"إقرأ"، هى أول كلمة جاء بها الوحى الى النبى الكريم، الى أن تنتهى السورة الكريمة بالآيات، "إقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم". إذن أول أمر جاء لرسولنا الكريم من ربه، سبحانه و تعالى، هو أن يقرأ. و لكي يتمكن الإنسان من القراءة، لابد أن تتوفر مادة مكتوبة لتقرأ. و المادة المكتوبة التى يتعلم منها الإنسان مالم يعلمه، لابد أن تكتب بالقلم. إذن القلم و القراءة صنوان لا ينفصلان. عليهما يستند العلم بأكمله، و بكل فروعه. و إن من يحارب القلم، لابد ا، يكون بالضرورة محاربا للعلم، الذى يكتبه القلم، و بالتالى يكون قد حرم الناس من المادة المكتوبة التى أمر سبحانه و تعالى نبيه بقراءتها. و هو بذلك يكون قد خالف نصا قرآنيا صريحا لا لبس فيه و لا غموض.

 و لكيما تتوفر الكلمة المكتوبة، لابد من توفر مناخ الحرية الذى يتيح كتابتها. يعتبر توفر ذلك المناخ شرطا ضروريا للكتابة، سواء كان ذلك لكتابة مقال صحفي، أو بحث علمي. تعتبر الحرية بمثابة الرئة التى تتنفس من خلالها الأفكار و تتلاقح لتلد الجديد المبتكر. لذلك نجد أن مناخ الحرية غالبا ما يأتى ملازما للتطور و التقدم فى جميع مناحى الحياة، بدءا بالتقدم التقني، مرورا بالإزدهار الإقتصادى، و إنتهاءا بالتقدم الإجتماعى. و العكس صحيح تماما. فما من مجتمع إنعدم فيه مناخ الحرية إلا و جدناه غارقا حتى أذنيه فى بحور التخلف التقنى، و الإقتصادى، و الإجتماعى.

إن أمر القراءة و الكتابة ومناخ الحرية الملازم لهما، لا يمكن أن يكون سوى تقدير و تكريم من رب العزة سبحانه للعقل البشري. فإذا ما جاء ذلك بمثابة أمر بالنسبة للنبى(ص)، فما بالك ببقية البشر!؟ إذن يعتبر هذا الأمر بالنسبة لبقية البشر بمثابة خط أحمر لا يجب تجاوزه، بأى حال من الأحوال ، و مهما كانت الظروف. و ما الحكمة من وراء أمر النبي(ص) بالقراءة إلا ليعلم بقية البشر أن ليس هنالك قوة فى الأرض، مهما بلغت من جبروت و طغيان، يحق لها حرمان أمة محمد(ص) من الكتابة، أو القراءة، لأن ذلك يعنى ببساطة، ليس تدهور الأمة المحمدية فقط،، و إنما بداية نهايتها كذلك!!

نقول هذا و فى أذهاننا العودة لما يسمى بالرقابة القبلية على الصحف، الذى أعقب إجراء الإنتخابات الأخيرة فى السودان. لقد تعرضت العديد من الصحف للملاحقة و الإيقاف من قبل الرقيب الأمنى المفروض عليها من قبل الجهات المختصة. كما تعرض العديد من كتاب تلك الصحف، بمن فيهم شخصى الضعيف، الى حجب مقالاتهم التى درجوا على نشرها فى تلك الصحف، و بالأخص فى صحف السودانى، و الميدان و الأحداث، و أجراس الحرية. إن ذلك الحجب و تلك الملاحقة لم يقوما على منهج واضح يمكن مناقشته لتوضيح خطل فكرته، إعوجاج منطقه، و إنما تم كل ذلك بناءا على المزاج الشخصى للرقيب، لا أكثر ولا أقل. و حتى عند هذا المستوى فإن السلطات المختصة لم تكتفى برقيب واحد لكل صحيفة، حتى يعتاد مسئوليها على مزاجه، مهما كان متقلبا، و بالتالى يمكنهم، إستنباط الوسائل و السبل الكفيلة ب"ترويق" ذلك المزاج، حتى يسهل التعامل معه، و لكنها كانت تغير ذلك الرقيب بين الفينة و الأخرى، و فقا لمزاجها هى أيضا... فتأمل!!

سأضرب مثلا بما تعرضت له بعض مقالاتى التى تقوم بنشرها صحيفة السوداني الغراء. لقد تم حجب مقالين من النشر ثم سمح بنشرهما، مع حذف كلمتين فقط من عنوان أحد المقالين. أما البقية فقد نشرت بالكامل. إذن ما هو المعيار الذى تم بموجبه حجب المقالين، و ما هو المعيار الذى تم بموجبه السماح بنشرهما بعد فترة و جيزة. فإذا ما تم نشر محتوى المقالين كما هو، كما هو واقع الحال، إذن ما هو مبرر حجبهما فى المقام الأول إن لم يكن هو المزاج الشخصى للرقيب؟!

