربة الصفوف، وفشله الذريع فى محاربة إرتفاع الأسعار بهذا المعدل الجنوني.
السبب بسيط للغاية يا معالي الوزير وقد تمثل فى هذه المعادلة الواقعية التى رسمتها لك ’أختك فى الله‘ سعاد الفاتح حينما قالت لأعضاء برلمانك الكرتوني،"الناس التحت قبة البرلمان ما عارفين ظروف الناس العايشة برا الوصلت بيهم الحالة الى تناول وجبة سخينة فقط فى اليوم". وبالمناسبة يا معالي الوزير الدكتورة ما قاصدة بي "برا" دي الناس العايشة خارج أرض الوطن، زي فى أمريكا ’الدنى عذابها"، على سبيل المثال، وإنما قصدت الغبش والغلابة من "إخوانك" السودانيين العايشين "برا" قبة البرلمان، بمن فيهم بعض إخوانك فى الله!
وبلغة إقتصادية مبسطة وواضحة فإن حديث الدكتورة يعني أن دخل أكثر من 90% من بنات وأبناء الشعب السوداني أصبح خارج نطاق القوة الشرائية، وبالتالي لا يمكن حسابه ضمن الطلب الفعال داخل الدورة الإقتصادية، وبالتالى صدق ما قلته بأنه "ما حتكون فى صفوف"، ولكن ليس للسبب الذي أوردته بأنه "ما حتحصل ندرة"، ولكن للأسباب التى أوردناها عاليه، أتمنى أن تكون قد إستوعبتها تماما، لأن الشعب سيمتحنك فيها عما قريب، متمنيا لك من كل قلبي النجاح الباهر فى ذلك الإمتحان الصعب!!
إن إشارة أعضاء برلمانك الكرتوني الى أن "مبلغ مليون جنيه ما بيملى قفة لأن الأسعار مرتفعة بنسبة 300%" هو ما دفع "أخوك فى الله" الزبير أحمد الحسن، رئيس اللجنة المالية والإقتصادية،والذى جلس قبلك على نفس هذا الكرسي، أن يقترح عليك أن تكثر من "الإستغفار" عسى ولعله يعينك على أن تجد مخرجا من هذه "الورطة" الإقتصادية المستدامة فى ظل حكمكم الظلامي البائس الذى أفقر الشعب وأورده موارد التهلكة.
ما أود تأكيده فى نهاية هذا المقال، معالي الوزير، هو أنه مهما أكثرت من الإستغفار، حتى وإن عكفت داخل مسجد النور، الذى يجمع ’ أولياء الله الصالحين‘ من قيادات الإنقاذ، ليل نهار لإدارة دفة الإقتصاد السوداني المنهار، أو حتى لو إستعنت بالجن، كما إقترح أحد ’البدريين‘ فى أول مؤتمر إقتصادي تعقده دولتكم الرسالية، بعد تجاح إنقلابكم المشؤوم، لمعالجة الأزمة المالية والإقتصادية الخانقة التى تمسك بتلابيبكم، فإنك لن تنجح فى تجاوزها وذلك للأسباب التالية:
1-    تحويلكم للإقتصاد الى إقتصاد حرب لأن إستمرار الحرب والتعبئة هما سر وإكسير إستمراركم فى الحكم. فحينما تفرض حالة الطوارئ فى البلاد، وإن تم ذلك بالقطعة وبصورة مجزأة، كما حدث فى سيناريو تفتيت البلاد، فإن ذلك يعني أن أولويات الصرف ستكون على الجيش وأجهزة الأمن وليس على توفير السلع و الخدمات، كما ينبغى فى أي دولة تعني بخدمة شعبها.
2-    إنهيار القاعدة و المشاريع الإنتاجية للإقتصاد، وبالتالى عدم توفر صادر يكفي البلاد إحتياجاتها من العملة الصعبة.
3-    عدم القدرة على إستيراد ضروريات الحياة جراء ذلك، وكذلك جراء عدم وجود شخص عاقل، أو دولة تراعي مصالح شعبها، يمكن أن يوفر لكم مصدر تمويل من العملة الصعبة، هذا إن تبقى مصدر فى العالم لم تقوموا ب"شحدته"، ويمكنك أخذ المعلومات الدقيقة فى هذا الشأن من "أخيك فى الله" مصطفى عثمان إسماعيل!
4-    عدم توفر الموارد المحلية لأنكم قد قمتم بنهبها وسرقتها، على قلتها، ولم تدخروا "القرش الأبيض" ليوم أسود كهذا، ليس من أجل عيون الشعب المغلوب على أمره، ولكن لحماية نظامكم البئيس من الإنهيار الكامل.
5-    الفساد الذى ضرب بأطنابه كل ركن من أركان دولتكم الرسالية وأصبح يشكل أولوية بالنسبة لرئاسة الجمهورية التى أصبحت الراعي الأول له، ودونك قضية مدير وكالة سونا مع وزير الإعلام المقال. وحينما يصبح الفساد منهجا لإدارة شؤون البلاد والعباد فقل على الدنيا السلام، وليس نظام الإنقاذ وحده!
إن "قفة الخضار" و"حلة الملاح" سيكونا بمثابة الدينمو المحرك لإنتفاضة شعبنا القادمة، غض النظر عن وجود قيادات فاعلة أم لا، لأن وجبة السخينة التى يعيش عليها "الناس البرا" ستختفى قريبا، إن إستمرت الدولة الرسالية فى إدارة دفة الإقتصاد وفق هذا المنهج الخاطئ، والذى ليس لكم من بديل موضوعي وفاعل له. وحينما تختفي وجبة السخينة  من على ’مائدة‘ الغلابة والغبش من بنات وأبناء شعبنا "شيلوا شيلتكم"، و "خلوا بالكم الشعب ده ما هين يسكت يسكت ولما ينفجر الله يستر"، أو كما قالت ’أختكم فى الله‘ سعاد الفاتح...والعاقل من أخذ بنصيحة ’أخته‘!؟
9/5/2012م
Ibrahim Karsani [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]