شاهدت قبل عدة أيام إفتتاح الدورة رقم (15) لما يسميه الإنقاذيون ب’عزة السودان‘ بمدينة القضارف. أكثر ما لفت إنتباهى التجهم البادي على وجه ’القائد‘ الذى كان يخاطب المنتسبين إليها، حيث لم تبدو على وجهه أيا من سمات ’الصلاح‘ التى يفترض أن تكسو وجوه قادة دولة ’البدريين‘، التى من المفترض أن يكونوا قد ولوها شطر الحياة الآخرة، ذلك من فرط إعتزالهم لهذه الدنيا الفانية، و تعففهم عن مكاسبها الرخيصة، و مغانمها، من قبيل ’الحوافز المليونية‘، و ’المكافآت الدولارية‘، و ’بدلات العيدين و اللبس‘، و غيرها من الإغراءات الدنيوية التى لا تليق إلا بأعداء التوجه الحضاري، الذين يلهثون وراء مغانمها، بينما يعيش قادة الدولة الرسالية على الكفاف إبتغاءا لمرضاة الله فى الدنيا و الآخرة! و لعله من حسن الحظ أن تيسر لى مشاهدة نفس هذا الرجل، بعد إفتتاحه لدورة عزة السودان بأيام قليلة، يجلس فى الصفوف الأمامية للمؤتمر الصحفى الذى عقده المشير سوار الذهب بمباني منظمة الدعوة الإسلامية. وسوف أريكم الرابط بين هذين الحدثين فى متن هذا المقال بإذن الله.
ليس هنالك أدنى شك فى أن الخدمة الوطنية تعتبر شرف لشباب الوطن، يتدفق نحوها الشباب فى معظم بلدان العالم طوعا و إختيارا، وليس عن طريق ’الكشات‘، لما ترمز إليه من إلتزام فى الدفاع عن التراب الوطني فى حالة تعرضه لأية أخطار خارجية. وقد أثبتت جميع التجارب الناجحة فى هذا المجال بأن الشباب على إستعداد لتقديم أرواحهم رخيصة فى سبيل ذلك. هل لكم أن تتخيلوا، ولو للحظة واحدة، أن ’عبقرية‘ الإنقاذ تمكنت من تحويل  مثل هذه الرسالة النبيلة الى محرقة لشباب السودان ليتم من خلالها إغتيال خيرة أبناء شعبنا مع سبق الإصرار و الترصد!
كيف تم ذلك؟ وما هى الوسائل و الأساليب التى تمكن من خلالها ’هؤلاء الناس‘ من تحويل تلك الرسالة النبيلة الى مصيدة حارقة؟ إن أنجع الوسائل التى مكنت ’البدريين‘ من بلوغ غاياتهم فى هذا الشأن هي تحويل تلك الدورات الى مدارس كادر. نعم إن ما أسموه دورات ’عزة السودان‘ لم تكن سوى مدارس كادر من الطراز الأول تمكنوا من خلالها من خداع و تضليل معظم الشباب، و سوقهم الى تنفيذ أهدافهم المرسومة بدقة لفرض إرادتهم السياسية على الشعب السودانى بالإرهاب و قوة السلاح.
تتمثل المهمة الأولى لأية مدرسة كادر فى غسل أدمغة المنتسبين إليها، و تنظيفها، و إفراغها تماما من كل ما تختزنه من مبادئ و أنماط أخلاقية، بل وحتى أنظمة شعورية ووجدانية، إكتسبتها بالفطرة السليمة من خلال معايشتها لمجتمعها و التفاعل معه، إيجابا وسلبا، و من ثم حشوها بآيديولوجية التنظيم عبر ’كورسات‘ منظمة، و معدة بدقة و إتقان، من قبل الكوادر المتخصصة فى شتى المجالات السياسية، و الإقتصادية، و الإجتماعية، و الثقافية، بالإضافة الى المجال الديني الذى يشكل أولوية قصوى بالنسبة لقادة الدولة الرسالية.
هنا يأتي دور ذلك الرجل الذى شاهدناه قائدا لدورة عزة السودان بمدينة القضارف، ومن ثم شاهدناه مرة أخرى جالسا فى الصف الأمامي للمؤتمر الصحفى لمنظمة الدعوة الإسلامية. إن وجود هذا الرجل يجسد أبلغ دليل على أن هذه الدورات ليست سوى مدارس كادر ل ’تجنيد‘ الشباب لخدمة أهداف تنظيم الجبهة الإسلامية القومية، بمختلف مسمياته. وحينما نقول هذا فإننا لا نطلق الحديث على عواهنه، بل نود أن نذكر القارئ الكريم بأن البيان الأول لإنقلاب الجبهة المشؤوم قد تم تسجيله بمباني منظمة الدعوة الإسلامية، كما ثبت لاحقا من أكثر من جهة. و بما إن قائد دورة عزة السودان (15) هو فى ذات الوقت أحد الكوادر القيادية لمنظمة الدعوة الإسلامية التى لعبت دورا حاسما فى نجاح إنقلاب الإنقاذ، يصبح هو بالضرورة أحد القيادات ’الفكرية‘ و العسكرية للتنظيم المناط به ’تجنيد‘ الشباب، وهي مهمة عظيمة، لو تعلمون، لن يقدر عليها سوى الكوادر ذات الوزن الثقيل من متجهمي الوجوه!
