"عبقريات" الإنقاذ: أسماء ’الدلع الإسلامية‘ للممارسات الفاسدة لدولة ’البدريين‘!!
إبراهيم الكرسني
أكثر من عشرين عاما مضت ونحن نفهم جيدا إزدواجية نظام دولة التوجه الحضاري فى كل ما تقوله، أو تفعله، أو ترمى إليه، سواء كان ذلك تصريحا أو تلميحا، حتى وصل الأمر بمعظمنا الى درجة الغثيان. إذ كيف لأي إنسان على وجه هذه البسيطة أن  يتفهم، ناهيك عن أن يحتمل، ممارسات منظمة تسمى ’حسن الخاتمة‘،على سبيل المثال لا الحصر، و التى تقف شاهدا و دليلا دامغا على عكس ما يعنيه إسمها تماما. المعنى اللغوي الواضح و الصريح و المباشر لهذه المنظمة يشير الى أنها منظمة تعنى بشؤون الموتى، و أن من يقف ورائها لا يبتغى سواء مرضاة الله و أجره وثوابه فى الحياة الآخرة. ليس هنالك أي إنسان عاقل، كان سيظن، مجرد الظن، بأن من قام بتأسيس هذه المنظمة، و تحت هذا المسمي كان يبتغى إستنزاف موارد الأحياء لخدمة أغراضه الدنيوية الرخيصة، و أنه لم يفكر إطلاقا فى ثواب فى الحياة الآخرة. بل الحقيقة الماثلة أمامنا تقول بأن من يقف وراء هذه المنظمة كان يقصد نيل عذاب الله فى الدار الآخرة، مع سبق الإصرار و الترصد! إنهم كائنات مريضة، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني ودلالات. لكن الأنكى و الأمر من ذلك أن يكتشف المرء بأن من يقف وراء مثل هذه المنظمات المشبوهة هي دولة ’البدريين‘ بجلالة قدرها، حيث أن ولاية الخرطوم تقوم بدعمها بما يقارب المليار جنيه سنويا. ألا يحق لنا أن نسأل بعد كل هذا ما هو نصيب والى ولاية الخرطوم شخصيا، و بقية أعضاء حكومته الرسالية من هذه الغنيمة؟
تأملوا جيدا أسماء ’الدلع الإسلامية‘ التى تطلقها دولة الفساد و الإستبداد على أجهزتها و منظماتها التى ’صنعت خصيصا‘ لمص دم الشعب السودانى و نهب ثرواته؟ الواقع الفعلى لهذه المنظمة يشير الى أنه كان يجب تسميتها ب’منظمة سوء الخاتمة‘، لكن كذب ونفاق دولة ’البدريين‘ وسوء قصدهم، و نواياهم، و أخلاقهم، وما يهدفون اليه فى حقيقة الأمر، هو ما أوحى ل’عبقريتهم‘ بصناعة هذا الإسم العجيب والمضلل.
المثال الثاني الذى سنستدل به على أسماء ’الدلع الإسلامية‘ التى يتخفى ورائها هؤلاء الأبالسه، و يتخذونها مطية ليفرضوا على الشعب السوداني صنوفا من الممارسات الفاسدة تشيب لها الولدان، و تعجز الألسن عن وصفها، يتعلق بالمجاعة. هل يمكن أن تختلف عنزتان عن معني كلمة ’مجاعة‘؟ لا أعتقد أن أي عاقل له أدني إلمام بمعانى اللغة العربية سيجيب بكلمة نعم. لكن القاموس الذى صنعته ’عبقرية‘ دولة ’البدريين‘ يمكن أن يسمح بذلك. من المعروف أن هذه الكلمة تعنى لغة عدم تمكن الإنسان من الحصول على ما يسد رمقه من الغذاء، و بالتالي سيموت جوعا بالضرورة. لقد عرف الشعب السوداني هذه الكلمة بهذا المعنى منذ مجاعة ’سنة ستة‘. لكن ’عبقرية‘ الإنقاذ أبت إلا أن تمنحه معنا آخر يجمع بين موت الإنسان و حياته فى ذات الوقت، ومن خلال نفس الظاهرة. إن ’عبقرية‘ الإنقاذ الحقيقية قد تفتقت عن إطلاق كلمتين لتصف بهما نفس الظاهرة، فسمت المجاعة ب’الفجوة الغذائية‘...فتأمل!!
