إن أحد أكبر الخطايا التى إرتكبتها الإنقاذ هي إطلاقها لوحش ’الهوس الديني‘ من عقاله حتى كاد أن يقضي على الأخضر واليابس فى البلاد. وقد نجحت الإنقاذ فى ’تديين‘ السياسة، بدرجة فارس، كوسيلة لإستغلال الدين الإسلامي الحنيف لتحقيق مآرب دنيوية رخيصة لا تمت ل’قيم الإسلام الكبرى‘، كما وصفها السيد الطيب زين العابدين فى مقاله ذاك، حيث قال، "تجرأ النظام على التضحية بقيم الإسلام الكبرى في إقامة العدل وبسط الشورى والحرية والمساواة بين الناس، وفي محاربة الفقر والفساد، وضرب المثل الأعلى في الأمانة والصدق والعفة والزهد. واختار بدلاً عنها أن يعنى بمظاهر الإسلام وشكلياته وفروعه ليخدع بها العوام من الناس؛ فأصبحت تربية اللحية وحجاب المرأة، والصدع بالشعارات الدينية الجوفاء وإقامة المهرجانات والاحتفالات، واحتضان المداحين والمنشدين ، والتقرب من شيوخ الطرق الصوفية والجماعات السلفية في نفس الوقت، وطلب المعونة من «الفقرا» الذين يجلبون من داخل السودان وخارجه لحل معضلات السياسة والاقتصاد".
إن الطيب زين العابدين لم يأت بجديد فى إقراره بالإعتناء ’بمظاهر الإسلام وشكلياته وفروعه ليخدع بها العوام من الناس‘، فقد قال بذات الحديث شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه قبل عشرات السنين من هذا المقال. وقد كان نتيجة قوله الشجاع ذاك، وصدحه بصحيح الدين أمام دكتاتور آخر لا يقل جنونا عن قادة ’الدولة الرسالية‘، وتحذيره من مخاطر ’الهوس الديني‘ على وحدة البلاد وتماسك المجتمع، أن علق الفكر على أعواد المشانق من قبل نفس قادة ’الحركة الإسلامية‘ التى يتباكى عليها الطيب زين العابدين الآن.
لقد صدقت نبوءة الشهيد محمود، حيث قسمت مجموعات الهوس الديني البلاد الى جزئين، على الأقل حتى وقتنا الراهن، والله وحده يعلم أي مستقبل ينتظر وحدة ما تبقى من البلاد، فى ظل حكم هذه المجموعات الضالة، ويأتي فى قلبها بالطبع ’الحركة الإسلامية‘. وفوق هذا وذاك فقد أحدثت دمارا شاملا فى نسيج المجتمع السوداني يصعب رتقه فى المدى القريب، وما سكان دار المايقوما سوى أبلغ دليل على صحة ما نقول.
لكن المدهش حقا بعد كل هذه التجربة المريرة من حكم الإنقاذ أن يأتى الطيب زين العابدين ليحاضرنا عن ’قيم الدين الكبرى‘ التى فارقتها الإنقاذ ’فراق الطريفي لي جملو‘! يحدد لنا الكاتب تلك القيم الكبرى فى ’العدل و المساواة والحرية والصدق والأمانة والشوري والمحاسبة‘. إذا كان الطيب زين العابدين صادقا فعلا فيما يقول، على إعتبار إقراره بأن الصدق يعتبر أحد القيم الكبري للدين، فلماذا وافق على كذبة الإنقاذ البلقاء التى بدأت بها عهدها فى مسرحية، ’إذهب الى القصر رئيسا وسأذهب الى السجن حبيسا‘، التى أخرجها كبيرهم الذى علمهم السحر قبل نجاح إنقلابهم المشؤوم؟ إن عضوية الطيب زين العابدين فى مجلس شورى الحركة الإسلامية، منذ أواخر ستينات القرن الماضي على الأقل ، توضح لنا بجلاء بأنه كان يعلم بتلك الكذبة سلفا، وتقف بالتالي دليلا على موافقته على إتخاذ الكذب الصراح كأسلوب عمل ومنهج معتمد لتحقيق مقاصدهم السياسية، أليس كذلك؟ لماذا لم يعترض الطيب زين العابدين على تلك الكذبة الكبرى بإعتبارها مخالفة لقيم الدين الكبري وقتها؟ أم إن قيم الدين الكبري قد إلتبست عنده بالسياسة، فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ ’الحركة الإسلامية‘ فغلب السياسة على تلك القيم الدينية الكبري ’ليخدع بها العوام من الناس‘؟
