أود أن أتوجه فى بداية هذا المقال بالتهنئة الحارة الى القارئ الكريم، داخل و خارج أرض الوطن العزيز، بحلول شهر رمضان المعظم، كما أسأل الله تعالى أن يعيده على الشعب السوداني الكريم وقد تمكن من إزالة كابوس دولة التوجه الحضاري الجاثمة فوق صدره لأكثر من عقدين من الزمان، و التى أفقدته طعم وحلاوة هذا الشهر المبارك، ماديا وروحيا، كما سنرى من خلال ثنايا هذا المقال.
لقد سمح لي الوقت أن أشاهد بعض حلقات برنامج التواصل الصباحي الذى تبثه مباشرة قناة النيل الأزرق على موجتها (BNFM) قبيل حلول الشهر الفضيل بأيام، وقد أتى معظم الإتصال المباشر من جمهور النساء. إستغربت لذلك فى بداية الأمر، لكن الدهشة لم تدم طويلا بعد أن تبين لى موضوع و كنه القضايا التى يقمن بطرحها على مقدمة البرنامج. شكل الإستعداد لإستقبال الشهر الفضيل، و توفير متطلباته، لب جميع الحلقات التى تمكنت من مشاهدتها. وقد زالت دهشتى تماما حينما إستمعت الى أصوات أولائك النساء وهن يجأرن بالشكوى من إستحالة توفير متطلبات رمضان لهذا العام، وبالأخص من قبل الأسر الفقيرة. لقد أحسست بمرارة إحاسيسهن، بل كدت أرى دموعهن تسيل مدرارا، وهن يشرحن لمقدمة البرنامج أحوال الأسر الفقيرة، ومدى المعاناة النفسية و المادية التى تواجهها جراء هذا الوضع الصعب، و يطلبن منها ضرورة تدخل أولى الأمر المباشر و السريع لإيجاد الحلول المناسبة له.
لابد لى من أن أشيد بأولائك النسوة، و أشد على أيديهن بحرارة، ليس لأنهن قد تصدين فقط لقضايا وأمور الأسر الفقيرة و المعدمة، فى الوقت الذى لا يمكن إعتبارهن جزءا منها، بدليل الإتصال المباشر بالقنوات الفضائية التى لا تعرف الأسر المعنية لها سبيلا، و إنما فوق هذا وذاك، لأن إحساسهن بآلام و معاناة الأسر الفقيرة قد فرض عليهن واجبا دينيا و أخلاقيا بضرورة الدفاع عنها، بينما قادة الدولة الرسالية، المناط بهم، بحكم مواقع المسؤولية، التصدى لهذا الواجب، يغطون فى سبات و نوم عميق!
يمكن تلخيص شكاوى أولائك النسوة فى جملة واحدة، وهي: عجز الأسر الفقيرة عن توفير "آبري رمضان"، و الذى أشرن إليه، مرارا و تكرارا أثناء البرنامج، ب "الحلو مر". إننى أعتقد بان هذه الجملة تتضمن إشارة ذكية و تلخيص بليغ للوضع الإقتصادى فى البلاد ربما يكون أفضل من بعض الدراسات المتعمقة فى هذا المجال. ربما تساءل البعض كيف يكون هذا؟ وكيف يمكن أن يصدر مثل هذا الحديث من إقتصادي متخصص؟ إليكم الدليل. تقوم الجهات الإقتصادية المختصة بمحاربة الفقر، سواء كانت أكاديمية، أو حكومية، أو وكالات متخصصة تابعة للأمم المتحدة، بإجراء المسوحات و الدراسات لتحديد خط الفقر فى أي مجتمع من  المجتمعات، أو منطقة من المناطق، وهو أمر نسبي بطبيعة الحال، حيث توجد أسر تعيش على أقل من دولار فى اليوم فى بعض مناطق العالم، بينما توجد أسر تعيش على مئات الدولارات فى اليوم فى مناطق أخرى. لكن هؤلاء النسوة قد كفين تلك الجهات المختصة بدراسة الفقر فى السودان حد القتال، ووفرن لها الكثير من الجهد و المال الذى كان سيصرف لإجراء الدراسات لتحديد خط الفقر، وقمن بتحديده لها فى كلمتين فقط، "آبري رمضان"!!
