بين المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم.. وفتاة الفيديو- أو: أخلاق الشعب السوداني.. و أخلاق "البدريين"!؟


إرتبط إسم الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، أطال الله فى عمرها و متعها بنعمة الصحة و العافية، بالنضال من أجل حقوق وكرامة المرأة السودانية، بل لقد أصبحت رمزا لذلك النضال. وقد ظلت الأستاذة فاطمة فى طليعة حركة تحرير المرأة السودانية منذ منتصف القرن الماضى وحتى وقتنا الراهن. فلم يذكر إسمها فى أي محفل من المحافل، داخل و خارج أرض الوطن، إلا وجاء مقرونا بالإتحاد النسائي، الذى كانت فى قيادته، مع مجموعة كريمة من نساء بلادي، والذى ظل يناضل، لعقود خلت،  من أجل حرية الشعب السوداني، و الدفاع عن كرامة المرأة السودانية، بل و الشعب السوداني بأجمعه، فى وجه الظلم و الإستبداد و الطغيان.
لقد ظل الإتحاد النسائي فى طليعة منظمات المجتمع المدني المناهضة للأنظمة الدكتاتورية، و المنافحة عن الحقوق المشروعة لبنات و أبناء شعبنا، و يأتى بطبيعة الحال على رأسها حقوق المرأة العاملة. لقد إنتزع الإتحاد النسائي، بفضل صلابة قيادته وصمودها، معظم حقوق المرأة العاملة فى السودان، وبالأخص حق الأجر المتساوى للعمل المتساوى، متقدمة بذلك فى نيل الحقوق حتى على المرأة فى بعض البلدان الصناعية المتقدمة.
أما فى مجال الحقوق السياسية، فقد ظلت المرأة السودانية فى طليعة النساء اللائي إكتسبن حقوقهن، ليس على مستوى المنطقتين العربية و الأفريقية فحسب، بل على مستوى العالم أيضا. وقد كان للأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم شرف تمثيل المرأة السودانية فى البرلمان الذى أعقب ثورة أكتوبر 1964م، كنائبة عن دوائر الخريجين، مسجلة بهذا الإنتصار إسمها فى سجلات التاريخ الناصعة كأول نائبة منتخبة على مستوى المنطقة العربية بأسرها. وكذلك حقوق المرأة على مستوى الأجهزة التنفيذية، بل على أكثرها حساسية، ألا وهو الجهاز القضائى، الذى دخلته المرأة السودانية كقاضية على جميع مستوياته منذ ستينات القرن الماضى، فى الوقت الذى كان شغل هذا المنصب يشكل مجرد حلم للمرأة المصرية، أكثر البلدان العربية تقدما فى مجال حقوق المرأة فى ذلك الوقت، وسيظل بعيد المنال فى معظم البلدان العربية الأخرى، و الإسلامية على حد سواء.
لقد كان من الصعوبة بمكان، إن لم نقل من المستحيلات، تحقيق كل هذه المكتسبات بالنسبة للمرأة السودانية لولا صمود قياداتها، وبالأخص قيادات الإتحاد النسائي، و التضحيات الجسام التى قدمتها رموز نضاله، و التى يأتي فى طليعتها بالطبع تضحيات المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم. لقد واجهت الأستاذة فاطمة فى طريق نضالها الطويل مشقة وعنتا كبيرين، ومواقف صعبة، كان أقلها صعوبة دخول المعتقل، و العيش فى المنافي البعيدة، وهي المرأة التى إختلط دمها وروحها بتراب الوطن ودم و أرواح بنات و أبناء شعبه. وهل هنالك موقف أصعب من فقدان شريك الحياة و الترمل؟ لكن فقدان زوج الأستاذة فاطمة لم يكن طبيعيا، ولا كان نتيجة حادث سير، حتى يمكن التعايش معه بصورة عادية بإعتباره قضاءا وقدرا، ولكن الشهيد الشفيع أحمد الشيخ، زوج المناضلة فاطمة، قد صعد الى منصة الإعدام مرفوع الرأس، وواجه الموت بشجاعة الأبطال مدافعا ومنافحا عن حقوق وكرامة عمال السودان، بل مدافعا عن كرامة وحقوق جميع الكادحين من بنات و أبناء الشعب السوداني، كما شريكة حياته تماما، حينما حكم عليه بالإعدام معتوه آخر من دكتاتوريي بلادنا المنكوبة، ألا وهو جعفر النميري.
