تبقي أمامنا سبعة و ستون يوما فقط لتحديد مصير السودان كله، و ليس جنوب السودان فقط. لقد مللت من تكرار هذه الحقيقة، كلما سنحت لي الكتابة عن هذا الموضوع، لكن لا يزال بعض الكتاب، و بالأخص أولائك الذين ينتمون الي تيار الحركة الإسلامية، أو يتعاطفون معها، يتحدثون عن تقرير مصير جنوب السودان. إن هذا الإصرار العجيب على الحديث عن تقرير مصير جنوب السودان فقط لم يأت إعتباطا، و إنما أتي في سياق مدروس تماما. يهدف هذا السياق الى تبرئة الحركة الإسلامية عندما تواجه محكمة التاريخ في التاسع من يناير القادم.
سترتكب الحركة الإسلامية جريمتين كبيرتين في التاسع من يناير القادم. الجريمة الأولي هي تفتيت السودان، و تقطيع أوصاله، من خلال فصل جنوب الوطن عن شماله، و الذي أصبح في حكم المؤكد لمعظم المراقبين للشأن السوداني، داخل و خارج البلاد. أما الجريمة الكبري الثانية التي سترتكبها الحركة الإسلامية فتتمثل في تمكين الأقلية، أهالي جنوب السودان، من تفتيت الوطن، دون إشراك الأغلبية من جماهير الوطن، سكان الجزء الشمالي من السودان، من المشاركة في تقرير مصير وطنهم.
بربكم هل هنالك جرم يمكن إرتكابه في حق الشعب و الوطن أكبر من هذا ؟! هذه هي الجريمة التي ستعاقب عليها الحركة الإسلامية، و ستكون وصمة عار علي جبينها علي مدي السنوات، و العقود، بل القرون القادمة. نعم سيصدر التاريخ حكمه في ذلك اليوم. و سيكون حكم التاريخ قاسيا قسوة قلوبهم التي خلت من الرأفة و الرحمة. سيكون حكم التاريخ بمثابة العار الذي سيلاحق قيادات، و كوادر، و مفكري الحركة الإسلامية أين ما حلوا، و حيثما ذهبوا. سيلاحقهم هذا العار حتي حين يذهبوا الى مزبلة التاريخ، غير مأسوف عليهم، لأن هذا النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم، و لا يمكن نسيناه، لأنه سيكون الدرس الأول ضمن مادة التربية الوطنية التي ستدرس لتلاميذ ما سيتبقي من الوطن في شمال السودان، و تغرس في و جدانهم، و يتم تنشيط ذاكرتهم بها كلما مرت الذكري السنوية لهذه الجريمة البشعة، حتي لا يطويها ملف النسيان.
هذا هو السبب الموضوعي الذي يجعل من أبواق التيار الإسلامي تصم آذاننا بأن ما سيرتكب من جريمة في التاسع من يناير القادم هو إستفتاء لتحديد مصير جنوب السودان وحده، و ليس مصير الوطن بأكمله. يريد "هؤلاء الناس" أن يقنعوا أنفسهم أولا، و بقية سكان الجزء الشمالي من البلاد، بأن المسئول الأول و الأخير عن تفتيت الوطن هم أبناء الجنوب و قياداته السياسية، و ليس الحركة الإسلامية. و لكن هيهات!! لقد إستمرأ "هؤلاء الناس" اللعب علي الذاكرة الجمعية الخربة لشعب السودان، و طيبة، إن لم نقل سذاجة معظم قياداته السياسية، التي دائما ما غفرت لهم ما سلف من جرائم كبري إرتكبوها في حق الشعب و الوطن.
 بدأت تلك الجرائم بذبح الديمقراطية الثانية، حينما تآمروا علي حل الحزب الشيوعي السوداني، و طرد نوابه المنتخبين من قبل الشعب من البرلمان، ثم إزدروا الدستور و النظام القضائي معا حينما لم يمتثلوا لقرار المحكمة العليا الموقرة القاضي بعدم دستورية ذلك القرار، مما ولد أزمة سياسية خانقة فتحت الطريق أمام نجاح الإنقلاب المايوي البغيض. تلي ذلك تدبيرهم لجريمة العصر المتمثلة في إعدامهم لشهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه، تلك الجريمة النكراء التي أرجو أن لا يغفرها لهم  المولي سبحانه و تعالي، و بالتأكيد لن يغفرها لهم شعب السودان، ولا التاريخ الذي سيأخذ القصاص منهم عن طريق محكمته التي ستبدأ في التاسع من يناير القادم. أما "أم الجرائم" التي إرتكبوها في حق الشعب و الوطن فهي ذلك الإنقلاب المشؤوم الذي دبروه علي نظام ديمقراطي منتخب، و أسموه ب "ثورة الإنقاذ الوطني"، حيث أذاقوا الشعب السوداني الأمرين من بعده، و لفترة إمتدت لأكثر من عقدين من الزمان، و لايزال الشعب السوداني الصامد، يناضل بثبات حتي يجد من ينقذه من أدعياء إنقاذه!!