حينما ضربت المجاعة منطقة غرب السودان، و بالأخص فى إقليم دارفور، ضمن إطار الساحل الأفريقي فى العام 1984، و حينما عقدت الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم ندوتها الشهيرة بدار الأساتذة فى نوفمبر من ذلك العام، و التى شرفتنى بأن أكون ضمن المتحدثين فيها، لتبصر الحكومة بمخاطرها، فقد نصحناها بأن تعلن إقليم دارفور منطقة كوارث و تقدم نداءا الى المجتمع الدولى، من فوق منبر الأمم المتحدة لتقديم يد العون حتى يمكن إنقاذ مواطني دارفور من الموت جوعا. لم تستجيب الدكتاتورية المايوية لهذه النصيحة، ولم تفعل كما فعلت الحكومة الإثيوبية، حيث أعلنت بلدها منطقة كوارث من فوق منبر الأمم المتحدة، و بالتالى إستأثرت بمعظم العون الدولى الذى تدفق على الدول التى تضررت من المجاعة. وكلنا يذكر ’بوب قيلدوف‘ و أغنية ” We are the World” الشهيرة التى شارك فيها مشاهير الفنانين العالميين، و المنظمة الخيرية التى أطلقوها ونجحت فى جمع ملايين الدولارات التى أنقذت آلاف الأرواح فى إثيوبيا، فى ذات الوقت الذى ضاعت فيه آلاف الأرواح فى إقليم غرب السودان، و بالأخص فى إقليم دارفور، جراء مكابرة الدكتاتور جعفر نميري.
لكن الدكتاتور نميري لم يختلق إسم ’دلع‘ ليضفيه على المجاعة التى جراها نظامه البائس على غرب السودان فى ذلك الوقت، كما أوضحنا فى تلك الندوة الشهيرة، بل سماها بإسمها و لكنه أرجعها الى أسباب غيبية، و ليس الى سياساته الإقتصادية و الزراعية العقيمة، حيث كان فى قمة ’دروشته‘ حين أراد أن يوهم الشعب السوداني بأنه الإمام المنتظر، وفرض عليه قوانين سبتمبر الغبراء، التى أدخلت البلاد فى نفق مظلم لم تخرج منه حتى الآن.
أذكر تماما أنه حينما تمكن الشعب السوداني من الإطاحة بالدكتاتورية المايوية و تنسم عبير الحرية، قد كتبت مقالا صحفيا إتهمت فيه بنك فيصل "الإسلامي"، أرجو ملاحظة صفة ’إسلامي‘ جيدا، بأنه أحد أسباب المجاعة التى ضربت بأهلنا فى إقليم غرب السودان، وبالأخص فى إقليم دارفور، حيث كان يشترى ,العيش‘ بأبخس الأثمان من المزارعين فى مناطق إنتاجه، ثم يقوم بتخزينه فى مخازنه بمدينة كوستي، ليبيعه لمواطنى غرب السودان بأعلى الأثمان، التى تجعل سعره خارج نطاق القوة الشرائية لأولائك المواطنين البؤساء. وبذلك يكون هذا البنك، الذى ينسب نفسه الى الإسلام، قد إرتكب جريمتين فى ذات الوقت. الأولى حينما إستغل المزارعين فى مناطق الإنتاج، و الثاني حينما إستغل المزارعين و الرعاة فى مناطق الإستهلاك. لم يتورع هذا البنك فى قتل مواطني غرب السودان جوعا، فى سبيل الكسب الدنيوي الرخيص. لقد إرتكب هذا البنك كل هذه المآسي، وللأسف الشديد، تحت راية الدين الإسلامي الحنيف.
