تأسيا بنهج القذافي: قادة دولة الفساد والاستبداد يناشدون المواطنين بمقاطعة اللحوم!؟


إن أكثر ما يميز نهج القادة المستبدين هو ليس اضطهاد شعوبهم فقط، وإنما محاولة إلغاء عقول الشعب تماما باعتبار أنهم وحدهم القادرون على الإحاطة بالحكمة، و بالتالي لا يحق لأحد غيرهم تفسير ظواهر الطبيعة و المجتمع على حد سواء. فهم وحدهم القادرون على توفير الحلول الناجعة لأكثر المشاكل الإقتصادية والإجتماعية تعقيدا، وفى لمحة بصر! لذلك فهم دائما يرون أن المسافة الفكرية التى تفصل فيما بينهم وبين عامة الشعب تعادل آلاف السنين الضوئية. إنطلاقا من هذه القناعة فإنهم يعتقدون بأن جميع أفراد الشعب ليس سوى مجموعة من القصر تقف عاجزة عن مواجهة أية مشكلة، مهما صغر شأنها، ناهيك عن إيجاد الحلول لها. لذلك لا يحق لأحد غيرهم، وبعض بطانتهم من ’أهل الحل و العقد‘، التطرق لأي من المشاكل التى تواجه الأمة، بما فى ذلك القضايا المصيرية مثل تقسيم البلاد الى دولتين، أو قضايا المعيشة اليومية كشراء اللحوم، على سبيل المثال لا الحصر!
ليس هذا فحسب، بل إن مثل هؤلاء ’القادة‘ تصيبهم حالة مرضية يتوهمون على إثرها بأنهم قد أصبحوا فى مصاف الأنبياء لا يأتيهم الباطل من أمامهم أو من خلفهم. ومن ثم يدخلون فى حالة نفسية خاصة يتوهم فيها الفرد بأنه، وبلغة البسطاء من أهلنا، "يا دنيا ما فيكي إلا أنا"! وهي حالة يسميها علماء النفس بمرض ’جنون العظمة‘، حمانا الله و إياكم من شرورها. وحينما تتلبس ’القائد‘ مثل هذه الحالة المرضية فإنه لا يرى فى هذه الدنيا سوى نفسه، ويعتبرها البداية و النهاية لكل شئ. ثم يسدر هذا ’القائد‘ فى غيه، ويدخل مرحلة الجنون، بفضل ما يسبغه عليه المنافقون من بطانة السوء، و أولياء النعمة، من أوصاف وألقاب من قبيل ’القائد التاريخي‘، و ’القائد الضرورة، وغيرها، حتى يصل مرحلة من اليقين بأنه هو الشعب ذات نفسه! لذلك فإنه حينما يتخذ قراراته ’التاريخية‘، ومهما تتصف به من كوارث، فإنه يتخذها وهو موقن تماما بأنه إنما يتخذها لخدمة مصالح الشعب، و التى هي بالضرورة ليست سوى مصالحه الخاصة!
وعلى الرغم من أن تصرفات وسياسات أمثال هؤلاء ’القادة‘ تبدو فى ظاهر الأمر كنوع من ’الإستهبال‘، و ’اللعب على الذقون‘، إلا أنه إستهبال من نوع خاص. فهو إستهبال مدجج بترسانة من الأنظمة و القوانين التى يؤسسها ويفصلها أولائك المنافقون من بطانة الحاكم خصيصا لتلائم ’إستهباله‘ السياسي، بل وجنون عظمته كذلك، ويضيفون إليها كذلك ترسانة من الأجهزة المسلحة، بما فى ذلك الجيش و الشرطة، ويطلقون عليها الصفات ذات العلاقة بالشعب، وذلك إمعانا فى تضليل الجماهير و إرضاء ’القائد‘ فى ذات الوقت، ك’قوات الشعب المسلحة‘. وحينما تظن تلك البطانة بأن كل ما ’إخترعوه‘ من أنظمة وقوانين و أجهزة ليس كافيا للحفاظ على مصالح ’القائد‘، التى تتطابق تماما مع مصالحهم، يضيفون إليها أنواع خاصة من المليشيات المسلحة، كقوات الدفاع الشعبي، أو الشرطة الشعبية.لاحظ عزيزي القارئ الصفات ذات الصلة بالشعب. إن تكوين مثل هذه الأجهزة سيئة الصيت، و إطلاق مثل هذه الصفات عليها، يعتبر نوعا من التدليس الآيديولوجي لذر الرماد فى العيون حتى يتمكنوا من إخضاع الشعب تماما وتركيعه لأطول فترة ممكنة من الزمان، حيث أن هذه الأجهزة، و بمختلف مسمياتها تعتبر العدو الأول للشعب، على الرغم من أنها قد سميت بإسمه!
