"عبقريات" الإنقاذ: ما بين رقصة العجكو 1968م... و أماسي العاصمة المثلثة!؟
إبراهيم الكرسني
أعتقد أن الكثير من شباب اليوم، و الذى عقد العزم وحزم أمره، لخوض معركة فاصلة وطويلة المدى، تهدف الى الإطاحة بنظام الإنقاذ من جهة، وعلى ’قيادات الكنكشة‘ من جهة أخرى، من أجل بناء سودان معافى، وخال من جراثيم نظام التوجه الحضاري، سودان ديمقراطي حر يسع الجميع، و يحترم حقوقهم، ربما لا يكون قد سمع، مجرد السمع، بقصة رقصة العجكو، و التى دارت أحداثها بجامعة الخرطوم فى العام 1968م.
أصل هذه القصة أن الجبهة الديمقراطية لطلاب جامعة الخرطوم كانت تقيم مهرجانا سنويا، غالبا ما يكون مقرونا بموسم الإنتخابات التى تجرى كل عام لإختيار المجلس الأربعيني لإتحاد طلاب الجامعة، و الذى يقوم بدوره بإختيار اللجنة التنفيذية لذلك الإتحاد. لقد كانت الأجواء التى تحيط بموسم إنتخابات الإتحاد غالبا ما تتميز بالعديد من الأنشطة السياسية، و الفكرية، و الثقافية، و الإجتماعية، وتأتى مفعمة بحيوية الشباب، الذى يملأ ساحات الجامعة و ميادينها وقاعاتها بالفعاليات المختلفة التى تجعل منها أمكنة للإبداع الطلابي بمختلف أشكاله و أنواعه، فوق دورها الأساسي كأماكن لتلقى العلم، و ممارسة الأنشطة اليومية المعتادة للطلاب.
لقد قررت الجبهة الديمقراطية أن يتضمن مهرجانها لذلك العام نماذج من الرقصات الشعبية التى تذخر بها مناطق السودان المختلفة، كالجابودي، و الصقرية، و الرتروتي، و العجكو، على سبيل المثال لا الحصر، و التى تؤديها قبائله متنوعة الثقافة و الفنون، كجزء من حملتها الإنتخابية التى ترى فى الإرتباط بالمجتمع السودانى بمختلف مكوناته العرقية، و الدينية، و الثقافية، هو جزء من رسالتها، و إعتراف صريح بتلك المكونات المختلفة. ليس هذا فحسب، بل يعكس إحتفاء الجبهة الديمقراطية بالتراث الشعبي لمختلف القبائل السودانية درجة من الوعي المبكر بأهمية، بل ضرورة، إحترام ذلك الإختلاف و التنوع لمختلف مكونات المجتمع السوداني، و تبجيله، و المحافظة عليه، وتطويره، حتى تشعر تلك القبائل بأنها جزء أصيل من مجتمع السودان، وأحد مكونات الوطن، التى لا تكتمل صورته الكلية من دونها.
إن المغزى الأساسي لإحتفال طلاب الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم بالتراث و الفنون الشعبية يتمثل فى ربط القبائل السودانية فى مواقعها المختلفة بعضها ببعض من خلال تلاحم أبنائها فى مؤسسات التعليم العالى فى تنظيم واحد يسمو فوق الإختلافات القبلية، مما كان يعتبر مؤشرا قويا لإمكانية بناء سودان واحد موحد يتسع لجميع أبنائه و بناته بمختلف سحناتهم، و أعراقهم، و دياناتهم، و ثقافاتهم. ولو حذت أحزابنا الوطنية حذو أبنائها من طلاب الجبهة الديمقراطية، وإحتفت بثقافة القواعد المكونة لعضويتها، و إحترمتها، و بجلتها، وطورتها، لكان الوضع مختلف كليا عن واقع التمزق المزرى و الإحتراب الذى تدور رحاه بين أبناء تلك القبائل الذين شعروا بالتهميش، السياسي و الثقافي، الذى حاول طلاب الجبهة الديمقراطية لفت الإنتباه إليه فى وقت مبكر، فكانت مبادرات مهرجاناتهم الشعبية تتقدم على عقليات قيادات أحزابهم بعقود طويلة من الزمان.