كما أذكر أن بنك فيصل قد أقام دعوة قضائية ضدى فى المحاكم متهمنى فيها بإحداث ضرر بالغ بمصالحه الإقتصادية حيث زعم بأننى قد قمت بإشانة سمعته من خلال ذلك المقال، وطالب بتعويض نقدي ’إسمي‘ بمبلغ مليون جنيه. لكم أن تتخيلوا مبلغ مليون جنيه فى منتصف الثمانينات من القرن الماضي لأستاذ جامعي لا يكفي راتبه لمقابلة منصرفاته، ومنصرفات أفراد أسرته، لأسبوع واحد من الشهر. لقد قصد البنك، الذى كان يمثله فى تلك القضية الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر، رئيس برلمان دولة ’البدريين‘ الحالى، إرهاب الأكاديميين، وقادة الرأي، و إسكات الأقلام الحرة و إخراسها من أن تتعرض، ولو بكلة واحدة، لتجربتهم ’الإسلامية‘، ممثلة فى بنك فيصل.
وحينما تمكن بنك فيصل من حكم السودان، بعد نجاح إنقلاب الإنقاذ المشؤوم، و تأسست دولة ’البدريين‘ على نفس نموذجه، أصبح تجويع الشعب السوداني منهجا ثابتا، و سياسة معتمدة من قبل دولة الفساد و الإستبداد. إن سياسة التجويع التى إعتمدتها دولة ’البدريين‘ قد ألحق ضررا بالغا بالشعب السوداني كله، و أذاقته الأمرين، ما عدى القلة المسيطرة على مقاليد الحكم. إن حالة المسغبة و الفاقة التى يعيشها الشعب السوداني، و يتحملها بكل ثبات، لا يحس بها قادة الدولة الرسالية، بل لقد وصلت الجرأة بمستشار رئيس دولة ’البدريين‘ حد وصف ب’الشحادين‘.
 لكن قادة دولة ’البدريين‘ كانت تنقصهم شجاعة الدكتاتور نميري، حيث لم يسموا الأشياء بأسمائها الحقيقية، و إنما أطلقوا على المجاعة التى خلقوها فى العديد من مناطق السودان، بفضل فسادهم ونهبهم لثروات البلاد، إسم ’الدلع الإسلامي‘ الذى تفتقت عنه ’عبقرية‘ الإنقاذ، وهو ’الفجوة الغذائية‘... فتأمل!! لقد قصد ’البدريين‘ من وراء ذلك إخفاء الحقائق الماثلة من خلال أبواقهم الإعلامية التى برعت فى تزييف الحقائق و ’تغبيش‘ نظرة الرأي العام لها.
 وبما أن العالم قد أصبح قرية كونية، كما يقولون، و بما أنهم مقتنعون تماما بأن الشعب السوداني سيتمكن من الحصول على حقائق المجاعة بوسيلة أو بأخرى، لذلك لم يتجرأوا بنفيها تماما، كما عودونا دائما، و لكنها أطلقوا عليها إسم ’الدلع‘ الذى تفتقت عنه ’عبقريتهم الإسلامية‘. لكنهم بذلك يكونوا قد إرتكبوا إثمين كبيرين. الأول هو المساعدة فى قتل العديد من المواطنين الذين كان من المكن أن يتم إنقاذهم لو أعلنت الحقائق على الملأ، وتم إستنفار الشعب السوداني المعروف بالإيثار و الكرم و التكافل و نكران الذات، لنجدة إخوانه الذين يواجهون الموت جوعا. أما الإثم الثاني فيتمثل فى أكاذيبهم، و مكرهم الإعلامي، و جبنهم عن تحمل المسئولية الأخلاقية و السياسية لسياستهم الخاطئة و جشعهم و فسادهم و تجارتهم بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف.
أما ثالثة الأثافى فى بدعهم و أسماء ’الدلع الإسلامية‘، التى تفتقت عنها ’عبقرية‘ الإنقاذ، فتتمثل فى نهبهم للمال العام المملوك للشعب و المجتمع. يعرف ’أكل‘ ونهب المال العام فى كل الدنيا بالفساد، و يعرف كل من يمد يده ل’أكل‘ ذلك المال بالفاسد، إلا فى دولة ’البدريين‘، حيث إبتكرت ’عبقريتهم الإسلامية‘ جملة ’التعدي على المال العام‘ لتصف ظاهرة سرقة المال العام، التى يعرفها كل العالم بالفساد! نعم، إنهم يحاولون خداع الشعب السوداني بذلك، و لكنهم لا يخدعون إلا أنفسهم. فالشعب السوداني أذكى من ذلك بكثير، وله قدرة فائقة على التمييز بين الطيب و الخبيث، و إن تميز بحيائه المألوف، الذى يظنه بعض الأغبياء إستغفالا، و يعرف تماما أن دولة ’البدريين‘ تنافس، و بجدارة، على أن تتبوأ مرتبة ’الطيش‘ فى نتائج الشفافية العالمية....فتأمل!!.
