لقد أصبت بحالة من الإعياء الشديد، لدرجة الغثيان، وأنا أستمع للقاء السيد عمر البشير المباشر مع القنوات الفضائية الثلاث مساء الجمعة الماضية. يمكن إعتبار اللقاء مثالا صارخا لقوة العين التى يتميز بها جميع قادة الدولة الرسالية دون إستثناء، والتى وصفناها فى عدة مقالات سابقة بأنها صنعة إنقاذية خالصة. هنالك عدة أمثلة ونماذج من حديث البشير يمكن أن ندلل بها على قوة العين هذه، ولكننا سنكتفى بإيراد مثال واحد فقط فى هذا الخصوص، يمكن أن يكون كافيا لإصابة كل من يقرأه بحالة إكتئاب قاتلة، إن لم يكن بإرتفاع الضغط، ونسبة السكر فى الدم معا. ويستر الله على الأصحاء من القراء الأعزاء! هذا المثال لا يؤكد قوة عين قادة البدريين فقط، وإنما يقف دليلا صارخا كذلك على مدى إستهبال قادة الدولة الرسالية وإزدرائهم لعقول كافة بنات وأبناء الشعب السوداني.
هذا المثال يتعلق بالفساد وما أدراك ما الفساد. نعم أتى البشير ليكرر على مسامعنا نفس الحديث الممجوج الذى ظل يكرره، دون كلل أو ملل، طيلة السنوات السابقة والذى يدور محوره حول، "البلد ما فيها فساد، والعندو بينة فليقدمها للجهات المختصة لإتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها". هذا الحديث يعني أحد أمرين: إما أن يكون السيد البشير لا يدرى ما يدور فى أروقة دولته الرسالية، وهذه مصيبة. أو أن يكون شريكا أصيلا فى معظم حالات الفساد التى يعرفها القاصي والداني من عامة الناس، وهنا تكون المصيبة أكبر.
هل يعقل أن السيد البشير لم يسمع بمبلغ الثلاثمائة مليون جنيه التى سرقت من منزل السيد قطبي المهدي، القيادي بالمؤتمر الوطني، حينما كان فضيلته يؤدي شعائر العمرة بمكة المكرمة، مما أضطره للعودة سريعا للسودان، ويقطع زيارة دينية جليلة، ليتابع أمرا دنيويا خالصا، على الرغم من أن فضيلته قد أصم آذاننا بصياحه ليل نهار، وكذلك بقية زملائه من البدريين، بشعار "هي لله...لا للسلطة...ولا للجاه"؟ وهل يعقل أن السيد البشير لم يسمع بتفاصيل المبلغ المذكور التى نشرت فى جميع الصحف السيارة، والذى يتكون من عدة عملات منها الجنيه السوداني، واليورو، والفرنك السويسري، والليرة اللبنانية وكذلك السورية، والجنيه المصري، والريال السعودي، والجنيه الإسترليني وأخيرا ’سيد شباب العملات‘ الدولار الأمريكي؟ بربكم هل هذا منزل مسؤول كبير فى الحزب الحاكم وجهاز الدولة، أم مكتب لصرافة العملات الأجنبية؟
هل يعقل أن السيد الرئيس لم يطلع على كل هذه الحقائق من الصحف التى يزعم بأنه يقرأها، أو يكلف مكتبه الصحفى برصد جميع ما يكتب بها عن الفساد، حتى يتمكن هو شخصيا من متابعته، وإتخاذ الإجراء اللازم بشأنه، كما زعم فى مقابلته المذكورة؟ بل هل يعقل أن السيد الرئيس لم يكحل عينه بهذه ’البينات‘، والتى تدحض الشائعات التى زعم سيادته بأن الصحفيين يروجون لها، لا لكشف الفساد أومحاربته، وإنما لشئ فى نفس يعقوب، كما أفاد بذلك الصحفى ’العبيط‘، الذى زعم أنه قد كتب ما كتب حول الفساد لأنه قد "شاف الناس كلهن قعد يكتبوا كده"، حينما إستدعي من قبل الجهات المختصة ليستوضح منه حول مقالاته عن الفساد، أو كما قال؟
قضية ’أموال‘ السيد قطبي المهدي يعرفها كل من يعرف ’يفك الخط‘ فى بلادي، إلا السيد البشير الذى لا يزال يطالبنا بمده بالبينات حول قضايا الفساد حتى يتمكن من إتخاذ الإجراء المناسب بشأنها. ليس هذا فحسب بل إن السيد البشير يزعم بأنه سيسائل كل من ’سرق‘ أموال الشعب، والذى يعرف عند قادة الدولة الرسالية بإسم الدلع، "الإعتداء على المال العام"، وكأن ما يحدث من نهب و’لغف‘ لموارد البلاد هو مشابهه لمشاجرة بين أطفال يمكن وصفها بالإعتداء و العدوان...فتأمل!