لقد حكت الأستاذة فاطمة موقفا واجهها إبان نضالها الطويل أيام الحكم العسكري الأول للبلاد ( 1958-1964م)، وقد كان ذلك الموقف عبارة عن مواجهة تمت بينها وبين أحد أعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، وعلى ما أعتقد أنه المرحوم اللواء طلعت فريد. لقد تمخضت تلك المواجهة عن مقولة صدرت عن اللواء طلعت فريد حيث قال لها فى نهاية نقاشه معها،"والله يا فاطنة لو ما كتي مرة كان دخلتك السجن"!!
تأمل قارئى العزيز هذه المقولة جيدا. لقد كان بإمكان المرحوم طلعت فريد قتل المناضلة فاطمة، و ليس سجنها فقط، بحكم الموقع القيادي الذى كان يتبوأه، و كذلك بحكم نفوذه داخل أجهزة الدولة. لكن شيئا واحدا حال دونه و تنفيذ ذلك السيناريو، ذلك هو الأخلاق الرفيعة التى تحلى بها، و التى  إكتسبها من الأخلاق الفاضلة للشعب السوداني، التى كانت تنظر الى مجرد إعتقال المرأة، فى ذلك الوقت، عيبا كبيرا، ناهيك عن إهانتها وإهدار كرامتها من خلال جلدها بالسياط على الملأ، بل وقتلها، الذى جسدته أخلاق قادة دولة "البدريين".
إن جلد تلك الفتاة المسكينة فى الشارع العام، كما جسده لنا ذلك الفيديو الشهير، لا يمكن إعتباره عقوبة، شرعية كانت أو وضعية، كما حاول قادة "البدريين" تفسيره لنا، بل يعتبر قمة الإستهتار بحكم القانون، إن لم يكن شريعة الغاب بذاتها. إن ذلك المنظر المعيب قد إستهجنه كل من شاهده فى جميع أنحاء العالم، بل أصبح سبة فى جبين جميع الشرفاء من بنات و أبناء الشعب السوداني، و بالأخص الذين يعيشون خارج البلاد، حتي أصبح الواحد منهم ينزوى خجلا، ويطأطأ رأسه، كلما جاءت سيرة تلك الفتاة المظلومة، وذلك الشريط البائس.
إن منظر الفتاة وهي تتلوى كالثعبان من شدة الألم، وتصرخ كالمجنونة من فرط العذاب الذى تعرضت له، وبتلك الصورة الهمجية، و أن يتم كل ذلك فى الشارع العام، على مرأى و مسمع من الجميع، لا يمت الى الرجولة فى شئ، بل ولا يمت الى السودان و أخلاق شعبه الفاضلة، التى  عرف بها بين جميع أمم الأرض، بأية صلة. لكن هذا المنظر يجسد بحق أخلاق "هؤلاء الناس" من "البدريين" المهووسين، الذين لا علاقة لهم البتة بنسيج المجتمع السوداني المتماسك. إن ذلك المنظر البائس يشكل بحق الأخلاق المنحطة لقادة "البدريين"، فى مقابل الأخلاق السمحة التى يتصف بها الشعب السوداني.
لكن قمة المأساة لم تكن فى ذلك الشريط وحده، بل كانت فى من إنبرى للدفاع عنه. ومن يا ترى قد قام بذلك الفعل الشنيع، الذى يمكن إعتباره أكثر بؤسا من ذلك المشهد/الفضيحة نفسه؟ إنه رئيس الجمهورية ووالي ولاية الخرطوم معا. ألم يكن كافيا أن يصدر قادة الدولة الرسالية بيانا لتوضيح موقفهم من تلك الفضيحة؟ فإذا لم يؤتى أكله، ألم يكن من الممكن أن يتصدى رئيس الجهاز القضائي بولاية الخرطوم لهذه المهمة؟ وإذا لم يقتنعوا بنتائج كل ذلك الجهد، ألم يكن كافيا أن يكلف والى ولاية الخرطوم بتلك المهمة؟ لكن قوة عين قادة دولة "البدريين" أبت إلا أن ينبرى لها رئيس الجمهورية شخصيا!