يتحدث الطيب زين العابدين كذلك عن الحرية والشوري ويقر بها ضمن الإطار الذى حدده للقيم الكبري للدين. إن هذا الإقرار وحده يقف دليلا على أنه يعتبر أحد قادة ومنظري ’مجموعات الهوس الديني‘. وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف وافق سيادته على تنفيذ إنقلاب عسكري على نظام ديمقراطي منتخب كان حزبه  يشكل ثالث أكبر كتله البرلمانية؟
وإذا ما وجدنا العذر للطيب زين العابدين فى كل الجرائم التى إرتكبتها ’الحركة الإسلامية‘ قبل إنقلاب الإنقاذ، فكيف يا ترى نجد له العذر فيما إرتكبته من جرائم كبرى فى حق الشعب والوطن قرابة الربع قرن من الزمان؟ وسوف نضع ’قيم الدين الكبري‘ التى حددها هو بنفسه كمرجعية للحكم على مواقفه، وليس ما يسود به الصحف من لغو الحديث. أقر الطيب زين العابدين بالعدل والمساواة، كأحد مكونات تلك القيم. إذن سؤالنا للكاتب هو: لماذا لم ينبت لسانه ببنت شفة حينما رأى بام عينه عددا كبيرا ما قادة ’الحركة الإسلامية‘ قد،"أوغل في الوحل الذي سقطت فيه الحكومة. وما عاد معيار الفلاح في أوساط سدنة النظام أخلاقياً كما ينبغي أن يكون، بل أصبح هو جمع المال والصعود في المناصب وتكوين الشركات والتطاول في البنيان وتعدد الزوجات واقتناء العربات الفارهة وقضاء الإجازات خارج البلاد"؟ أين ’الزهد والعفة‘ التى يتحدث عنها ’هؤلاء الناس ‘كمعيار للقوي الأمين الواجب التمكين؟ هل إكتشف الطيب زين العابدين مفارقة جماعته لقيم الدين الكبرى ولمعيار النجاح فجأة، وبعد مرور أكثر من عقدين من تسلطهم على رقاب العباد ومقدرات البلاد؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا صمت السيد زين العابدين صمت القبور ، ولم يسجل موقفا واحدا معلنا ضد هذا النهج حينما كان قادة ’الحركة الإسلامية‘ ينهشون فى ثروات البلاد كالكلاب المسعورة طيلة هذه الفترة ،وهو يعتبر أحد طهاة مطبخ ’الحركة الإسلامية‘ الذى أنتج لنا وجبات الإنقاذ الفاسدة التى سممت دماء معظم بنات وأبناء شعبنا وتركتهم يصارعون الموت البطئ طيلة سنوات حكمهم الكالحة؟
لكن ثالثة الأثافي حقا تمثلت فى تحديد الطيب زين العابدين ’الأمانة والمحاسبة‘ كأحد أركان ’قيم الدين الكبري‘. لقد كان سيادته يعلم يقينا بسياسة التطهير والتمكين " التي اتبعها النظام منذ استيلائه على السلطة بمنهجية مخططة حتى يسيطر على كل مفاصل الدولة النظامية والمدنية والاقتصادية"، ذلك أنها طبقت وفقا ل’منهجية مخططة‘، كما أقر ’بعضمة‘ لسانه فى المقال المشار إليه، وبالطبع يأتي السيد زين العابدين فى طليعة من صاغوا تلك المنهجية والخطط، بإعتباره كادرا قياديا فى ’الحركة الإسلامية‘ وأحد منظريها. إن أخف أوجه نتائج تطبيق هذه السياسة الظالمة هو ما أقر به الطيب زين العابدين نفسه حيث قال، " وكانت النتيجة أن أبعد أهل الخبرة والكفاءة من قيادة الدولة ليتسلمها أهل الثقة والولاء الذين لا حظ لهم من خبرة أو كفاءة أو تأهيل. ومن الطبيعي أن يتدهور أداء الخدمة المدنية والنظامية والمؤسسات والمشروعات الاقتصادية لأن المعيار السياسي،وأحياناً القبلية أو الشللية،أصبح هو الحاكم لتعيين المسئولين في تلك القطاعات، وتبع ذلك التستر على فشلهم وفسادهم".