لم يحرك السيد البشير ساكنا حول هذه القضية بالذات، ليس فقط لأنها قضية فساد تتعلق بأحد قياديي دولة ’البدريين‘، وبالتالي فهي تستوجب إهتمامه الشخصي، ليس لأنه قد قال ب’عضمة‘ لسانه بأن ليس هناك كبير فوق القانون، أو أنه ليس هنالك كبير على المحاسبة، مهما كان موقعه، بل لأن السيد قطبي المهدي قد خرق القانون تماما حينما توصل الى تسوية مع ’سارقيه‘ خارج المحاكم. فأين الحق العام يا سيادة الرئيس فى هذه القضية، حتى لو إفترضنا أن تلك الأموال هى من حر مال السيد قطبي؟
إذن فالسيد البشير لا يغض الطرف فقط عن الحقائق و البينات المتعلقة بقضايا فساد كبار مسؤوليه ورجال دولته، وإنما يشجعهم كذلك على خرق القانون الساري فى البلاد، والدوس عليه بأحذيتهم، تأكيدا منه على أن دولة الفساد والإستبداد، التى رسخها على أرض السودان الطاهرة، هو وزبانيته، تعلو ولا يعلى عليها!
وإذا ما تركنا قضية قطبي المهدي جانبا، بإعتباره من أكابر ’البدريين‘ الذين لا تسرى عليهم قوانين قادة الدولة الرسالية التى إستنوها بأيديهم، وأخذنا قضية فساد السيد مدحت، المستشار بوزارة العدل، فما هو يا ترى موقف السيد البشير، وآليات قصره، ومفوضيات فساده منها؟ هل سيطلب السيد البشير البينات حولها كذلك بعد أن قتلها الإخوة فى صحيفة السوداني، وبالأخص الأستاذ الطاهر ساتي، بحثا؟ إن فعل السيد البشير ذلك فسيثبت بالدليل القاطع، الذى لا يحتاج الى بينات، ضلوعه هو شخصيا فى ’تسونامي الفساد الرسالي‘ الذى مزق نسيج المجتمع السوداني، وأفقر شعبه، وكاد أن يتسبب فى إنهيار دولته، التى إضمحلت أصلا، حتى كادت أن تتلاشى، بفضل سياساته الرعناء فى جميع ميادين ومناحي الحياة.
إن وجود السيد مدحت على رأس عمله كمستشار بوزارة العدل حتى لحظة كتابة هذا المقال ، بعد كل ما كتب عنه، وبعد كل البينات التى قدمت ضده، يقف دليلا قاطعا على إزدراء السيد البشير، وجميع قادة الدولة الرسالية، لعقول بنات وأبناء الشعب السوداني. بل إن وجود السيد مدحت على رأس عمله حتى الآن يقف كذلك دليلا صارخا على مدى الإستهبال الذى يميز عقلية قادة ’البدريين‘، ومدى إستغفالهم للبسطاء من بنات وأبناء شعبنا حينما يغطون ممارساتهم الإجرامية تلك بغطاء من الدين الإسلامي الحنيف، أو يربطون مثل جرائمهم تلك بممارسات السلف الصالح، من أمثال العمرين العادلين، رضي الله عنهما، كما فعل السيد البشير فى إشارته لموقف الرسول الكريم(ص) بعد معركة حنين، حينما أشار للولايات الجديدة التى إستحدثها فى دارفور، وما إستتبعها من وظائف، وجيش عرمرم من الوزراء، والمستشارين، و الموظفين الجدد، وبالتالى إهدار المال العام، الذى يعتبر مسؤولا عنه بالدرجة الأولى، كغنائم وترضيات سياسية، بغض النظر عن مدى آثارها على تضخيم جهاز الدولة، وترهله، ومستوى أدائه!
