لقد حزم شباب السودان، ممثلا فى حركتي "شباب من أجل التغيير" و "شرارة"، أمره، و حدد تاريخ 21 مارس يوما للخروج فى مسيرات سلمية تعم جميع مدن السودان، لتغيير النظام الحاكم فى البلاد منذ ما يزيد على العقدين من الزمان، أي ما يعادل متوسط أعمار أؤلائك الشباب الذين يطمحون فى تحديد مصيرهم و مستقبلهم بأنفسهم، و يطمحون كذلك فى صناعة ذلك المستقبل بأيديهم، لا بأيادي غيرهم.
 إنها بالفعل لدعوة صادقة و أسلوب حضاري، فى وجه نظام يدعي الحضارة زورا و بهتانا. إن هذا الإدعاء سيثبته أسلوب تعامل نظام الانقاذ مع هذه المسيرات السلمية. أكاد أجزم، و منذ الآن، بأن الأسلوب الذى سيتعامل به النظام مع هذه المسيرات سوف لن يمت الى الحضارة بصلة. بل إنه سوف يوضح حقيقة هذا النظام المستبد الفاسد، الذى لم يبقى على سدة الحكم طيلة هذه الفترة إلا من خلال أساليب قمعه الدموية التى لم يتورع مطلقا فى إستخدامها ضد معارضيه العزل، و الذين لا يتسلحون سوي بإيمانهم بربهم، و بعدالة قضيتهم، و مهما إتسمت أساليب معارضتهم لهذا النظام الستبد بالتحضر و المدنية!
 إن هذا المطلب يعتبر مشروعا بكل المقاييس، ولا جدال حوله، إلا من قبل من يريد أن يقمط هؤلاء الشباب حقوقهم المشروعة، أو من يتمتع بقدر كاف من الأنانية أعماه عن رؤية هذا الحق، و أراد بالتالى أن يحتفظ به لنفسه، دون أن يشاركه فيه حتى الشباب أنفسهم، أو من أصيب بضيق الأفق وقصر النظر فى مجتمع أبوي يرى أن هذا الحق يمتلكه فقط الآباء و الأجداد، الذين يتمتعون بالنظرة الثاقبة التى تؤهلهم لرؤية مصالح الشباب، و تحديد إحتياجاتهم  المستقبلية، أكثر من أصحاب الحق أنفسهم، و بالتالى جعلوا من أنفسهم أوصياء علي الشباب و على تحديد مصيرهم و مستقبلهم.
إن على فئة الشباب أن تتوخى الحذر عند التعامل مع جميع هذه الفئات، لأنها تتمتع بالنية الحسنة تجاهها، و بالأخص عند تعاملها مع قيادات "الكنكشة"، التى تأتى فى طليعة تلك الفئات. وأخص بالذكر شباب أحزابنا الوطنية الذين سيواجهون هذه الإشكالية على مستوى أدائهم اليومي داخل أحزابهم. أعتقد أنه من الحكمة العمل على تحييد قيادات "الكنكشة" خلال هذه المرحلة الحرجة، وذلك بهدف إقناعها بقدرة الشباب على قيادة المعركة ضد نظام الإنقاذ بالقدر اللازم من الحزم و الكفاءة أولا، و من ثم كسبها الى جانب قضايا الشباب فى المقام الثانى.
لكن أحد الإشكاليات الأساسية التى سيواجهها شبابنا الثائر، كما أعتقد، تتمثل فى أبواق الدعاية التى تنطلق مدافعة عن نظام الإنقاذ، و لكن بأساليب رخيصة تدعى تعاطفها مع قضايا أولائك الشباب. إن معظم تلك الأبواق تنطلق من المنابر الإعلامية لنظام الإنقاذ، و كذلك من بعض المنابر الدينية التى باع أئمتها ضمائرهم لحكام الإنقاذ بثمن بخس. إنهم بالفعل يدسون السم فى العسل. إن الرسائل المسمومة التى يصدرونها يهدفون من ورائها الى تثبيط همم الشباب، و الفت فى عزيمتهم، و إثنائهم عن مواجهة نظام التوجه الحضارى، و الإطاحة به، و كنسه الى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليه.
تتمثل اساليب تلك الأبواق فى رسائل عديدة و سامة، يطلقونها حسب المكان و الزمان المناسبين، بحيث تحدث تأثيرها الأكبر فى الشباب، و بحيث يسرى مفعولها لأطول فترة ممكنة من الزمن. يمكن إعتبار رسائل تلك الأبواق بالفعل أسلحة مضادة للثورات و الإنتفاضات، وبأنها ستؤدى الى إجهاضها، لا قدر الله، إذا لم يوليها أولائك الشباب القدر اللازم من الإنتباه، و إذا لم يستنبطوا الأساليب الناجعة للتعامل معها، و إبطال مفعولها فى مهدها.
