أصبح من المعروف أن مؤسسات الحكم و الإدارة فى كل العالم تقوم على أسس و أنظمة تستند على نظريات و قوانين ذات سمات مشتركة بين مختلف الدول، ومهما إختلفت أنظمة حكمها، على الرغم من إمكانية إختلافها فى التفاصيل الدقيقة لتناسب التركيبة الإجتماعية و السياسية لكل بلد. بل لقد أصبحت تلك القوانين و النظريات علما يدرس فى معظم جامعات العالم، و أصبحت لها معاهد متخصصة لتدريب الكوادر البشرية و تأهيلها لتتمكن من إدارة تلك المؤسسات على الوجه الأكمل حتى تتمكن من أداء رسالتها، و من تقديم الخدمة لمن يطلبها فى أفضل صورة ممكنة.
ليس هذا فحسب، بل لقد تطور علم الإدارة العامة حتى وصل مرحلة أصبح لجودة الأداء فرعا خاصا به من فروع ذلك العلم يسمى ’الجودة الشاملة للإدارة‘، أو بلغة الفرنجة ’Total Quality Management’، و تعرف إختصارا ب’TQM‘. إن الهدف الرئيسي الذى تسعى الجودة الشاملة الى تحقيقه هو تحويل أنظمة المؤسسة المعينة و كوادرها البشرية من سادة على الزبون الى خادم له، بمعنى آخر أن يصبح الزبون، أو المراجع، هو السيد، و الموظف المسئول بمثابة الخادم له، وفق معايير محددة و متفق عليها. لذلك أصبحت القاعدة الذهبية للإدارة، وفقا لنظريات الجودة الشاملة، هو أن الزبون دائما على حق. هذا المبدأ يقف دليلا قاطعا على أنه فى حالة نشوب خلاف بين الموظف و الزبون، فإن البداية السليمة لحل ذلك الخلاف يتمثل فى إفتراض أن موقف الزبون هو الصحيح، ومن ثم يبدأ حل الإشكال على هذا الأساس.
إن علم الجودة الشاملة للإدارة و معاييره هو الذى مكن الإدارات الحكومية و مؤسسات القطاع الخاص من تأسيس أنظمة التطور، و خلق البيئة المناسبة للإبداع، وفتح المجال واسعا أمام جميع العاملين فى المؤسسة، من أدنى مستوى الى أعلاه، للإبتكار و التطوير بما يخدم أهداف المؤسسة، ذلك أنه قد جعل لكل مؤسسة رؤية واضحة و رسالة محددة تسير على هديها. إن هذا العلم يفترض على كل من ينتمى لتلك المؤسسة الوعى الكامل برؤية المؤسسة و رسالتها، بل يكاد يلزمهم بحفظ رسالتها عن ظهر قلب.
 الهدف من كل هذا ليس هو ’الفشخرة‘ بأنظمة المؤسسة، أو ’الإستعراض‘ بأدائها، و إنما الهدف الرئيسي من وراء ذلك يتمثل فى إلتزام كل من يعمل بها بتحقيق رسالتها، من خلال إلتزامه بتنفيذ أهداف الخطة السنوية للمؤسسة كل فى مجال تخصصه أو عمله. وكمثال لذلك يحكى أن احد كبار الزوار لوكالة ’ناسا‘ الأمريكية للفضاء فى ستينات القرن المنصرم قد سأل أحد عمال الوكالة الذى كان يقدم له كوبا من الشاي عن ما هي رسالته: فأجابه دون أدنى تردد، "أن أضع إنسان على سطح القمر"...فتأمل!!
إذا كان عامل ’البوفيه‘ فى وكالة ناسا على هذا القدر من الوعي برسالة المؤسسة، فماذا يمكن أن يقال عن علمائها الكبار و بقية مسئوليها؟! إن المؤسسات التى تلتزم بتطبيق أنظمة الجودة الشاملة لا تفترض مجرد الوعي و حسن الفهم لرسالتها لدى العاملين لديها فقط و إنما، فوق هذا وذاك، تتسم أنظمتها بأعلى درجات الشفافية فى أداء جميع مهامها. لذلك لا توجد ’واسطة‘ أو ’محسوبية‘ فى تعيين العاملين لديها، و بالطبع تنتفى المحاباة تماما عند تقييم الأداء السنوي للموظفين و تحديد ترقياتهم و مكافآتهم السنوية.