سأعود بكم الآن لقصة العجكو. قررت الجبهة الديمقراطية إقامة فعالية رقصات الفنون الشعبية، و التى شكلت جزءا رئيسيا من مهرجانها لعام 1968م، على مسرح قاعة الإمتحانات الشهيرة بجامعة الخرطوم، و التى كانت تعتبر مكانا مقدسا و مخيفا، فى ذات الوقت، حيث تعقد بداخلها الإمتحانات النهائية للطلاب من كل عام. لقد شكل شهر مارس، وقت إجراء الإمتحانات بعبعا للطلاب حتى  كنوه بشهر الكوارث! و أطلقوا عليه شعارهم الشهير،"مارس..شهر الكوارس"!! بدأ المهرجان مبشرا وواعدا، حيث تم التحضير له بصورة دقيقة و منضبطة، كعادة طلاب الجبهة، لكنهم أغفلوا عنصرا واحدا لم يدر بخلدهم فى ذلك الحين. لم يتوقع أعضاء الجبهة الديمقراطية بأن هنالك جهة ما داخل الجامعة كانت تخطط، وبصورة دقيقة أيضا، ليكون الفشل مصير ذلك المهرجان. تلك الجهة هي ’الإتجاه الإسلامي‘، الوعاء التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين فى أوساط الحركة الطلابية.
بينما كان طلاب وطالبات الجبهة الديمقراطية يؤدون رقصة العجكو الشهيرة بصورة جذابة، و بينما كان الحضور مستمتعا غاية الإستمتاع، و مشدودا بكل حواسه نحو ذلك الأداء الرائع، إذا برجل نحيف أسمر اللون يعتلى مسرح القاعة صائحا، ’حرااااام... أوقفوا هذا العبث.... حرااااام‘، ثم قذف بكرسي كان يحمله تجاه الطلاب و الطالبات المبدعين الذين كانوا يشاركون فى أداء رقصة العجكو. لقد ساد القاعة هرج و مرج شديدين، و تحول المسرح من مكان للإبداع الى ساحة حرب غير متكافئة، حيث كان طلاب الجبهة الديمقراطية فى قمة الإستعداد للبذل والإبداع، و أعدوا لذلك ما أستطاعوا من أدوات للفنون، بينما كان طلاب الإتجاه الإسلامي فى قمة الإستعداد لمعركة فاصلة، و أعدوا لها ما إستطاعوا من أدوات الحرب، ورباط الخيل....فتأمل!! إنتهت المعركة بإصابة أحد الطلاب فى مقتل، أستشهد على إثره، رحمه الله رحمة واسعة و أحسن إليه، فكان بذلك أول شهداء الهوس الديني و التهميش الثقافي!!
أتدرون من كان ذلك الرجل النحيل الذى قاد تلك ’الموقعة‘؟ إنه الأستاذ عبد الرحيم على، رئيس مجلس شورى الجبهة الإسلامية، و الذى ترأس الإجتماع الأخير لمجلس شورى المؤتمر الوطني. تأمل، عزيزي القارئ، الإختلاف فى التسميات و المسميات، و الوحدة فى الشخوص و القيادات. إنه نفس عبد الرحيم على القيادي فى الإتجاه الإسلامي، و الجبهة الإسلامية القومية، و المؤتمر الوطني....أليس فى ذلك عبقرية؟!