و الآن سنأتي الى تفكيك وتحليل المسمي الذى إختاره قادة الدولة الرسالية لهذه الدورات. تأمل جيدا، قارئي الكريم، فى هذا المسمي، ’عزة السودان‘. إن إختيار هذا المسمي، فى تقديري، لم يأت إعتباطا، بل لقد تم إختياره بعناية فائقة تدل على مستوى التدريب المكثف، من الناحيتين الفكرية و المهنية، الذى خضعت له الكوادر القيادية للجبهة الإسلامية القومية. إن مفهوم العزة مرتبط فى الثقافة العربية الإسلامية بأعلى درجات الشرف، الذى يتطلب صونه و المحافظة عليه، بذل الغالى و النفيس، بما فى ذلك بذل الأرواح رخيصة، دون أدنى تردد، إن تطلب الأمر ذلك. ودونكم التاريخ الطويل من الحروب التى أزهقت العديد من الأرواح، دفاعا عن عرض وشرف ’القبيلة‘ فى صحارى العرب و بواديهم.
و يصبح الشباب أكثر إستعدادا للتضحية حينما يتم غسل أدمغتهم، و يربط ’هؤلاء الناس‘ تلك ’العزة‘ بالسودان الوطن. ليس هذا فحسب، بل لقد ذهب قادة الدولة الرسالية فى مجال غسل أدمغة الشباب مذهبا يرقى الى مستوى الجريمة حينما أقحموا الدين الإسلامي الحنيف فى هذا الشأن، و تفتقت ’عبقريتهم‘ عن شعار حماية ’العقيدة و الوطن‘. نعم لقد نجح قادة ’البدريين‘ من خلال هذا الشعار المخادع فى تحويل العديد من الشباب الى قنابل موقوتة، و تمكنوا من خلاله من جر أكثرهم الى محرقة الحرب فى جنوب البلاد، حيث قضى الكثير منهم نحبه، وذهب ضحية لمدرسة كادر الجبهة الإسلامية القومية، و شعاراتها الخادعة و المضللة، و التى تتعارض مع صحيح الدين و التربية الوطنية السليمة.
هل يمكن لنا أن ننسى برامج ’ساحات الفداء‘، و ’عرس الشهيد‘، ووعودهم الكاذبة لأولائك البسطاء بالجنان التى تجرى من تحتها الأنهار، والآلاف المؤلفة من الحور العين اللائي تم عقد قرانهن على هؤلاء الضحايا، فى أكبر عملية متاجرة بالدين الإسلامي الحنيف، لم يشهد مثلها طيلة تاريخه الطويل، سوى على أيدى هؤلاء الأبالسة. ثم هل تذكرون ’موقعة‘، بل مواقع، القرود و الملائكة التى حاربت جنبا الى جنب مع أولائك الشباب فى أدغال الجنوب؟ بربكم هل هنالك مسخرة أكثر من هذه؟! بل هل لكم أن تدلونى عن جريمة يمكن أن ترتكب فى حق الشباب و الوطن أكبر من هذه الجريمة؟
إن جر شباب السودان الى محرقة الحرب فى الجنوب تعتبر جريمة كبرى فى حق العديد من الأسر الكادحة، و يجب ألا تمر دون أن ينال كوادر مدرسة كادر الجبهة الإسلامية، وقادتهم، جزاءهم العادل، جراء فعلتهم الشنيعة هذه، حيث أن هذا النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم. لقد فقدت معظم الأسر العديد من أبنائها، وهم فى ريعان شبابهم، فى تلك المحارق، وربما كان أكثرهم العائل الوحيد لها.
و سنأتي الآن لنرى حجم الحصاد المر، و المآسي التى جناها الشعب و الوطن، جراء البرامج والسياسات الحمقاء التى نفذها قادة الدولة الرسالية، بناءا على ’تعاليم‘، و إرشادات، و توجيهات، مدارس كوادرهم. إن حماقة الدفاع عن ’العقيدة و الوطن‘ قد قادت الى التأسيس لمنظومة الجهاد المقدس، و التى خلقت بدورها الحرب ’المقدسة‘ فى الجنوب. لقد تم تجييش مئات الآلاف من شباب الوطن ورحلوا الى تلك الحرب، دون تدريب أو إعداد كاف، بل حتى دون تسليح يرقى الى مستوى تلك المعارك، حيث قضى العديد منهم نحبه فى محرقة تلك الحرب اللعينة.