كيف يمكن لنا إعتبار هاتان الكلمتان مؤشرا علميا لأحد أهم مجالات علوم التنمية الإقتصادية؟ نعم يمكن لنا ذلك إذا ما طبقنا على حالة الأسر الفقيرة السودانية مفهوم "الإستحقاقات"، الذى إبتدره عالم الإقتصاد الهندي الشهير، و الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد، أمرتيا سنج، بديلا لمفهوم "إحتياجات" الأسر الفقيرة، و الذى كان يشكل أساس دراسات المدارس الإقتصادية الرأسمالية، بمختلف مسمياتها. لكن قادة دولة "البدريين" قد أفسدوا معظم المفاهيم السائدة فى جميع مناحى الحياة، و بالأخص فى المجالات الإقتصادية و الإجتماعية، و أفقدوها معناها تماما، حيث أصبحت المجاعة "فجوة غذائية"، و الكوليرا مجرد "إسهال مائي"...فتأمل!!
إنطلاقا من هذه الحقيقة فإن "خط الفقر" أصبح لا يعنى ما هو متعارف عليه علميا بالنسبة لقادة الدولة الرسالية، لأنهم قد إستبدلوه عمليا بما يمكن تسميته ب"خط الموت"، وفقا لمؤشر "آبري رمضان"، أو "الحلومر". ربما يسأل بعض القراء الكرام، كيف سيتسنى لنا ذلك؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكمن فى النظر فقط الى الخلفية الإجتماعية التى  أتى منها "هؤلاء الناس".
أكاد أجزم بأن معظم قادة دولة "البدريين"، إن لم نقل جميعهم، قد إنحدروا من أسر مدقعة فى الفقر، حيث أقر بذلك رئيس الدولة الرسالية نفسه و ب"عضمة لسانه" فى أحد المقابلات التى أجريت معه. و ليس هنالك أدنى عيب فى ذلك، حيث إنحدرنا جميعا من تلك الخلفية، ولكن العيب الأكبر يكمن فى التنكر لها، بل يكمن، فى حقيقة الأمر، فى شن حرب إقتصادية شعواء عليها، بدلا من الإحساس بآلامها، ومعاناتها، كما أحس بذلك أولائك النسوة الأفاضل. إن الأسر مدقعة الفقر التى نعنيها كانت توفر لجميع أفرادها "آبري رمضان" طيلة الشهر الفضيل، بما فى ذلك تلك التى كانت تتلقى زكاة عيد الفطر المبارك!! إن توفير "الحلومر" كان يعنى بالضرورة أن بوسع تلك الأسر توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة لأفرادها، على الرغم من أنها كانت تعيش عند خط الفقر، بدليل أنها كانت متلقية للزكاة. ولكن عندما تعجز الأسرة عن توفير "الحلو مر" فى هذا الشهر الفضيل، و فى ظل دولة "البدريين"، فإن هذا يعنى أنها تعيش بالضرورة عند خط آخر غير خط الفقر، أسميته ب"خط الموت"، بل الموت الزؤام!!
هذا ما دفع أؤلائك النسوة الأفاضل توجيه النداء الى ذوي القلوب الرحيمة من الميسورين من أفراد المجتمع، بعد أن يئسن من قادة الدولة الرسالية، بضرورة تحسس أوضاع الأسر المعدمة، ومد يد العون لها، و تقديم ما تيسر من عون، عسى ولعل أن يخفف عنها معاناتها، و يساعدها على توفير "الحلومر"، و مواجهة شظف العيش الذى أوصلته لها السياسات الإقتصادية لدولة "البدريين، وبالأخص سياسات التحرير الإقتصادي، التى هندسها أحد الطفيليين من "مليونيراتها" المتخمين، ليخسف بتلك الأسر من "خط الفقر" الى "خط الموت" الزؤام. إن مناشدة أولائك النسوة تدمي القلوب، و تدمع الأعين، ولكن ليست قلوب أو أعين هؤلاء الأبالسة التى أصبحت كالحديد، الذى يفتخر وزير خارجيتهم بإحتكار تجارته، و الأدهى و أمر من ذلك، يسأل الله أن يزيده ثراءا، فى قوة عين يحسد عليها. ألم أقل لك قارئي الكريم، مرارا و تكرارا، بأن قوة العين صنعة!!
