تطرقنا فى مقال القوة الناعمة السابق الى الأساليب الماكرة التى ظل قادة ومفكري وكتاب ما تسمى نفسها ب’الحركة الإسلامية‘، وبالأخص السادة الطيب زين العابدين وعبد الوهاب الأفندي، يجتهدون فى تجويدها بهدف إعادة مشروعهم القديم البائر فى ثوب جديد يمكن تسويقه للشعب السوداني مرة أخرى، و التى أثبتت تجربة العقدين الماضيين بأنه يصلح نموذجا للدمار الشامل، وهو الى البؤس الفلسفي والفكري أقرب منه الى تحقيق عدالة دولة ’البدريين‘ التى وعدوا الناس بها كثيرا، فى جعجعة إعلامية أصمت آذاننا، ولا تزال، من خلال تلك الكتابات البائسة التى سنأخذ نموجا لها المقال الأخير للسيد الطيب زين العابدين، أحد منظري تلك الحركة وكادرها القيادي، الذى أعادة نشره صحيفة ’الراكوبة‘ الغراء.
تمثلت إجتهادات هؤلاء السادة فى محاولة إقناع الناس بالمستحيل نفسه، وهو الفصل التام بين التوأم السيامي المتمثل فى ’الحركة الإسلامية‘ ونظام الإنقاذ، فى محاولة بائسة لإقناعنا بأن نظام الإنقاذ ليس سوى نبت شيطاني ظهر فجأة كطحلب طفيلي، وهو بالفعل كذلك، ليقضى على الأخضر واليابس من على أرض السودان الطاهرة. بمعنى آخر يود هؤلاء السادة إقناعنا بأن إنقلاب الإنقاذ قد ولد سفاحا فى صبيحة الثلاثين من يونيو من عام 1989م، فى ذات الوقت الذى يعلمون فيه يقينا بأن أي طفل فى شوارع بلادنا المترامية الأطراف، ناهيك عن القادة السياسيين، وكتاب الرأي، و المفكرين، والأكاديميين، وغيرهم ممن لهم إهتمام بالشأن العام، يعلم تماما فى ذلك الوقت تفاصيل شهادة ميلاده. ونود أن نذكرهم بها فى هذا المقام، لعل الذكرى تنفع المؤمنين،  لأنهم بمثلما إفترضوا جهلنا بها فى بداية عهدهم البائس، فقد إفترضوا أن أمرنا كذلك الآن، وإلا فما هو المبرر الذى دفعهم لتدبيج تلك المقالات والتى حاولوا من خلالها تبرئة ’الحركة الإسلامية‘ من ذلك الإنقلاب المشؤوم؟!
إن شهادة ميلاد ذلك الكابوس الجاثم على صدر شعبنا لفترة تزيد على العقدين من الزمان، يا سادة يا كرام، تقول بأن إنقلاب الثلاثين من يونيو لم يولد سفاحا بل إن أمه هي ’الحركة الإسلامية‘ وأباه الشرعي هو الدكتور حسن الترابي. إذن فإنقلاب الإنقاذ ليس مجهول النسب، أو مجهول الأبوين، وليس كذلك بلقيط، مثل أطفال دار المايقوما الذىن أنتجهم ذات النظام، وإنما أقر بأبوته السيد زين العابدين نفسه فى خطيئته الأولى التى ذكرها فى صدر ذلك المقال حيث قال، "وبدأ العمل السياسي القح يطغى على كل أنشطة الحركة الأخرى مما دفع ببعض القيادات، من أمثال محمد صالح عمر وجعفر شيخ إدريس وصادق عبد الله عبد الماجد، الاحتجاج على هذا النهج الذي يتزعمه الترابي وذلك في مناقشة ساخنة داخل مجلس الشورى في منتصف عام 1968 بنادي أمدرمان الثقافي والذي أدى فيما بعد إلى انشقاق الحركة عقب مؤتمر فبراير 69. واعترف بأني كنت في الصف الذي انتصر للترابي في تلك المواجهة الفكرية. وبالطبع كان نتيجة ذلك أن صرفت معظم موارد الحركة البشرية والمادية على العمل السياسي على حساب الأنشطة الدعوية والفكرية والتربوية والاجتماعية".