إن مجلس الشورى هذا هو نفس التنظيم الذى يجيز ويقر برنامج المؤتمر الوطني، و الذى تنفذه حكومة المؤتمر الوطني برئاسة الرئيس البشير، و الذى يعود ليحاسبها فى مدى كسبها و إخفاقها فى تنفيذ بنود ذلك البرنامج بكل جزئياته. إذا كان ذلك صحيحا يصبح السؤال: كيف تسني لمجلس برئاسة نفس الرجل الذى حرم رقصة العجكو، أن يبيح إقامة ما أسماه ’أماسي العاصمة المثلثة‘، و لكن بصورة منفردة، متمثلة فى ’أماسي أم در‘، ’أماسي بحري‘، و ’أماسي الخرطوم‘، كل على حدة؟
إن أكثر ما يميز تلك الأماسي هو الحضور المختلط لمرتاديها من الجنسين، ليس فى نفس المكان فحسب، بل جلوسا جنبا الى جنب. ليس هذا فحسب، بل لقد تميزت تلك الأماسي بالرقص المختلط بين الجنسين، شيبا و شبابا، يشاركهم فى ذلك قادة الدولة ’الرسالية‘ ممن أتيح لهم فرصة الحضور، و لكن بصورة خاصة السيد وزير الثقافة!! يا ترى ما الذى جعل رقصة العجكو حراما فى العام 1968، و أماسي العاصمة المثلثة حلالا فى بدايات القرن الواحد وعشرين؟! ترى ما الذى جعل الرقص المختلط حراما فى العام 1968 و حلالا فى العام 2011م؟ هل يا ترى تغير المكون الثقافى للمجتمع السوداني أثناء تلك الفترة، أم تغيرت عقول ونفسيات قادة دولة ’البدريين‘؟
أكاد أجزم بأن مكونات المجتمع السوداني الثقافية لم تتغير ما بين عامي 1968م و 2011م، على الرغم من إمكانية تطورها، فلا تزال مختلف القبائل السودانية تمارس نفس طقوسها و رقصاتها أثناء مراسم فرحها، و كذلك مواسم زرعها و حصدها، على الرغم من أن الدولة الرسالية قد أسست وزارة مختصة، فى بداية عهدها، أسمتها وزارة ’التخطيط الإجتماعي‘، تمثلت مهمتها الأساسية فى إعادة صياغة الإنسان السوداني... فتأمل! كما أكاد أجزم بأن عقلية قادة الدولة ’الرسالية‘ لم تتغير كذلك، و الدليل أنهم لا يزالوا يجلدون حرائر السودان لمجرد لبسهن للبنطال، و من منا لا يذكر مأساة/ قصة الأستاذة لبنى أحمد حسين؟ لكن الذى تغير هو شئ واحد: فقه الضرورة.
يشكل فقه الضرورة، الذى إبتدعه شيخهم الذى علمهم السحر، قمة الإنتهازية السياسية، بل إنه يجسدها فى أبهى صورها، يتقزم فى حضرته السيد ميكافيلي. لقد أفتى هذا الشيخ، كما ورد على لسان العديد من تلامذته وحوارييه، بتحليل كل ما يسهل لهم الوصول الى إستلام السلطة السياسية، و ’الكنكشة‘ بها حتى يأتى أوان تسليمها الى السيد المسيح، و كذلك كل ما يبرر إنفاذ سياسة ’التمكين‘ لقيادات و عضوية الجماعة، و كذلك المؤلفة قلوبهم، بما فى ذلك الكذب الصراح!
لقد شكل فقه الضرورة القاعدة الذهبية التى مكنت ل"هؤلاء الناس" من العبث بمقدرات شعبنا، و نهب ثرواته، و أن يعيثوا فسادا فى البلاد بصورة أذهلتهم هم أنفسهم حتى أضطروا إضطرارا فى الآونة الأخيرة الى تكوين مفوضية، أسموها ’مفوضية محاربة الفساد‘، بعد أن أزكمت رائحته أنوفهم هم أنفسهم، نا هيك عن الآخرين!