إذن ليس بمستغرب البته أن ترى أعلى درجات الجودة فى أداء تلك المؤسسات، و كذلك فى مستوى الخدمات التى تقدمها، لأن كل ذلك قد إستند على ثقافة مؤسسية راسخة يلتزم بها جميع العاملين بدءا من المدير، مرورا بالموظف، و إنتهاءا بالخفير. وحينما تصبح مؤسسات البلاد جميعها بمثل هذا المستوى فإن ذلك سوف يقود بالضرورة الى حدوث ثورة شاملة، ليس على مستوى المؤسسات فقط، و إنما داخل المجتمع بأجمعه، نسبة للتكامل و التداخل اليومى الذى يحدث بين معظم أفراد المجتمع و تلك المؤسسات. من هنا أتت النهضة الشاملة لتلك المجتمعات، لأنها قد بنيت على أسس و أنظمة الجودة الشاملة فى جميع مناحي الحياة. وإننى لعلى قناعة راسخة بأن اليابان ستستعيد عافيتها، و ستتمكن من إعادة إعمار ما دمره زلزالها الأخير و التسونامي الذى تبعه فى أقصر فترة ممكنة،و بأسلوب سيدهش الجميع، لأنها كانت أول دولة فى العالم تطبق نموذج و معايير الجودة الشاملة.
هذا ما كان من أمر جميع البلدان التى تحترم نفسها و مواطنيها، فما هو الوضع يا ترى داخل دولة التوجه الحضارى و مؤسسات ’البدريين‘؟ إن المبدأ الرئيسي الذى إستندت عليه الإنقاذ فى تأسيس مؤسسات دولة الفساد و الإستبداد هو النقيض تماما لنموذج الجودة الشاملة. لقد تمثلت الرسالة الأساسية لجميع مؤسسات الإنقاذ، سواء كانت حكومية أو خاصة، ليس فى تجويد الأداء أو خدمة المواطن، و إنما فى ’التمكين‘!! و بالطبع لم يرمى الإنقاذيون من وراء ذلك تمكين أفراد المجتمع من إدارة شؤونهم، أو إصلاحها، أو الإرتقاء بها، و إنما كل ما رموا إليه تمثل فى تمكين القلة التى تدين لهم بالولاء و التبعية من نهب موارد البلاد و ثروات الشعب.
لذلك فقد أصبح ’الولاء قبل الكفاءة‘ هو المبدأ الأساسي الذى حكم سياسات إختيار العاملين داخل جميع مؤسسات الإنقاذ، الحكومية منها و الخاصة، من مستوى المدير و حتى مستوى الخفير. إن مبدأ التمكين و تعيين الموالين فى مواقع المسؤولية هو الذى خسف بأنظمة الخدمة المدنية، و بأداء مؤسسات الدولة فى السودان الى أسفل سافلين. تعتبر سياسة التمكين هي المسئول الأول عن تشريد مئات الالاف من أكفأ و أشرف و أنبل بنات و أبناء الشعب السوداني الذين قامت الإنقاذ بفصلهم من وظائفهم ليس لجريمة جنوها، أو سوء فى الأداء، أو ممارسات فاسدة، بل إن الذنب الوحيد الذى جر عليهم كل هذه المآسي هو عدم ولائهم لدولة الفساد و الإستبداد، لتحل فى مكانهم أقرباء، و أصدقاء، و معارف قيادات الإنقاذ، وسدنة نظامهم.
لكن ’عبقرية‘ الإنقاذ الحقيقية فى هذا المجال قد تجلت فى تنفيذهم لسياسة ’التمكين داخل التمكين‘! لقد هدفت الإنقاذ من وراء هذه السياسة الى تسليط سيف من ينتمون إليهم تنظيميا على الذين لم يحالفهم ’الحظ‘ فى إكتساب ’شرف‘ عضوية تنظيمهم حتى لحظة وقوع إنقلابهم المشؤوم. بمعنى آخر تمكين ’البدريين‘ على ’أهل الذمة‘ و ’المؤلفة قلوبهم‘. لقد قصد أهل الإنقاذ من وراء ذلك ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول هو تمكين ’جماعتهم‘ لنهب موارد وثروات البلاد. أما الثاني فهو كسب ولاء أكبر عدد ممكن من البشر لنظامهم، وفى نفس الوقت فرض رقابة صارمة عليهم من قبل الفئة الأولى، حتى يعملوا جميعا لتحقيق الأهداف الشريرة لنظامهم الظالم.
إن سياسة ’التمكين داخل التمكين‘ قد نتج عنها نوع خاص من الفساد يمكن تسميته ب’الفساد داخل الفساد‘، وهو نوع من الفساد المركب يمكن إعتباره صنعة إنقاذية خالصة، لم تشهد له دول العالم مثيلا. إن أساس ’نجاح‘ إستشراء فساد الإنقاذ فى جسد المجتمع السوداني، كما إنتشار النار فى الهشيم، هو الصبغة الدينية التى أضفوها على جميع ممارساتهم، بالإضافة الى الأسماء و المسميات ذات الصبغة الإسلامية التى أطلقوها على جميع مؤسساتهم التجارية و الإستثمارية، من قبيل ’بنك...الإسلامي‘ و ’سوبرماكت....الإسلامي‘ و ’معجنات و حلواني....الإسلامية‘، وهكذا دواليك، فى أكبر عملية تشويه تتم لرموز ومعالم التاريخ و التراث الإسلاميين.