ولكن ثالثة الأثافي تمثلت فى حديث السيد البشير حول الموقع الذى يحتله السودان فى مؤشر الشفافية الدولية، حيث يحتل دائما المواقع المتأخرة، حتى يكاد يكون "طيش" دول العالم فى هذا المجال. فماذا قال السيد البشير حول هذا الموضوع؟ كنت أتمنى لو لم يدل السيد البشير بدلوه فى هذا الشأن، إحتراما للموقع السيادي الذى يحتله،ولكنه أفصح فقال عجبا. لقد قال سيادته بأن السودان هو من الدول القلائل فى العالم، إن لم يكن الدولة الوحيدة، التى تقر بتقارير المراجع العام، وتنشرها على الملأ، وتناقشها فى البرلمان، بكل شفافية، فى ذات الوقت الذى تبني فيه منظمة الشفافية العالمية دراساتها ليس على تقارير الجهات الرسمية فى الدول، وإنما على تقارير المنظمات المدنية ذات العلاقة بهذا الشأن. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يشذ السودان عن جميع دول العالم ولا يسمح بمنظمات المجتمع المدني بمتابعة قضايا الفساد، وفضحها، ومحاربة المفسدين، و التعاون مع المنظمات المشابهة لها فى بقية دول العالم، حتى تستكمل دورها بكل وضوح وإقتدار؟ أم أن فتح مثل هذا الباب سوف يسمح للصحفيين الشرفاء من كتابة كلام ’ساكت‘ عن موضوع الفساد؟
ولكننا نقول للسيد البشير أن السودان لم يتفرد بهذا الموقف العجيب و الغريب حول قضايا الفساد و المفسدين لأن به دولة طاهرة وحكام صالحين نزيهين لا يمدون أياديهم الطاهرة الى المال العام،سواء كان بالإعتداء أو السرقة، وإنما لأن الإلتزام بمعايير منظمات عالمية، كمنظمة الشفافية العالمية، يعتبر إلتزاما بأفضل الممارسات التى توصل إليها المجتمع البشري فى هذا المجال. وإن عدم إلتزامكم بها لا يدل على تميزكم وتفردكم فى هذا الخصوص، وإنما على العكس تماما، فإنه يؤكد أن البون بينكم وبين الشفافية و محاربة الفساد، فعلا لا قولا، هو بمثابة البون بين السماء والأرض.
بل إن عدم إنضمامكم لتلك المنظمات، والإلتزام بمعاييرها، يؤكد الحقيقة المرة والتى نعتبرها أمر من تراخيكم فى محاربة الفساد، وهي أنكم تفضلون أن تقبعوا فى ذيل الدول الفاسدة، بدلا من الإنضمام إلى تلك المنظمات، وإفتضاح أمركم، وكشف ممارساتكم الفاسدة، ونهبكم لثروات وأموال الشعب السوداني فى وضح النهار. لكن الأمر المدهش حقا هو دفاعكم المستميت عن جرائم الفساد، وذلك بإقراركم أن قضايا الفساد التى رصدها المراجع العام لم تتجاو بضعة وثلاثين حالة، وأن المبالغ المنهوبة لا تكاد تتجاوز الخمسة ملايين جنيه!
ثم أشار سيادته الى دور ديوان المراجع العام، وكيف أنه كان مهمشا فى فترات حكم ما قبل الإنقاذ، ولا يؤدى الدور المناط به، كما فى عهدهم الراشد. ولمجرد المقارنة، و التذكير، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، نود أن نوضح لسيادته الحقيقة التالية حول ذمة قائد وطني واحد فقط، كنموذج للرئيس العفيف الطاهر لحقبة ما قبل كارثة "الإنقاذ". هذا الرئيس هو السيد إسماعيل الأزهري الذى كتب خطابا بخط يده الى السيد بشير النفيدى يطلب تسليفه مائة جنيه، ليستكمل بها باقى دينه منه حتى يصبح إجمالي المبلغ المستحق عليه مئتان وثلاثون جنيها بالتمام والكمال، وليس ثلاثمائة مليون مسروقة من قوت الشعب يا سيادة الرئيس. حدث هذا و السيد الأزهرى كان رئيسا للبلاد وقتها فى ظل نظام ديمقراطي منتخب، وليس سارقا للسلطة بليل!
إن أخشي ما أخشاه هو أن يطالبنا السيد الرئيس بالبينات و الدليل على صحة ما نقول. وإن كنا لا نستبعد ذلك إنطلاقا من قوة العين التى يدافع بها عن الفساد و المفسدين فى دولته الرسالية. وإن فعل ذلك فإنى أؤكد لسيادته بأن أي تلميذ فى مدارس الأساس السودانية سوف يمده بالوثيقة التى تثبت صحة ما أقول، من فرط إنتشارها كوسام يعلق على صدور رؤساء سودان ما قبل الإنقاذ قاطبة، وليس الزعيم الأزهري وحده.

8/2/2012م
ibraheem karsani [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]