إذا كان السيد زين العابدين قد فضل العمل السياسي ’على حساب الأنشطة الدعوية والفكرية والتربوية والإجتماعية‘، وإنحاز الى معسكر الترابي منذ عام 1968م، فماذا كان تصوره، يا ترى، عن طبيعة مولود هذه المعادلة؟ بل ماذا كان يعني العمل السياسي أصلا عند السيد زين العابدين إن لم يكن الوصول الى السلطة السياسية، بغض النظر عن الوسيلة، لتنفيذ برنامج ’الحركة الإسلامية‘ السياسي؟ فإذا كان السيد زين العابدين قد إنحاز الى معسكر السيد الترابي فى تلك المعارك الفكرية والسياسية، بالتالي يحق لنا أن نفترض كذلك إنحيازه الكامل لنفس المعسكر الذى خطط ونفذ إنقلاب الثلاثين من يونيو، أليس كذلك؟ وبالتالي يصبح السيد زين العابدين مسؤولا، ولو بقدر أقل من مسؤولية الترابي، عن جميع الجرائم التى إرتكبها نظام الإنقاذ فى حق الشعب و الوطن، على الأقل فى عشريته الأولي، أليس كذلك؟ إذن لماذا يحاول السيد زين العابدين ومشايعيه المستحيل الآن لإقناعنا بضرورة الفصل بين ’الإنقاذ‘ و ’الحركة الإسلامية‘؟ أم أن ’الشينة منكورة‘، على حد القول المأثور لأهلنا الطيبين!!
لقد سمعنا كثيرا عن إنكار أبوة الطفل والتى يتطلب إثباتها إجراء الفحوصات الطبية، بما فى ذلك تحليل الدم، لمعرفة الأب الطبيعي له. لكنها المرة الأولى التى نسمع فيها بإنكار أمومة أي طفل، وهي ’الحركة الإسلامية‘ فى هذه الحالة. إنها لعمرى أحد ’عبقريات‘ الإنقاذ، التى يمكن إضافتها الى أعمال مسرح اللامعقول!
وللنظر الآن الى ماذ قال السيد زين العابدين فى ذلك المقال، فى محاولاته البائسة تلك لفصل التوأم السيامي. تأمل معي، قارئي الكريم، هذه الفقرة من ذلك المقال العجيب،" وتطور الأمر مؤخراً لإبعاد الحركة نفسها عن أي دور لها في المجتمع أو الدولة لأنها غير مؤتمنة على حسن السلوك، وبمناسبة الململة الحالية التي ظهرت في القواعد ارتفع صوت بعض السياسيين المحترفين «الذين ظلوا يتكسبون من العمل السياسي سنوات طويلة» ينادون علانية بدمج الحركة الإسلامية «المؤودة» في المؤتمر الوطني، وأن يكون رئيس المؤتمر الوطني هو شيخ الحركة الجديد «وكأن رئاسة الدولة والحزب لا تكفيه!»، مما يعني حقيقة التخلي تماماً عن كل الأنشطة الإسلامية الأخرى التي كانت تقوم بها الحركة غير العمل السياسي!"
إن السيد زين العابدين يتبع نفس نهج الإستهبال فى العمل الفكري والسياسي الذى إبتدعه قادة دولة ’البدريين‘، ويمكن تسجيل براءته كمنتج فكري لهم، وقد برعوا فى تجويده بدرجة إمتياز وصل بهم حد وصف ’الحركة الإسلامية‘ ب"المؤودة"، وبأن الأمر قد تطور ’ مؤخراً لإبعاد الحركة نفسها عن أي دور لها في المجتمع أو الدولة لأنها غير مؤتمنة على حسن السلوك‘. بربكم هل يوجد إستهبال وإستغفال سياسي أكثر من هذا القول الفطير؟ لكن درجة إستغفال السيد زين العابدين لنا تصل درجة الغليان حينما يصف تخلي ’الحركة‘ تماما ’عن كل الأنشطة الإسلامية‘، فى محاولة يمكن إعتبارها نموذجا لإستهبال قادة ومنظري ’الحركة الإسلامية‘!! عن أي أنشطة إسلامية يتحدث هذا الرجل؟ فليذكر لنا السيد زين العابدين مثالا واحدا لتك الأنشطة المزعومة غير مرتبط بالسياسة وبأساليبهم الماكرة لإستلام السلطة، ولو عن طريق الإنقلاب العسكري؟ وحتى إن وجدت مثل هذه الأنشطة، فإن السيد زين العابدين يتحمل المسؤولية الأخلاقية فى وأدها لأنه قد إنحاز لمعسكر السيد الترابي فى تلك ’المناقشة الساخنة داخل مجلس الشورى فى منتصف عام 1968 بنادي أم درمان الثقافي‘، والتى أقرت تفضيل السياسة على الدعوة!!