لقد إرتكبت الحركة الإسلامية كل هذه الجرائم الكبري وفقا لرؤية بائسة. تمثلت تلك الرؤية في فصل جنوب الوطن، غير المسلم، حتي يتسني لهم بعد ذلك الإنفراد بحكم الشمال المسلم، و من ثم إقامة دولتهم "الإسلامية"، دون عناء يذكر، لأن في مقدورهم إبتزاز و إرهاب قياداتنا السياسية ذات الوزن، بإسم الدين، لتكون ما أسمته بتجمع "أهل القبلة"، ليتسني لها إقامة الدولة الدينية، في مواجهة القوي التقدمية التي تنادي بإقامة دولة مدنية ديمقراطية، تكون فيها المواطنة هي أساس الإنتماء للوطن بغض النظر عن الدين، أو اللون، أو العرق، أو الإنتماء الجهوي. أليست هذه نظرة قاصرة؟ بل أليست هي نظرة بائسة بالفعل؟
يتجلي بؤس هذه النظرة حينما نعلم بأنها قد قامت و إستندت علي إفتراض خاطئ تماما. يتمثل هذا الإفتراض في ديمومة قياداتنا السياسية الراهنة، التي داهنت، و استكانت، بل خضعت لإرهاب و إبتزاز تجار الدين من قيادات الحركة الإسلامية لعقود من الزمان، بما أوهمها بإمكانية إستمرار هذا المسار لعقود قادمة من الزمان كذلك. إن لم يكن هذا هو التفكير الإستاتيكي في أبهي تجلياته، فكيف سيكون ذلك يا تري؟! إننا نكاد نجزم بخطئ هذا الإفتراض، لأن الحركة الإسلامية، و من حالفها، أو إستكان لها، أو خضع لها، من قياداتنا السياسية سوف يواجهون واقعا مختلفا تماما بعد التاسع من شهر يناير القادم.
إن الواقع الموضوعي لما سيتبقي من الوطن بعد التاسع من يناير 2011 سوف يكون مغايرا تماما لما يتصوره قادة و مفكري الحركة الإسلامية. دعونا نفترض بأن الله سبحانه و تعالي قد قيض لقيادات أحزاب "أهل القبلة" المزعومة، و التي تعول عليها الحركة الإسلامية لدعم مشروعها السياسي، بل تعتبره شرطا لازما للنجاح و الإستفراد بحكم ما تبقي من الوطن، أن تعيش قرنا آخرا من الزمان، و هو يكاد يكون من رابع المستحيلات، فإن جميع قيادات "أهل القبلة" سوف تواجه جيلا مختلفا تماما من الشباب، وهو ما سيحدد مصيرها هي، و كذلك مصير برامجها السياسية، بل مصير مستقبل أحزابها نفسها.
 إن جيل الشبال الذي ستواجهه الحركة الإسلامية قد إكتسب مناعة تامة ضد كل أنواع الإرهاب بإسم الدين، بل ضد كل السموم التي يبثها تجار الدين بمختلف صورهم و أشكالهم، لأنه قد خبرهم و جربهم، و ما التجربة إلا خير برهان. خبرهم حينما كانوا يدعون الي الزهد في الدنيا، وهم أول المتكالبين عليها. خبرهم حينما كانوا يدعون الى التقشف و الإبتعاد عن ملذات الحياة، و هم يرفلون في نعيم السيارات الفارهة، و لذيذ الأطعمة، و إرتداء الملابس الفاخرة من أرقي بيوت الأزياء الإيطالية، و يتعطرون بأرقي أنواع العطور الباريسية. خبرهم حينما كانوا يدعونه الي تقبل إبتلاء العيش في بيوت الكرتوت و الصفيح فى أطراف المدن، و هم يسكنون العمارات الشاهقة و القصور ذات الأساس المستورد خصيصا لها من إيطاليا. خبرهم حينما كانوا يدعونه الي تلقي تعليم مشحون بجرعات إسلامهم السياسي، الذي يخرج قنابل بشرية موقوتة، ثم يرسلون أبنائهم لتلقي العلم الحديث في أفضل المدارس و الجامعات الأجنبية، سواء كان داخل البلاد، أو حتي في بلاد "الكفر"، التي يدعون محاربتها ودنو عذابها. خبرهم حينما زجوا به داخل معسكرات تدريبهم العسكرية، ثم أرسلوه ليلقي حتفه في محرقة حرب الجنوب، ثم أرسلوا فلذات أكبادهم الى أقاصي الدنيا، شرقا وغربا، لينعموا برغد العيش. خبرهم حينما أرسلوا آبائهم و إخوانهم و أقربائهم الي بيوت الأشباح، و عذبوا بعضهم حتي الموت. خبرهم حينما فصلوا أرباب أسرهم، المؤهلين مهنيا، للصالح العام، وشردوهم، و حرموهم من الرزق الحلال، و أحلوا مكانهم أصحاب الحظوة من أهل الولاء و المؤلفة قلوبهم، الذين راحوا يكنزون الذهب و الفضة، التي غنموها من خلال الأساليب الفاسدة، و الرشوة و المحسوبية، و التي ستكوي بها جباههم و ظهورهم يوم القيامة، بإذن الله. خبرهم حينما أصبح أهلهم و ذويهم و أقاربهم أيتاما جراء الإغتيالات السياسية التي إرتكبها هذا النظام الآثم في حق أهلهم الأبطال الذين إستشهدوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة، دفاعا عن كرامة الشعب  و الوطن.