لقد هجم قادة دولة ’البدريين‘ على موارد البلاد هجمة رجل واحد، وكأنهم جيش غازي، و جيروها لمصالحهم الخاصة، و إستغلوا كل منصب، مهما كان وضيعا، و كل منظمة ’أهلية‘، مهما صغر شأنها، لسرقة المال العام، و ’أكله‘ حتى تضخمت كروشهم من مال السحت، دون أن يرجف لهم جفن، و دونكم تجربة و ممارسات ’منظمة حسن الخاتمة‘، التى يندى لها جبين كل إنسان شريف، ناهيك عن من يدعي بأنه يبني دولة رسالية!!
ثم يأتوا بعد كل ذلك ل’يقلعوا أضانا‘ بحديثهم السمج و الممجوج عن تفعيل قانون إقرار الذمة. تمعن فى كلمة ’تفعيل‘ هذه. إنها تدل على أن هذا القانون قد كان موجودا فى أضابير أدراجهم منذ فترة طويلة. فلماذا لم يطبق منذ لحظة إقراره؟ وهل سيتم تطبيقه منذ بداية عهدهم الشؤوم، أم منذ لحظة تفعيله، وعفى الله عما سلف؟ بمعني آخر هل قام السيد الرئيس عند إقرار ذمته و أفصح عن ما بحوزته من أصول، ثابتة و منقولة، حينما كان عميدا بالقوات المسلحة لحظة إنقضاضه على السلطة الديمقراطية المنتخبة، أم أنه قد قام بإقرارذمته لحظة توقيعه على الإقرار؟ و لماذا لم تعلن تفاصيل ذلك الإقرار على الملأ حتي يقف الشعب السوداني على حقيقة ممتلكات رئيسه، و من ثم يحاسبه على طهارة يده وفقا لذلك؟
 أو تأمل، عزيزي القارئ، عن شعارهم الكاذب القائل ب’هي لله...هي لله...لا للسطة ولا للجاه‘. فحينما تسمعه تظن أنك أمام رجال لا يملكون من هذه الدنيا سوى حطامها، و لكن حينما تراهم على حقيقتهم، تكتشف أنهم يركبون إلا الفاره من السيارات،ويملكون العمارات، و يعيشون فى القصور، و يتطاولون فى البنيان، و يتكالبون على الدنيا كأنهم سيعيشون أبدا. حينها ستثق بأن شعارهم الحقيقي هو، ’هي للسلطة...هي للجاه‘، و أن تأسيس دولة ’البدريين، لم يكن لوجه الله سبحانه و تعالى البتة، كما يزعمون.
أختم فأقول إياكم و أسماء ’الدلع الإسلامية‘ التى يطلقها قادة دولة الفساد و الإستبداد على أجهزتهم، و منظماتهم، و بنوكهم، وممتلكاتهم، ومؤسساتهم، وكل ما يخصهم أو يتعلق بأنشطتهم، فهي لا تعدو أن تكون كلمات حق أريد بها باطل، و ليست سوى أكاذيب يطلقونها لتضليل الرأي العام و ’تغبيش‘ وعيه عن حقيقة أفعالهم و ممارساتهم الفاسدة. و أنهم لا يهدفون من ورائها سوى خداع الشعب السوداني و المتاجرة بإسم الدين لكسب المزيد من التراكم الرأسمالي الطفيلي البدائي و ما ينتج عنه من مآسي يجيدون صنعتها، بإعتبارها المجال الذى تمرسوا فيه و إكتسبوا من خلاله تجربة غنية تمكنهم خلق المجاعة، التى يعتبرونها مجرد ’فجوة غذائية، و يسرقون أموال الشعب، و ينهبونها بفسادهم الذى أزكم الأنوف، ولكنهم يعتبرون ذلك مجرد ’إعتداء على المال العام‘، أو يسرقون الأحياء و ينهبون أموالهم، ثم يدعون أنهم لا يقومون بذلك إلا مراعاة لمصالح الأموات...تبا لهم!!
5/5/2011م
Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]