بذلك تكون الإنقاذ قد أسست لنموذج إداري خاص بها يمكن تسميته بنموذج ’الدغمسة الشاملة للتمكين‘. لقد رسخ هذا النموذج لثقافة الفساد التى نتج عنها أسوأ إستغلال للدين الإسلامي الحنيف لأغراض دنيوية رخيصة و زائلة تجلت فى إحتكار أراضى الدولة و الإستحواذ عليها دون مقابل أو بأبخس الأثمان، وتوزيع ما تبقى منها كعطايا للمحاسيب و أهل الحظوة، وتوزيع الوكالات التجارية حصرا على المتنفذين من ’البدريين‘، و تقديم التسهيلات المصرفية دون سقف أعلى، و إنما حسب الحوجة،ودون ضمانات كافية، لأهل و أقارب المسئولين، وكذلك تمنح لهم الأولولية فى إرساء المناقصات و منح فرص المشاريع الإستثمارية. ليس هذا فحسب بل أصبح العلاج الحكومي المجاني و تعليم الأبناء بالخارج حقا للمسئولين و المتنفذين و أفراد أسرهم و أقربائهم، وفقا لثقافة الفساد المركب و نموذج ’الدغمسة الشاملة للتمكين‘ الذى أسست له دولة الفساد و الإستبداد.
إن الأنظمة الإدارية التى ’إبتكرتها‘ الإنقاذ لإدارة جميع مؤسساتها يمكن إعتبارها خليط من الدين و التمكين، تمكن نظام التوجه الحضارى من خلالها من التأسيس لدولة الفساد و الإستبداد التى خلقت الشرائح الإنقاذية الطفيلية التى يستحيل عليها أن تعيش فى الهواء الطلق، و دون أن تتنفس الهواء الذى تخرجه رئة الإنقاذ الفاسدة، أو ترضع من ثديها المشبع بالفساد. إن السمات المميزة لشرائح الإنقاذ الطفيلية هي  قيادات تنضح جهلا مسلحا بالشهادات، تتمثل قيم الإنسان البدائي فى إدارة البلاد من قبيل ’لحس الكوع‘ و ’الرجالة‘ و ’طالعنى الخلا‘، و تقف حارسة لشبكة الإرهاب التى أسستها بإسم الدين، و تدير دولة الفساد و الإستبداد على أساسها، لتصبح أحد أسوأ أنظمة الحكم و الإدارة فى العصر الحديث.
لذلك لم يكن مستغربا أن يأمر رأس النظام بتصفية سبع و عشرين شركة و مؤسسة حكومية، بعد مضى أكثر من عقدين من الزمان على تسلط حكمهم على رقاب الشعب السوداني، لأنها قد أدت ’رسالتها‘ المتمثلة فى تمكين أصحاب الولاء، و خلق قاعدة صلبة للشرائح الطفيلية، و نهب أموال البلاد، و مص دم الشعب السوداني و إفقاره، على أكمل وجه. و هل يمكن أن يوجد نموذج لهذا ’النجاح‘ فى إفقار الشعب السوداني و إذلاله أفضل من مأساة المرأة التى أجبرتها دولة الفساد و الإستبداد على بيع ثلاثة من أطفالها لتتمكن من سد رمق البقية الذين يتضورون جوعا. هذا هو الوجه الحقيقي لنموذج "الدغمسة الشاملة للتمكين". رجال تحسبهم من ’البدريين‘ حينما تسمعهم يتحدثون، ليتضح لك بأنهم مجرد أبالسة و شياطين حينما ترى نتائج أفعالهم التى يلبسونها دوما ثوب الدين. أليست هذه هي إحدى ’عبقريات‘ الإنقاذ متجلية فى أبهى صورها؟!
أختم فأقول إنه يمكن إعتبار نموذج الإنقاذ فى الحكم و الإدارة بمثابة "الدغمسة الشاملة للتمكين" الذى أسس لثقافة الفساد، و أجهز على نظام الخدمة المدنية فى السودان، الذى كان يعتبر أحد أكفأ أنظمة الخدمة المدنية على مستوى العالمين العربي و الأفريقي فى وقت من الأوقات، وقاد الى إفلاس الشركات و المؤسسات الحكومية و العامة، فى مقابل نموذج "الجودة الشاملة للإدارة" الذى يحكم أداء معظم مؤسسات القطاعين الحكومي و الخاص، فى معظم بلدان العالم التى تسعى الى خدمة مواطنيها، بدلا من نهب ثرواتهم و إذلالهم، كما هو الحال فى سودان دولة الفساد و الإستبداد. وحينما ينجح شباب السودان فى الإطاحة بهذا النظام الظالم المستبد، و يستعيد السودان صحته و عافيته، و يتنفس عبير الحرية، سيتمكن الشعب السوداني من تطبيق نموذج "الجودة الشاملة للإدارة" الذى سيساعد فى بناء إقتصاده و إزدهار شعبه و نهضة مواطنيه بإذن الله تعالي.

27/4/2011م

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]