هذا هو جيل الشباب الذي سيواجهه حكام الإنقاذ بعد التاسع من يناير القادم، وليس جيل "العواجيز" الذي خبروه، وإفترضوا بأنه سيتحالف معهم في جبهتهم المزعومة، و التي أسموها ب "أهل القبلة". هذا هو جيل الشباب الذي أكسبته معاركه الطويلة و المتعددة ضد نظام الإنقاذ مناعة كاملة ضد جميع أنواع أسلحة "الهوس الديني". هذا هو جيل الشباب الذي إكتسب مناعة كاملة ضد الإرهاب بإسم الدين. هذا هو جيل الشباب الذي إكتسب مناعة كاملة ضد الإبتزاز بإسم الدين. هذا هو جيل الشباب الذي سيقف سدا منيعا ضد المتاجرة بالدين الحنيف، أو إستغلال الدين لأغراض دنيوية رخيصة. هذا هو جيل الشباب الذي سيناضل و يهزم أية محاولة لقيام دولة دينية في الدولة الحديثة في شمال السودان، لأنه قد إكتوي بنيرانها. إن كل من تسول له نفسه مجرد الدعوة لقيام الدولة الدينية سوف لن يجد آذان صاغية في أوساط جيل الشباب لأنه قد خاضها واقعا معاشا مريرا، و لن يقبل بعد اليوم أي "درس عصر" من أيا كان، و مهما تدثر بلبوس الدين. بإختصار هذا هو الجيل الذي سيقبر مشروع الحركة الإسلامية، بمختلف أشكالها و ألوانها ، و الى الأبد بإذنه تعالي.
إن القيادات التي ستقبر رؤية و مشروع حركات الإسلام السياسي ستأتي من صلب هذا الجيل الذي عركته تجربة نظام التوجه الحضاري، و ألجمت عوده، و قوت شوكته، و بالتالي أصبح جيلا غير قابل للإبتزاز، أو الإرهاب بإسم الدين. هذه هي القيادات التي ستبني الوطن الجديد فيما سيتبقي منه بعد التاسع من يناير القادم. هذه هي القيادات الشابة التي ستبني الوطن الذي كان يحلم به آباؤهم و إخوانهم الذين إستشهدوا في سبيله تحت قمع نظام التوجه الحضاري. هذه هي القيادات التي ستحاسب كل من إرتكب جرما في حق الشعب و الوطن، و ستمسح شعار "عفا الله عما سلف" من فوق أرض السودان، و الى الأبد، حتي لا تسول النفس الأمارة بالسوء لأي مغامر بالقدوم على ظهر دبابة لإذاعة "البيان الأول"، مدعيا إنقاذ الوطن.
لذلك يحق لنا أن نطمئن علي مستقبل الدولة الوليدة التي ستقوم في شمال السودان بعد التاسع من يناير القادم لأنها ستكون في أيدي أمينة، أيدي الشباب الذي أنتجته تجربة الإنقاذ المريرة و خبر جميع أنواع أساليبها الماكرة، و بالتالي ستتوفر لديه القدرة على إستنباط الأسلحة و الآليات الكفيلة بإجتثاث نظام الإنقاذ، أو أي شبيه له، من جذوره، قولا لا فعلا، و من ثم التصدي لكل من تسول له نفسه مواجهة الدولة المدنية الديمقراطية الجديدة التي ستحفظ الحقوق، و تعلي من كرامة الإنسان، و تحافظ علي التراب الوطني، و تحدث النهضة الشاملة في جميع أركانها حتي يتمتع المواطن فيها بالعيش الكريم، مرفوع الرأس، محترما، دون أدني خوف أو إذلال من بطش عسس و سدنة نظام التوجه الحضاري.

3/11/2010
Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]