إن الهدف الثاني، بالإضافة الى الهدف الذى أسهبنا فى تحليله عن محاولتهم البائسة لفصل التوأم السيامي، ’الإنقاذ‘ و’الحركة الإسلامية‘، من خلال تنفيذ الخط السياسي والإعلامي الجديد لمنظري وكتاب ’الحركة الإسلامية‘، هو محاولة خلق جسم هلامي معادل لجسم الإنقاذ، وإخراجه فى ثوب جديد، كعادتهم دائما فى تبديل جلودهم، كما الحرباء تماما، وفق مقتضى الحال، وتسخير كل إمكانياتهم الفكرية والسياسية لتحويل مجرى نهر المعارضة السياسية الهادر نحوه، بدلا من جريانه السريع ليجرف بدولة ’البدريين‘ الى مزبلة التاريخ. بمعنى آخر يود هؤلاء السادة تبديد طاقات حركة المعارضة فى مصارعة طواحين الهواء، ’الحركة الإسلامية الجديدة‘، حتى يتمكن توءمها، المتمثل فى ’دولة البدريين‘ من تبديل جلده، وإخراج نفسه فى ثوب قشيب جديد يمكن أن يتمكن من خلاله من التسلط على رقاب شعبنا لربع قرن قادم من الزمان!!
وقد بدأ يتضح الدور المرسوم لكلا التوأمين فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخ شعبنا حيث يتولى المنظرون غسل أدران ’الحركة الإسلامية‘، وتبرئتها من كل الجرائم و الموبقات التى إرتكبتها فى حق الشعب و الوطن، بما فى ذلك عمل المستحيل لمحاولة فصلها عن نظام الإنقاذ، بينما يتولى قادة الدولة الرسالية التراجع عن جميع السياسات التى طبقوها طيلة ما يقارب ربع القرن من الزمان أذلوا من خلالها جماهير شعبنا وأذاقوها الأمرين. وما إعلان السيد الرئيس عن إنتهاء فترة التمكين، وبدء مرحلة جديدة لإستعادة هيبة الدولة و الخدمة المدنية المفقودة، إلا محاولة بائسة أخري فى هذا الخط المرسوم!
لكن ما نود تأكيده لقادة دولة ’البدريين‘، وبالأخص لكتابهم ومنظريهم، فى هذا الشأن هو حتمية فشل هذه المحاولات البائسة أيضا لأنها، وإن إنطلت على بعض المؤلفة قلوبهم من قادة المعارضة، فإنها، وبكل تأكيد، لن تنطلي على القيادات الشابة لحركة المعارضة،داخل وخارج أحزابنا الوطنية، لأنها هي التى إكتوت بلظي نيرانكم الحارقة، و هي التى خبرت خبث أساليبكم، وجميع وسائل إستهبالكم ومكركم الخبيثة، وغدركم ونقضكم للعهود والمواثيق، بحكم صراعها اليومي مع كوادركم ومؤسساتكم الدكتاتورية البغيضة، سواء كانت أمنية أو غير ذلك. وفوق هذا وذاك لأن البلد بلدهم، وليست ملكا لكوادركم الفاقدة للمواهب، والتى أضاعت مستقبل هؤلاء الشباب، فى خطة مدروسة من قبل التنظيمات الأم لحركة الإسلام السياسي على مستوى العالم. ولابد من الإعتراف فى هذا الشأن بأنكم قد نفذتم تلك الخطة ببراعة تحسدون عليها!
ما أو تأكيده فى خاتمة هذا المقال هو إستحالة فصل التوأم السيامي المسمي ب’الحركة الإسلامية‘ و’الإنقاذ‘. فهما ليس سوي إسمين لمولود واحد ليس مجهول النسب، وإنما معروف الأبوين. لكن تلك المحاولات البائسة من قبل كتاب ومنظري دولة ’البدريين‘ ليست سوى فرفرة مذبوح تؤكد تلك الحقيقة أكثر مما تنفيها. بل وتؤكد حقيقة أخرى وهي قرب نهاية دولة الفساد والإستبداد فى السودان، وهو ما سنتطرق له من خلال تحليلنا لبقية الخطايا الست لدولة ’البدريين‘ فى مقالنا القادم بإذن الله تعالي.
23/2/2012م


Ibrahim Karsani [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]