لماذا إذن إصرار قادة الدولة الرسالية على أن يتصدى رئيس الجمهورية شخصيا لهذا الأمر؟ لقد رمى هؤلاء الأبالسة من وراء ذلك الى إثبات وحدتهم فى منهج التفكير، وكذلك فى أساليب تنفيذ برامجهم، من أصغر مسئول وحتى قمة هرم سلطتهم التنفيذية، ممثلا فى رئيس الجمهورية. لكن لقد خاب فألهم. فقد صدموا بردة الفعل الغاضبة و الإستهجان الذى قوبل به ذلك المنظر البائس لتلك الفتاة المظلومة. ماذا يا ترى كان سيكون ردة فعل المرحوم طلعت فريد لو قدر له أن يعيش حتى يرى هذا المنظر الشنيع؟ هل كان سيتخيل، مجرد التخيل، إن من قام بالدفاع عنه ينتمى بحق للمؤسسة العسكرية السودانية؟ وهل كان سيتخيل، مجرد التخيل، إن من قام بالدفاع عنه يتمتع و يعتز بشرف الجندية السودانية؟ بل هل كان سيتخيل، مجرد التخيل، إن من إنبرى للدفاع عن تلك الجريمة النكراء، وهذا الشريط البائس، يمت بصلة الى السودان و أخلاق شعبه الفاضلة؟
إن إهانة المرأة، و إذلالها، و إهدار كرامتها، لم تكن يوما من الأيام جزءا من ثقافة ا الشعب السوداني، بل تعتبر فى العديد من أوساطه جريمة يعاقب عليها القانون. إن هذه الجريمة النكراء يمكن إعتبارها صنعة إنقاذية خالصة يمكن تسجيل براءة ملكيتها بإسم الدولة الرسالية. وإن حق تلك الفتاة المظلومة لن يذهب سدى، ولن يسقط بالتقادم. وإن القاضي الذى حكم بذلك الحكم المعيب، بل وتجرأ وحضر تنفيذه، لن يفلت من العقاب. وإن رئيس الجمهورية ووالى ولاية الخرطوم يعتبران شريكان فى إرتكاب ذلك الجرم، من واقع تصديهم للدفاع عنه بصورة علنية وموثقة، بل إنهما قد قاما بتهديد نساء السودان، و ترويعهن، من خلال تأكيدهم الجازم بنيلهن نفس العقوبة، إذا ما إرتكبن نفس "الجريمة"، وفقا لتفسيرهم  وتعريفهم المتخلف لها.
إن كان قادة "البدريين" يظنون، مجرد الظن، بأنهم سيفلتون من نيل العقاب العادل جراء ما إرتكبت أياديهم الآثمة من جرائم فى حق الشعب و الوطن، وبالأخص فى حق نسائه، فهم واهمون. بل إننا نقول لهم هيهات. ونؤكد لهم بأن بنات وحفيدات المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم سيواصلن نضالهن، جنبا الى جنب مع أبناء و أحفاد الشهيد الشفيع أحمد الشيخ، حتي يكنسن دولة الفساد و الإستبداد، التى قمتم ببنائها على دماء و جماجم الشرفاء من بنات و أبناء الشعب السوداني، الى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليها. و إن رحم فاطمة السودان لم يصبه العقم من ولادة فرسان مغاوير سيتصدون لكم ذات يوم، ويسقطون نظامكم الظلامي البائس، ويقدمونكم الى العدالة لتنالوا جزاءكم جراء الجرائم التى إرتكبتوها فى حقهم. يومها سيشهد عذابكم طائفة من نساء السودان البواسل، و عندها ستكون تلك الفتاة المظلومة، و أمثالها، قد إستردت حقوقها كاملة غير منقوصة، وتكون نساءانا قد وضعن حدا لإذلال المرأة السودانية، و إهانتها، و إهدار كرامتها، و الى الأبد، بإذنه تعالي.

17/8/2011م

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]