إذن هذا هو الأساس فى ’تحليلهم‘ لإقامة أماسي العاصمة المثلثة فى صورتها المختلطة السافرة. الهدف هو الكسب السياسي ليس إلا، والذى لا علاقة له البتة بشرع الله، أو غيره من الشعارات المتمسحة بأهداب الدين، و التى لا يهدفون من ورائها سوى الكسب الدنيوي الرخيص. فحينما شعر "هؤلاء الناس" بأن الأزمة السياسية الطاحنة أخذت تاخذ بألبابهم، و بأن حبلها بدأ يلتف حول رقابهم، و بأن شباب السودان بدأ يعد العدة للإطاحة بهم، حيث بدأ فى تكوين تنظيماته، ك’شباب من أجل التغيير‘، و’حركة شرارة‘، التى سوف توظف طاقاته بصورة إيجابية، و تنظم صفوفه، بهدف الإطاحة بدولة الفساد و الإستبداد، فكر هؤلاء الأبالسة فى أنجع أسلوب يمكن لهم من خلاله تفتيت جهود أولائك الشباب، وصرف أنظارهم الى سفاسف الأمور، و تفريغ طاقاتهم فيما لا ينفع، و تحويل جهودهم الى الرقص و الغناء، بدلا من السعي للإطاحة بالنظام. حينها تفتقت ’عبقرية‘ الإنقاذ عن أماسي العاصمة المثلثة،كأفضل أسلوب يمكن من خلاله إمتصاص غضب الشباب و تحويل طاقاتهم الخلاقة نحو مجال الفنون، بدلا من مجال الصراع السياسي الذى سيطيح بهم فى نهاية المطاف.
هذا هو الهدف الذى برره لهم فقه الضرورة، و إلا فكيف يعقل أن يوافق نفس الرجل الذى حرم رقصة العجكو، التى تجسد أحد أفضل تراثنا الشعبي، على إقامة أماسي العاصمة المثلثة، بعدما يقارب الثلاثة و أربعين عاما من ذلك التحريم؟ هل يمكن لأعداء الفن بجميع أنواعه، و فى جميع صوره و أشكاله، أن يسمحوا بإقامة المهرجانات الفنية فى المسارح و الساحات العامة، إن لم يكن ذلك خدمة لأهدافهم السياسية؟ هل يمكن لأعداء الحياة، الذين زجوا بخيرة شباب الوطن فى محرقة حرب جهادية ضد أبناء الهامش، أن يسمحوا للشباب من الجنسين بإقامة مهرجانات الفنون، التى تشكل قمة العطاء الإنساني، بل الحياة نفسها، والغناء و الرقص المختلط فى الهواء الطلق، إن لم يكن ذلك من أجل الكسب السياسي الرخيص؟
إن المضاهاة بين رقصة العجكو التى أقيمت ضمن مهرجان طلاب الجبهة الديمقراطية على مسرح قاعة إمتحانات جامعة الخرطوم فى العام 1968م، وبين مهرجانات أماسي العاصمة المثلثة، والتى يقيمها هؤلاء الأبالسة هذه الأيام، لا تجسد سوى حالة الفصام الفكرى و الإستلاب الثقافي التى يعيشها قادة الدولة ’الرسالية‘ فى أبهى صورها.  وعلى الرغم من فقه الضرورة الذى يجيز لهم كل فعل، مهما يبدو خارج نطاق نسقهم الفكري، إلا أن ’تحليلهم‘ لنفس الفعاليات و الأنشطة الشبابية التى حرموها قبل ما يزيد على الأربعة عقود، يقف دليلا صارخا على مقدرة شعبنا المبدع على هزيمة مجموعات الهوس الديني، وإعادة صياغة كائن من كان، حتى لو كان ذلك حسن البنا نفسه، ناهيك عن تلامذته من ضيقي الأفق و قصيري النظر!!

19/6/2011م
Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]