أحد أبرز نماذج هؤلاء القادة ’التاريخيين‘ هو العقيد القذافي. لقد ’إخترع‘ القذافي نظاما للحكم أسماه بالنظام ’الجماهيري‘، على الرغم من أن أكثر ما يميزه هو الفوضى و البعد عن الجماهير، من ناحية الشكل، و الإضرار بمصالح الجماهير و الوطن، من ناحية الموضوع. لكن هذا النظام كان يخدم مصالح ’القائد‘ و أفراد أسرته وبقية بطانته بدرجة فارس. لقد كان القذافي فى واقع الحال يزدري الجماهير التي يسبح بإسمها ليل نهار فى كل خطاباته ’الجماهيرية‘! وهذه حالة فريدة من جنون العظمة وصلت درجة مستعصية أطلق على إثرها القذافى إسما على حالة الفوضى التى خلقها فى البلاد، والتى لم يسبقه عليها أحد، حيث أسماها ’أول جماهيرية فى التاريخ‘، ولسوء حظه فقد منحه سبحانه وتعالى العمر المديد ليشهد بأم عينه بأنها قد كانت ’آخر جماهيرية فى التاريخ‘ كذلك!!
وأذكر أنه فى فترة من فترات حكمه الطويلة قد أحس ’القائد‘ يوما ما، ومن خلال قرون إستشعاره المنتشرة فى طول البلاد وعرضها، بأن ’الجماهير‘ بدأت تتململ جراء سياسات حكومته الظالمة التى جرت على شعبه البؤس و المسغبة فى بلد يعتبر من أغنى بلاد العالم من حيث الموارد المالية و الطبيعية. و يكفى فقط أن نبين بأن ’القائد‘ نفسه قد هرب ومعه 150 بليونا من الدولارات الأمريكية، هذا غير سبائك الذهب التى تيسر حملها، لندلل على الثروات المتراكمة لهذا البلد التعيس والتى قام ’القائد‘ وبطانته بإستغلالها لمصلحتهم، وتكديسها، وتبديدها، وسرقتها كذلك حينما تمت الإطاحة بهم. على الرغم من كل تلك الموارد إلا أن الشعب الليبي كان يعيش حالة من الفقر  المادي و الروحي المدقع، حيث يوجد القليل جدا من وسائل الترفيه، بما فى ذلك الكتاب الأخضر وشروحاته، التى تعتبر نوعا من أنواع قراءة النوادر و الهزل، هذا بالإضافة الى الخطابات الماراثونية المملة التى يتحف ’القائد‘ شعبه بها، بمناسبة وبغير مناسبة، والتى كان يستمتع بسماعها، بقية الناطقين بغيرها من غير الليبيين، أيما إستمتاع!
المهم فى الأمر أنه حينما أحس ’القائد‘ بتململ الجماهير جراء تدهور الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار و تدهور قيمة الدينار الليبي، دعا الشعب الى الخروج فى تظاهرات للمطالبة بإسقاط الحكومة! لا تندهش عزيزي القارئ، فهذه لم تكن مسرحية من مسرحيات اللامعقول، ولكنها حقيقة جرت فى شوارع طرابلس، حيث لبت الجماهير نداء ’القائد‘، وخرجت فى مظاهرات حاشدة، يتقدمها ’الأخ القائد‘ مطالبة بسقوط الحكومة.حدث هذا فى الوقت الذى يعلم فيه الجميع، بما فى ذلك ’الأخ القائد‘ نفسه، بأنه يستحيل تنفيذ أي أمر، أو سياسة، ناهيك عن تكوين الحكومة أو تغييرها وتبديلها، دون موافقة ’الأخ القائد‘! إذن ماذا يمكن وصف هذا العبث بغير جنون العظمة حين شعر ‘القائد‘ فى أحد تجلياته بأنه هو الشعب، و الشعب هو، لذلك خرج الى الشارع فى مظاهرة لإسقاط الحكومة، التى كان بإمكانه أن يسقطها بجرة قلم من فوق مكتبه الفخم بباب العزيزية، دون أن ينبس أحد من أفراد الشعب ببنت شفه. لكن ماذا نقول إزاء تلك الخلطة العجيبة حينما تجتمع ظاهرتي إزدراء الشعب وجنون العظمة مع بعضهما البعض فى لحظة تاريخية بائسة، سوى أن يكون نتاجها الإستهبال السياسي فى أبهى تجلياته، أي حينما يتنصل ’القائد‘ من كل مسئولياته، وينسب كل أفعاله الى مجهول!