و إنه لمن غرائب الأمور أن يظل قادة الدولة الرسالية يتحدثون عن ’عزة السودان‘ فى الوقت الذى تم فيه تقسيم البلاد الى جزأين، فى وثائق ممهورة بأيديهم الملطخة بدماء أولائك الشباب، الذين أعدموهم فى ’ساحات الفداء‘. فأي ’عزة‘ تتحدثون عنها و تراب الوطن يتم تمزيقه إربا إربا أمام أنظاركم؟ و أية ’عزة‘ تتحدثون عنها وتراب الوطن ملوث بأحذية عشرات الآلاف من الجنود الأجانب الذين يحتلون العديد من أجزائه، و بموجب وثائق وقعتم عليها بأيديكم الملطخة بدماء أولائك الشباب؟ و أية ’عزة‘ تتحدثون عنها ومطار الخرطوم أصبح محتلا، أمام أعينكم، بالطائرات الأجنبية، مدنية و عسكرية، التى تنقل الجنود الأجانب، و مؤنهم ومخصصاتهم، و بموجب معاهدات تم توقيعها بأياديكم الملطخة بدماء أولائك الشباب؟ و أية ’عزة‘ تتحدثون عنها و إسرائيل تضرب مدن الوسدان الكبرى، كما حدث لمدينة بورتسودان مؤخرا؟ و أية ’عزة‘ تتحدثون عنها و أجزاء عزيزة من شمال وشرق البلاد مغتصبة من قبل دول أجنبية؟ وعن أي سودان تتحدثون وقد قسمتموه الى دولتين، بموجب معاهدات تم توقيعها بأيديكم الملطخة بدماء أولائك الشباب؟ و عن أي سودان تتحدثون و المؤامرات تحاك أمام أعينكم لتفتيت ما سيتبقى منه بعد شهر واحد الى عدة دويلات غربا وشرقا؟
ألا يحق لنا أن نسأل، هل يمكن لمثل ’هؤلاء الناس‘، بعد كل ما إرتكبوه من جرائم كبرى فى حق الشعب و الوطن، يرقى بعضها الى مستوى الخيانة العظمي، أن يتحدثوا عن السودان، ناهيك عن ’عزته‘؟ حقا ’قوة العين صنعة‘، كما أشرنا الى ذلك فى عنوان مقال سابق. وحقا إذا لم تستح فأفعل ما شئت. و أعتقد جازما بأنه يوم تم توزيع الحياء على البشر، فقد شكل قادة ’البدريين‘ غيابا تاما عن ’مسرح العمليات‘!
و أخيرا أود أن أتوجه بنداء خاص الى شباب الوطن، المغلوب على أمره، هو أن يتخلوا تماما عن شعار ’عفا الله عن ما سلف‘، الذي شكل المنظومة الأخلاقية و الثقافية لأسلافهم من قادة الأحزاب السياسية، و الذي لم يوردهم سوي موارد التهلكة. فماذا جنوا هم أنفسهم، و ماذا جنى السودان الوطن من وراء هذا العفو؟ لقد أوضحت تجربة السودان العملية النتائج الكارثية، حينما يكون هذا العفو فى غير مكانه. لقد أهان معظم المجرمين، الذين تم العفو عنهم، قيادات أحزابنا الوطنية، و أذلوهم، و عذبوهم، و أذاقوهم الأمرين، بل و إغتالوا بعضهم بدم بارد. لذلك فإنني أطلب من هؤلاء الشباب أن يقتصوا من كل من أجرم فى حقهم أولا، وفى حق الوطن ثانيا. أرصدوا جرائمهم. أرصدوا فسادهم. أنتم تعرفونهم فردا فردا. لا تتركوهم بغير حساب عادل، ووفقا للقانون، و بموجب محاكمة عادلة تتوفر لهم فيها حق الدفاع عن النفس، حتى يروا بأم أعينهم الفرق الواضح بين دولة القانون و المؤسسات، ودولة الفساد و الإستبداد التى أسموها بدولة التوجه الحضاري، وهي، وكعادة "عبقرياتهم" تماما، لا علاقة لها لا بالحضارة ولا بالتحضر. بل إنها تجسد الوحشية والهمجية فى ’أبهي‘ صورها، كما دلت على ذلك تجربة العقدين المنصرمين من عمر الدولة الرسالية.

تنويه:
تمر علينا اليوم، الموافق 9 يونيو، الذكرى السنوية للبيان الذى خطه الشهيد جوزيف قرنق بيده، و الذى لو تم تبنيه و تطبيقه، كما أراد له الشهيد، لما شهدنا مآسي ’ساحات الفداء‘، أو مساخر ’عرس الشهيد‘، أو تأسيس ’دولة جنوب السودان‘ بعد شهر بالضبط من تاريخ اليوم. بل كنا سنرى بديلا لكل ذلك دولة الوطن الواحد كبديل لدولة الحزب الواحد، كما كنا سنرى سودانا واحدا موحدا يعيش فى كنفه الجميع، متساوون فى الحقوق و الواجبات، بغض النظر عن الجنس، أو اللون، أو الدين، أو القبيلة، أو الموقع الجغرافي، مطبقين شعار، ’الدين لله و الوطن للجميع‘ نصا وروحا.

9/6/2011م
Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]