و سأستعرض فى هذا المقال بعض النماذج لتلك الرسائل المسمومة التى تبثها الأبواق الدعائية لنظام الإنقاذ لتثبيط همم الشباب، و إحباطهم، و بالتالى إثنائهم عن التحرك الجاد نحو الإطاحة بدولة الفساد و الإستبداد. يمكن تلخيص معظم تلك الرسائل السامة فى جملة واحدة مفادها، "ليس فى الإمكان أحسن مما كان"، بمعنى آخر كأن لسان حال تلك الأبواق يقول، "يا شباب السودان إنكم لن تجدوا أفضل من نظام الإنقاذ مهما حاولتم، و أن البدائل له ستكون دائما أسوا منه. لذلك عليكم المحافظة عليه، بدلا من السعي الى تغييره إنطلاقا من الحكمة القائلة ’جنا تعرفو... ولا جنا ما بتعرفو‘"!! و إليكم الآن بعضا من نماذج تلك الرسائل السامة:
- "أها ورونا إذا النظام ده سقط... البديل حيكون شنو؟". تذكرنى هذه الرسالة بالنظام المايوى البغيض. كانت أبواق الإعلام المايوى تبث هذه الرسالة ليل نهار لتثبيط همم قوى المعارضة. لكن التاريخ أثبت بأن هنالك بديل لذلك النظام. و إن ذلك البديل كان أفضل مليون مرة من النظام المايوى، على الرغم مما إكتنف ذلك البديل من أوجه قصور. لقد تكون مجلس عسكري إنتقالي، إثر سقوط النظام المايوي، يمثل السيادة الوطنية، و تكونت حكومة إنتقالية مدنية من النقابات و الأحزاب. لقد حدد المجلس العسكرى الفترة الإنتقالية بعام واحد، تعقبه إنتخابات لمجلس النواب. لقد أوفى المجلس العسكري بوعده ذلك و أجرى إنتخابات ديمقراطية شهد العالم كله بحريتها و نزاهتها. لقد إستمرت الحكومة المنتخبة فى أداء أعمالها الا أن تآمر عليها حكام الإنقاذ الحاليين، و أطاحوا بها فى ذلك اليوم المشؤوم، مسترشدين بمسرحيتهم التى أسموها،"أذهب الى القصر رئيسا...و سأذهب الى السجن حبيسا"!!
- " دايرين تسقطوا النظام...عشان تجيبو لينا المهدي و الميرغني..تاااااني". إننى أعتقد بأن هذه الرسالة هى الأخطر من بين جميع الرسائل التى تبثها أبواق النظام و من شايعه، لأنها لا تتحث عن البديل الديمقراطي للنظام، بل تختذل النظام الديمقراطي كله، الذى سيعقب سقوط هذا النظام، فى شخصي السادة الميرغني و المهدي. و لكننا نقول لهم بأن كل من يأتى الى سدة الحكم، بواسطة الإختيار الحر و النزيه، فسيكون مقبولا لجماهير الشعب السوداني، حتى لو كان ذلك هو الشيطان نفسه، لأنها ستكون قادرة على إخراجه من الحكم، وبنفس الأسلوب، متى ما إقتنعت بعدم جدواه. و إن هؤلاء القادة لن يجثموا على صدر الشعب السوداني رغم أنفه، وبقوة الحديد و النار، و أساليب البطش و الإرهاب، كما يفعل قادة الإنقاذ الحاليين.
- "ياخي ما أحسن تخلو ديل الأكلو و شبعو...تقومو تجيبو لينا ناس تانين عشان يبدو يلغفو من أول و جديد". إن هذه الرسالة تدين، فى واقع الأمر، عصابة الإنقاذ الراهنة بالفساد و أكل أموال الناس بالباطل، و نهب ثروات البلاد، و تجييرها لمصالحها الخاصة، و بالتالى إفقار الشعب و تجويعه. و ليعلم "هؤلاء الناس" بأن قيادات المعارضة الوطنية، و مهما قيل فى حقها، فليس هنالك من يشكك فى نظافة أيديهم، أو فى ذممهم المالية. هذا هو نوع القيادات التى ستتبوأ كراسى الحكم و ستدير دفة شئون البلاد بعد سقوط نظام الإنقاذ. و على أية حال فإن أجواء الديمقراطية و الحرية التى ستسود البلاد حال سقوط هذا النظام، و ما يترتب عليها من وجود قضاء مستقل، و صحافة حرة، ستكون بمثابة الترياق الذى سيحد من أي توجه نحو الفساد، و من أي جهة أتى أو من أي موظف عام، و مهما كان الموقع التنفيذى الذى يشغله ذلك الموظف.
هذه ثلاثة نماذج فقط، أوردناها لندلل بها على الأساليب الخبيثة التى يتبعها قادة النظام و أبواقه الإعلامية ليثبطوا بها همم شبابنا الثائر، و ليفتوا فى عضدهم، و ليثنوهم عن المسير قدما فى منازلتهم الفاصلة مع النظام، و التى تحدد لها يوم 21 من شهر مارس. إنني أدعو جميع القراء الكرام بالكتابة عن هذا النوع من الرسائل السامة، و محاولة دحضها. و إننى لعلى يقين تام بأن حركة "شباب من أجل التغيير"، و معها جميع شباب الوطن، سوف تمضى قدما فى مسيرتها الصامدة، و ستهز أركان طغيان دولة الفساد و الإستبداد، و ستطيح بها فى نهاية المطاف، مهما طال الزمن، و مهما كانت التكاليف، ولكم فى "آخر جماهيرية فى التاريخ" أسوة سيئة يا أولى الألباب من عصابة الإنقاذ المتسلطة على رقاب شعبنا الصامد، الصابر الصنديد.
 إن إرادة شعبنا الصلبة، و عقول شبابنا و مقدراته الخلاقة، سوف تستنبط من الأساليب المناسبة، و الفعالة، و الناجعة، مما سيجعل الإطاحة بنظام حكمكم الفاسد و المستبد أقرب إليكم من حبل الوريد، و يجعلكم ترفعون حواجب الدهشة، و تقبلون بعضكم على بعض تتلاومون، و تعضون أصابع الندم، و تواجهون مصيركم المحتوم، و تقفون أمام محكمة التاريخ، التى سوف ينصبها لكم شعبنا الأبي، لتنالوا جزاءكم العادل جراء ما إقترفته أياديكم الآثمة فى حق الوطن من جرائم لا تسقط بالتقادم، و الملطخة بدماء بنات و أبناء شعبنا الطاهرة.
8/3/2011م
Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]