أعتقد بأن أؤلائك النسوة الأفاضل سوف يصبن بدرجة من الإحباط عند نهاية هذا الشهر الفضيل، حينما يكتشفن عدم إستجابة قادة دولة "البدريين" لنداءات الإستغاثة التى قمن بتوجيهها إليهم، وحينما تصل الى أسماعهن فاجعة أن معظم الأسر الفقيرة لم تتمكن من توفير "الحلومر" لأفرادها، وفوق كل هذا لإعتقادهن الخاطئ بأن قادة الدولة الرسالية هم من نوعية الحكام و المسئولين الذين عرفهم السودان أيام عهوده الزاهية، قبل أن يسلط الله عليه أحفاد هولاكو و جنكيزخان!!
إن هؤلاء النساء كن يعتقدن بأنهن يوجهن نداءاتهن الى قيادات وطنية تستدين من التجار لتقضي حوائج أسرها، كما كان يفعل الزعيم إسماعيل الأزهري، رحمه الله و أحسن إليه، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، أو الى قيادات أخرى خرجت جثامينها من بيوت الإيجار الى مثواها الأخير، كما هو حال الأساتذة المغفور لهم بإذن الله أحمد خير، صاحب فكرة مؤتمر الخريجين، و يحي الفضلى، و نصر الدين السيد، لهم جميعا الرحمة، على سبيل المثال لا الحصر. قيادات كانت تخاف الله بحق وحقيقة فى نفسها وفى رعيتها، لذلك كانت عفيفة ألسنتها وطاهرة أياديها، لم تستغل وظائفها العامة، أو مواقعها الدستورية لنهب المال العام أو سرقة مقدرات الشعب السوداني وثرواته. قيادات لم تذيق الشعب السوداني الأمرين، ولم تحيل نهاره ليلا، ووفرت لسكانه العيش الكريم، حيث مجانية التعليم و العلاج، ولم تهوى به الى "خط الموت" الزؤام. قيادات لم تهين المواطن، أو تذله، أو تحتقره، أو تزدريه. قيادات كانت تحكم وفقا للقانون، و الكل سواسية أمامه بغض النظر عن اللون، أو الجنس، أو الدين، أو الموقع الجغرافي. قيادات كانت تحمل رسائل المواطن العادى الى أبنائه عند سفرها إلى خارج البلاد،كما فعل المرحوم ابراهيم عبود، و كانت تخلى منازل الحكومة فى ثلاثة أيام فقط، فى حين تصل المدة القانونية الى ثلاثة أشهر كاملة،عند مغدرتها للمنصب الحكومي، كما فعل المرحوم عبد الرحمن على طه. قيادات حافظت على كيان البلاد موحدة، ودافعت عن سيادتها الوطنية، ولم تفرط فى شبر واحد من تراب الوطن.
لكن الإحباط الحقيقي الذى سيصيب أؤلائك النساء سيكون مصدره إكتشافهن أن إستغاثتهن لم تذهب سوى الى نوعية من المسئولين قد نزعت الرحمة من قلوبهم، و الى قيادات لم تتأدب بآداب الدين الإسلامي الحنيف، على الرغم من أنهم قد أصموا آذاننا بشعاراتهم الديماجوجية، فارغة المحتوى، حول تحكيم الشريعة وقيام دولة "البدريين". قيادات عذبت الشعب السوداني بإسم الدين، و أفقرته و نهبت ثرواته بإسم الدين، و أذلته و أهانته بإسم الدين. قيادا شردت خيرة بناته و أبنائه بإسم الدين، و أبادت شبابه فى محرقة حرب الجنوب بإسم الدين. قيادات إغتصبت حرائره بإسم الدين، بل حولت خريجات كليات الشريعة الى "قوادات" فى ظل دولة الشريعة المزعومة، كما أشار الى ذلك الأستاذ صلاح الدين عووضة فى أحد أعمدته. و الأدهى و الأمر من ذلك، قيادات مزقت تراب الوطن، وجزأته الى جزئين، دون أن يرمش لها جفن، بل هي فخورة بفعلتها النكراء تلك، دون وجل أو خجل. بإختصار شديد قيادات هي ليست سوى مجموعة من الطفيليين و تجار الدين. قيادات لم أجد وصفا أفضل لها من "مجموعات الهوس الديني"، كما وصفهم بذلك شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه.
بربكم هل يمكن لأيا كان أن يرجى خيرا من هذا النوع من القيادات؟ قيادات إستغلت الدين الإسلامي الحنيف أسوأ ما يكون الإستغلال، و تاجرت بمقاصده النبيلة، ووظفته أحسن ما يكون التوظيف، لتحقيق مآربها الدنيوية الزائلة. قيادات تزعم بأنها تؤسس لدولة "البدريين"، و إقامة دولة الشريعة، ولو كان ذلك بحد السيف، كما قال بذلك نائب رئيسهم مؤخرا، و هي فى حقيقة الأمر تؤسس لقيام دولة الفساد و الإستبداد التى لم يرى السودان لها مثيلا طيلة تاريخه الحديث، وما الدين الإسلامي الحنيف عندها سوى مطية لتحقيق هذا الهدف البائس.