ذكرتني المناشدة التى أطلقها السادة أعضاء المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، ’الموقرون‘، الى جماهير الولاية حاثين إياهم بضرورة عدم شراء اللحوم بإعتبارها سياسة ضرورية لخفض أسعارها، و التى وصلت حد الجنون، بمواقف ‘الأخ القائد‘. الفرق الجوهري الوحيد بينهما أن ’القائد‘ قد نزل بنفسه الى الشارع ليلتحم مع الجماهير، بينما تمتلئ برادات وثلاجات السادة المشرعين المحترمين بما لذ وطاب من أنواع اللحوم، بينما الغالبية العظمى من جماهير الولاية التى يناشدونها، لم يتذوقوا طعم اللحوم منذ أشهر عدة!
وبغض النظر عن صحة قرار مقاطعة اللحوم وعدم شرائها من عدمه كإجراء، أو آلية، لخفض أسعارها فإن مجرد إطلاق تلك المناشدة يعتبر، فى تقديري، نوعا من أنواع الإستهبال السياسي و التهرب من تحمل المسئولية. إن مراقبة الأسواق المختلفة وضبط أسعار جميع أنواع البضائع تعتبر ’أم‘ المسؤوليات بالنسبة لأية حكومة راشدة، ومهما كانت توجهاتها الفكرية أو الآيديولوجية، حيث أن الحكومة أصلا لم توجد إلا لحماية مصالح شعبها. وهل هنالك مصلحة يمكن أن تتقدم على حق المواطن فى الحياة الكريمة، بل قل البدائية، والتى يشكل الطعام و الشراب لحمتها وسداها. إن اللحوم، بالإضافة الى البقوليات، تعتبر المصدر الأساسي للبروتين بالنسبة للمواطن السوداني، تاركين جانبا الثقافة الغذائية للسودانيين، والتى  تشكل اللحوم أساسها المتين!
لكن السؤال المنطقي هو لماذا ترتفع أسعار اللحوم أصلا فى بلد يمتلك أكبر الموارد من الثروة الحيوانية على مستوى القارة الأفريقية؟ يوجد هنالك سببان. الأول زيادة الصادر من الماشية، حيث أن الحكومة قد قامت مؤخرا بتصدير أكثر من مليون ونصف المليون رأس من الماشية الى السعودية و الأردن ودول الخليج. وكل ما أخشاه هو أن يكون بعضا منها من الإناث، حيث أن قادة دولة البدريين لا يتورعون عن هذا، حيث فعلوا ذلك أكثر من مرة. ومن الممكن أن يفعلوها مرة أخرى حيث أنهم أكثر حوجة الى العملة الصعبة من أي وقت مضي. لذلك فإنهم سيكونون على إستعداد لتصدير إنسان السودان نفسه، وليس ماشيته فقط، إن كان ذلك سيزيد من موارد عملتهم الصعبة. ولقد فعلوا ذلك أيضا من قبل! ألم يقوموا قبل ذلك ب’تصدير‘ أطباء و مهندسي السودان الى المملكة العربية السعودية بتأشيرة راعي إبل؟! إنني أعتقد بأن أية حكومة تقوم ب ’بيع‘ رأسمالها البشري بثمن بخس غير جديرة بالإحترام، بل غير جديرة بالبقاء. وهذا هو بالضبط ما فعلته الدولة الرسالية، حيث شردت أكثر بنات و أبناء الشعب السوداني كفاءة فى أركان الدنيا الخمسة...تبا لها!