إذا كان الطيب زين العابدين ’شاهد عصر‘ على كل ذلك، فلماذا يا ترى ’التستر على فشلهم وفسادهم‘؟ ألم يكن هو نفسه، جراء هذا الموقف، مخالفا لقيم الدين الكبري؟ بل أليس فى موافقته على إنقلاب عسكري على النظام الديمقراطي من أساسه يعتبرمخالف لقيم الصدق والأمانة، التى وضعها هو نفسه ضمن مكونات قيم الدين الكبري؟ أم أنه قد وقف ذلك الموقف ل’حكمة سياسية‘، وليس جراء ’مبدأ ديني‘، كما أفتاه بذلك شيخه أبو الأعلى المودودي، حينما كان سيادته ’مرطبا‘ بعاصمة الضباب فى مطلع سبعينات القرن المنصرم؟
إن هذه الحكمة السياسية هي التى أحكمت على رقاب شعبنا نظام دكتاتوري متجبر، وفرضت عليه دولة الفساد والإستبداد، وأذاقته الأمرين، ونهبت ثرواته وموارده، وشردت أبناءه، وأغتصبت نساءه، ودمرت نسيجه الإجتماعي وإقتصاده، وفرطت فى وحدة البلاد. هذا إذا ما إقتصرنا فى حصرنا هذا على الجرائم الكبري التى إرتكبها نظام الإنقاذ فى حق الشعب والوطن، والتى حتما كنا سنتفاداها لو إلتزم الطيب زين العابدين وإخوانه فى مجلس شوري ’الحركة الإسلامية‘ ب’قيم الدين الكبري‘ وليس بقيم السياسة وحكمها التى لم تورثه سوي الندم.
فإن كان الأمر كذلك، فإن صدق الطيب زين العابدين فى إبداء ندمه عما فعل بالشعب السوداني لن يؤكده معسول الكلام والمقالات التى يسود بها صفحات الصحف. بل يؤكده إصدار بيان صريح موجه للشعب السوداني يقر فيه بمسؤوليته فى تنفيذ إنقلاب الإنقاذ المشؤوم، وبرعايته له لفترة عشرة أعوام على الأقل، إن لم يكن أكثر من ذلك، وبتحمل نتائج جميع الموبقات و الجرائم التى نفذت جراء ’الخطط الممنهجة‘ التى ساهم فى صياغتها وإقرارها. وأن يساعد كذلك، بما يتوفر لديه من معلومات بحكم موقعه القيادي فى ’الحركة الإسلامية‘، فى كشف من إرتكبوا تلك الجرائم و الموبقات، سواء كان ذلك أفرادا أو تنظيمات، علنية كانت أو مستترة. أو على الأقل فى كشف من هم وراء إرتكاب الخطايا الست التى عددها هو بنفسه فى ذلك المقال، لأن شعبنا قد إكتوى بنيران ستمائة خطيئة لدولة ’البدريين‘ على الأقل، إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير!!
هذا هو الطريق الصحيح لمعالجة المواقف المخذية لقادة ’الحركة الإسلامية الموؤودة‘، كما وصفها الطيب زين العابدين، وصمتهم على تلك الجرائم، إن لم يكن مشاركتهم فى إرتكابها. إن أمر أمر معالجة تلك الجرائم يتوقف، بعد هذا الإقرار، على من أرتكبت فى حقهم تلك الجرائم، إما العفو أو أخذ حقهم عن طريق المحاكم. ولكن الحق العام لا يمكن العفو فيه. فسينال كل من إرتكب جريمة فى حق الشعب والوطن جزاؤه العادل وفقا للقانون الذى يطبقه قضاء عادل مستقل. لكن معسول الكلام لن يقنع أحدا، مهما كانت رشاقة أسلوبه، حتى وإن أوتيت مجامع الكلم!!

29/2/2012م
Ibrahim Karsani [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]