إننى أقول لقيادات دولة "البدريين" إن العدل هو أساس الملك، و أن الظلم هو الجريرة الوحيدة التى يعذب الله سبحانه وتعالى مرتكبها فى الدنيا قبل الآخرة حتى يكون عظة وعبرة للآخرين. وإن ما إرتكبتموه من ظلم وجور فى حق بنات و أبناء الشعب السودانى الأبرياء سوف تنالون جزاءه العادل، بإذن الله، فى هذه الدنيا الفانية قبل الآخرة، وما يوم حسابكم فيها ببعيد، على الرغم من أن بطر السلطة و شهوتها قد صوره لكم بعيدا، و لكننا نراه أقرب إليكم من حبل الوريد. وأقول لهم بأن توفير العيش الكريم، و "حلومر" رمضان للأسر مدقعة الفقر يجب أن يكون أولوية قصوى بالنسبة لأي مسئول له ذرة من ضمير. ألم تسمعوا بقولة سيدنا عمر، رضي الله عنه، بأنه لو عثرة بغلة بأرض العراق لكان مسئولا عنها أمام ربه؟ أم أن هذه النماذج من حكام المسلمين لا تودون سماع سيرتها لأنها تشكل لكم حرجا بالغا مع الشعب السوداني، ناهيك عن بقية عضوية تنظيمكم "المخمومين" بإسم الدين؟
وليس لدي ما أقوله الى أولائك النساء الأفاضل اللائى وضعن ثقتهن فى غير محلها سوى جزء من الخواطر التى سقتها فى رثاء فارس الكلمة المرحوم الأستاذ الطيب صالح، طيب الله ثراه، والذى قال رأيه فى قيادات دولة "البدريين" فى سؤاله/المقال الذى سارت به الركبان، "من أين أتى هؤلاء الناس؟"، حيث قلت:
"شان ود صالح قلبو حنين
متحمل آلام الساقى بقالو سنين
شان هى نشافا
نشف قلبو و زادو أنين
....
يسأل نفسو ... وين الترباله ؟!
وين يا رب ... وين الرجاله؟!
وين يارب ... وين الصالحين؟!
وين الفقرا ... و ناس الدين ؟!
...
جاهو الرد من بت مجدوب
شوف آ الطيب ... ناسك ديل
ماهن عايشين !!
و الزين داك القلبو حنين
جايى يكورك
ديل عايشين ... زى الميتين !!
...
فيهن ناسا مرضانين
وفيهن ناسا تجار دين
و فيهن ناس كيفن زاهدين
و فيهن ناسا مو قايلين
يجيهن يوم زى يوم الدين
يوما ينشف فيهو الطين !!"

نعم، لقد نشفوا بالفعل "ريقنا وطيننا"، وقد تم كل ذلك، يا للهول، بإسم الدين. لكننا نقول لهم بأن مساحة المتاجرة بإسم الدين الإسلامي الحنيف قد بدأت تضيق أمامكم. و أن خداعكم، و إرهابكم لقيادات "الكنكشة"، بإسم الدين الحنيف لن تنطلى على شباب السودان، وبالأخص شباب أحزابه الوطنية، و أخص منهم شباب حزبي الأمة و الإتحادي. لقد أخذ هؤلاء الشباب مناعة كافية ضد أكاذيبكم و مكركم و متاجرتكم بالشعارات الدينية الزائفة، ووقفوا على حقيقة أمركم، و إكتشفوا كل أساليبكم الخبيثة التى تمكنتم من خلالها من نهب ثروات البلد، و توظيفها لمصلحتكم الخاصة، و التى تحولتم بفضلها من أسر مدقعة فى الفقر، الى أسر فاحشة الثراء، لم يستمع ضميرها الى نداء الملهوف الذى أطلقه بعض النساء الأفاضل فى عاصمتكم الفقيرة من أجل توفير "حلومر" رمضان للأسر المعدمة، وجعلتم الشهر الفضيل خال من الرحمة تماما للسواد الأعظم من أفراد الشعب السوداني!!
3/8/2011م
Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]