أما السبب الثاني لزيادة أسعار اللحوم فيتمثل فى الرسوم والجبايات التى تتقاضاها الأجهزة المختلفة لولايات ومحليات الدولة الرسالية بدءا من مناطق إنتاج الماشية وحتى وصولها الى المستهلك النهائي. لكن دعنا نأخذ الفارق بين سعر كيلو اللحمة عند بوابة ’المسلخ‘ وسعره فوق ’تربيزة‘ الجزار، لندلل به على مدي إستهتار قادة الدولة الرسالية بمصالح المواطن، وضرب حقوقه المشروعة عرض الحائط. هل تعلم عزيزي القارئ بأن سعر كيلو اللحمة لايتجاوز ال(15) جنيه عند خروجه من ’ السلخانة‘، إن لم يقل عن ذلك كثيرا، ولكنه يباع للمستهلك ب(35) جنيها. إذن أين يذهب فارق السعر والذى يقدر ب(20) جنيها؟ فإذا ما قدرنا (5) جنيهات كهامش ربح للكيلو الواحد، فأين تذهب ال(15) جنيه المتبقية، و التى تعادل حوالي (43%) من السعر النهائي؟ إنها تذهب الى خزائن المحليات فى شكل جبايات، وكذلك الى جيوب سماسرة الإنقاذ فى شكل عمولات.
وهل تعلم عزيزي القارئ كذلك بأنه لا يوجد قانون فى البلاد ليحتكم إليه المستهلك فى حالة تضرره من إستغلال التاجر له؟ إن غياب مثل هذا القانون هو أساس إختلاف أسعار نفس السلعة بين منفذ بيع و آخر لا يبعد عنه سوى أمتار قليلة! إن عدم وجود مثل هذا القانون يسمح لكل تاجر أن يبيع نفس السلعه، وبنفس المواصفات وتاريخ صلاحيتها، ’على كيفو‘...فتأمل!
إن مثل هذه القوانين توجد فى جميع بلدان العالم، وفى أعتى البلدان الرأسمالية التى أسست ’السوق الحرة‘،وطورت آلياتها، وصاغت القوانين التى تضبط أداء تلك الآليات، بحيث لا يسمح بإحتكار أي سلعة، أو أن يتعرض أي طرف لأي نوع من أنواع الإستغلال. إن غياب مثل هذه القوانين لا يوجد إلا فى الدولة الرسالية التى أطلقت سياسة ’السوق الحرة‘ ككلمة حق أريد بها باطل، حيث تحولت فى غياب القوانين و الضوابط التى تحكم أداءها الفعال الى فوضى عارمة لا تخدم إلا تجار الدين...واللحوم!! لقد تحولت ’السوق الحرة‘ فى غياب مثل هذه القوانين الى وحش كاسر قضى على الأخضر و اليابس فى البلاد وحول ثرواتها الى جيوب قلة من السماسرة وتجار الدين.
إن المستفيد الأول من إجراء عدم شراء اللحوم هي الدولة الرسالية نفسها و تجارها، حيث أن الدولة ستستفيد من زيادة صادراتها من الماشية الى السعودية ودول الخليج لجني بعض العملة الصعبة التى هي فى أمس الحاجة إليها بعد أن جف معينها من إيرادات البترول بعد فصل الجنوب، بينما سيستفيد تجارها وسماسرتها من الزيادة التى ستطرأ حتما على أسعار الدواجن، البديل الأمثل للحوم، و التى يحتكرون صناعتها ومنافذ بيعها.
وسنرى جيوب تجار الدواجن تزداد إنتفاخا مثل كروشهم، التى تمتلئ بمال السحت، جراء مقاطعة شراء اللحوم، وخصوصا إذا ما إستمرت المقاطعة لفترة طويلة، وبالأخص من قبل الطبقة المتوسطة، حيث أن شريحة الفقراء من بنات و أبناء شعبنا قد قاطعت شراء اللحوم من ’ زمااااااااان‘، كما عبرت عن ذلك بصدق إحدى النسوة اللائي قامت قناة النيل الأزرق بإستطلاع آرائهن قبل يومين. و السبب فى ذلك لا يحتاج الى كثير ذكاء لإستنتاجه، إنها حالة العوز  والمسغبة التى تعيشها الغالبية العظمى من بنات و أبناء الشعب السوداني بفضل السياسات الإقتصادية الجائرة و الظالمة لدولة الفساد و الإستبداد.أليس من المدهش حقا أن يقوم السيد الرئيس بالتبرع بآلاف الرؤوس من الماشية للدول الأجنبية، بينما يناشد قادة دولته الرسالية أبناء شعبهم بمقاطعة اللحوم لإرتفاع أسعارها؟!
21/9/2011م


Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\\\\