لقد ألحقت هذه السياسة ضررا بالغا بالمؤسسات الصحفية التى تعرضت لمقص الرقيب. إن رأسمال أية صحيفة هم كتاب الرأي و الأعمدة الذين تتولى نشر إنتاجهم، و من ثم جمهرة القراء الذين يقومون بشراء تلك الصحف ليقرؤا لهؤلاء الكتاب. لذلك فإن حجب مقالات الرأي و الأعمدة الصحفية، ليس سوى حرب خفية حينا، و مفتوحة فى أحيان أخرى، على تلك الصحف، و بالتالى قطع أرزاق العديد من موظفيها و عمالها، و تشريد أسر بأكملها، تكون قد فقدت مصدر عيش عائلها الوحيد الذى تم تشريده بواسطة قرار صادر من فرد واحد غير معتدل المزاج فى لحظة معينة!!؟ إن لم يكن هذا هو الجنون بعينه، فكيف يكون الجنون يا ترى؟

ما نود تأكيده فى هذا المقام هو بوار سياسة الرقيب، و صدأ مقصه. ففى ذات الوقت الذى تحجب فيه السلطات المعنية نشر المقال أو العمود الصحفى، تقوم عشرات المواقع و الصحف الإسفيرية بنشره، و بالتالى توفيره لمن أراد ب"بضربة فأر" إلكتروني. حينها سيكتشف القارئ الكريم بأن ما حجب عنه قراءته فى الصحافة الورقية لم يكن سوى مقالا عاديا ينتقد سياسة حمقاء، أو يقدم إقتراح لمعالجة قضية إستعصى حلها على أولى الأمر، أو تقديم مشورة مجانية لمن يهمه الأمر فى أحد المشاكل الفنية أو المهنية.

إذن لماذا الخوف مما تسطره بعض الأقلام؟ منبع الخوف، فى إعتقادي، هو تصنيف تلك الأقلام بأنها معارضة للنظام. وما هو الخطأ فى ذلك، أو الخطر الذى سينتج جراء نشر إنتاج أولائك الكتاب؟ ألم يسمع قادة النظام بأن أقوى النظم السياسية، و أكثرها إستقرارا، و إزدهارا إقتصاديا و إجتماعيا، هى تلك التى توجد بها معارضة قوية، وذات شأن داخل برلماناتها المنتخبة بحرية تامة و نزاهة كاملة، تفرض رقابة صارمة على الحكومة و تراقب أدائها، و تحاسبها على كل صغيرة و كبيرة، طالما أن الأمر يتعلق بالشأن العام ؟ أم أن السماح لكتاب المعارضة بالجهر بآرائهم سوف يقود الى كشف المستور و المسكوت عنه؟

إن تناول القضايا الحساسة و المصيرية التى تواجه الشعب و الوطن هو واجب وطنى و أخلاقى من الطراز الأول، قبل أن يكون واجب مهنى بالنسبة لكتاب المعارضة. إذ كيف يعقل أن يتم تناول أخطر المواضيع التى سوف تحدد مستقبل بلدنا، كما نعرفه فى الوقت الراهن، كإستفتاء تقرير المصير، من خلف ظهر الشعب السوداني، و بواسطة تنظيمين سياسيين يعتبران، فى أفضل الأحوال، أقلية فى الشمال و الجنوب، و من ثم يتوقع من كتاب الرأى و الأعمدة فى الصحف السيارة الصمت و الصوم عن تناول مثل هذا الموضوع المصيرى فى كتاباتهم؟ إن من يطلب ذلك سيكون إما فى حالة خوف و فزع حقيقي من آراء أولائك الكتاب، كما إن الإستجابة له ستكون هى الخيانة بعينها فى حق الشعب و الوطن!!

ما أود تأكيده هنا، بإعتبارى أحد المعنيين بهذا الشأن، هو أن قلمى قد ظل يدافع عن قضايا و حقوق المحرومين و الغلابة من أبناء و بنات شعبنا منذ أن بدأ يتحسس طريقه للكتابة، هذا الطريق المحفوف بالمخاطر، و سيظل كذلك الى آخر ذفرة نفس تخرج من صدري، و سيجأر بكلمة الحق فى وجه أى سلطان جائر، و إلا تحول الى شيطان أخرس، و العياذة بالله. و أعتقد أن زملائى و زميلاتى من كتاب الرأي و الأعمدة الذين تعرضوا لنفس هذه التجربة سيظلون على نفس هذا النهج، و لسان حالهم يقول، "الويل..ثم الويل.. لأمة تخشى أقلام كتابها الحرة الشريفة"!!

 

13/7/2010

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]