ربما تكون الدهشة قد إعترت الكثير من المراقبين حينما أعلن التشكيل الوزارى الأخير و الذى ضم 35 و زيرا مركزيا و 42 وزير دولة، أى ما مجموعه 77 و زيرا ووزير دولة بالتمام و الكمال، ناهيك عن المستشارين الذين تضج بهم ردهات القصر الجمهوري و الوزارات، و الذين يصعب حصرهم!! فإذا ما أضفنا الى هؤلاء كمية الولاة، وعدد وزرائهم، و مستشاريهم، و أعضاء برلماناتهم "المنتخبة"، بصورة "حرة و نزيهة"، فى 26 ولاية من ولايات السودان المختلفة، لأصيب أى عاقل منا بالجنون، أو الدوار للأكثر تعقلا من عقلاء البلد. نعم هذا الجيش العرمرم من الوزراء، ووزراء الدولة،و المستشارين، و الولاة، و الوزراء الإقليميين، لإدارة بلد كان يدار، حتى عشية إستقلاله بواسطة 12 مدير مديرية، يساعدهم بعض مديرى المراكز، يشرف عليهم جميعا مجموعة بسيطة من المركز تتمثل فى الحاكم العام و بعض معاونيه. إذن لقد كان السودان يدار من أقصاه الى أدناه بعدد من المسؤولين يقل بكثير عن عدد المسؤولين عن إدارته مركزيا وفقا للتشكيل الوزارى الأخير، و يتناهى فى الصغر إذا ما أضفنا إليهم "العباقرة" الذين حباهم الله سبحانه و تعالى بنعمة إدارة شؤون البلاد و العباد على المستوى المحلى... يا لها من مفارقة تشيب لها رؤوس الولدان!!

يبقى السؤال إذن: ما هى الفلسفة التى تكمن وراء كل هذا "التضخم" الإدارى على مستوى المركز و الأقاليم؟ بمعنى آخر ما هو المبرر الموضوعى لتكوين 35 وزارة مركزية لإدارة شئون البلاد؟ من المعروف، وفقا لنظريات الحكم و الإدارة أن المهام العاجلة التى تواجه الحكومة، هى التى تشكل الأساس الذى يقوم عليه تأسيس الوزارات. إذن فعدد الوزارات المركزية لا يتم مطلقا بصورة عشوائية، و إنما يتم ذلك وفقا لفلسفة محددة وضوابط عديدة، لكن أهما يتمثل فى المهام المحددة التى يتسنى على الوزارة المعينة إنجازها.

لقد إتفقت معظم الدراسات التى أجريت حول هذا الموضوع على أن عدد الوزراء المركزيين فى بلدان العالم الثالث يجب أن يتراوح، فى المتوسط، ما بين 12 الى 18 وزيرا. تشير معظم هذه الدراسات تحديدا على أن عدد الوزراء المركزيين يبلغ فى المتوسط 19 وزيرا فى أفريقيا، و 20 وزيرا فى آسيا، و 15 وزيرا فى وسط وشرق أوربا و دول الإتحاد السوفيتي السابق، و كذلك 15 وزيرا فى أمريكا اللاتينية و دول حوض الكاريبي، و 20 وزيرا فى منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، و 10 وزراء فى دول الباسفيكي، و 14 وزيرا مركزيا فى دول منظمة التعاون الإقتصادى و التنمية، بينما لا يتجاوز المتوسط العالمى لعدد الوزراء المركزيين 16 و زيرا.

يتضح من هذه الأرقام بأن عدد الوزراء المركزيين الذين شكلوا مجلس الوزراء الذى أعلن مؤخرا فى السودان يزيد بنسبة 84% عن متوسط عدد الوزراء المركزيين فى أفريقيا، و بنسبة 43% عن متوسط عددهم فى آسيا و دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، و بنسبة57% عن عددهم فى دول أوربا و أمريكا اللاتينية، و 71% عن متوسط عددهم فى دول الباسفيكي، و 60% عن وزراء دول منظمة التعاون الإقتصادي و التنمية. أما إذا ما قارنا عدد الوزراء المركزيين فى السودان بمتوسط عددهم العالمى، فسنجده يزيد عن الأخير بنسبة 54%، أى أن عدد الوزراء المركزيين لحكومة "الشريكين" فى السودان يبلغ أكثر من ضعف المتوسط العالمى.

 أما إذا ما أضفنا وزراء الدولة لإجمالى الوزراء المركزيين، فإن عدد الوزراء فى السودان سيزيد بنسبة 168% عن متوسط عددهم فى أفريقيا، و بنسبة 162% عن متوسط عددهم فى آسيا و دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، و بنسبة 177% عن متوسط عددهم فى دول وسط وشرق أفريقيا و دول الإتحد السوفيتي السابق و بنفس النسبة عن دول أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي، و بنسبة 191% عن دول الباسفيكي، و بنسبة 180% عن دول منظمة التعاون الإقتصادى و التنمية. أما إذا ما قارنا حجم هذا الجيش العرمرم من الوزراء المركزيين ووزراء الدولة فى السودان حاليا فسنجده يزيد بنسبة 174% عن متوسط عددهم العالمى... فتأمل!!

لقد دلت التجارب، و أفضل الممارسات العالمية كذلك، بأن العدد المناسب للوزارت فى دول العالم الثالث لا يجب أن يتجاوز 11 وزيرا مركزيا، لأداء المهام المناطة بأحد عشر وزارة بكل كفاءة و جدارة. و تلك الوزارات هى: وزارة المالية و التخطيط (بما فى ذلك إدارة المعونات الأجنبية)، الشؤون الخارجية (بما فى ذلك التجارة الخارجية و التعاون الدولى و الإستثمار)، المعلومات و الإتصالات (بما فى ذلك خدمة البريد و الإعلام و تقنية المعلومات)، الداخلية ( بما فى ذلك شؤون الحكم المحلى)، الشؤون القانونية و العدل و الموارد البشرية ( تغطى مهام التعليم، الثقافة، الرياضة،و العلوم و التقنية)، البيئة و المستوطنات السكانية ( بما فى ذلك التنمية الحضرية و الريفية، الإسكان، موارد المياه، الزراعة و البيئة)، العمل و الشؤون الإجتماعية ( بما فى ذلك العمل، ضحايا الظلم الإقتصادى و الإجتماعى، النساء، الضمان الإجتماعى)، الصحة و السكان ( بما فى ذلك تنظيم الأسرة،و مكافحة الأمراض المزمنة)، البنى التحتية ( بما فى ذلك الطاقة، الطرق، المواصلات بمختلف أنواعها) و الدفاع (عند الضرورة)!!

فإذا ما أخذنا أفضل الممارسات العالمية لتكوين الوزارات، و بالأخص فى دول العالم الثالث، فإننا سنجد أن عدد الوزراء المركزيين فى السودان لا يجب أن يتعدى 18 و زيرا كحد أقصى. و لن يفوت على المدقق التداخل الواضح فيما بين العديد من الوزارات، حيث نجد أنه من الصعوبة بمكان وضع حد فاصل بين مساحة مهامها و أنشطتها. إن العديد منها يتشابه فى مجال إختصاصه، بل حتى فى مسماه. إذا ما أخذنا وزارة الخارجية، على سبيل المثال لا الحصر، فسنجد أن مجال إختصاصها يمكن أن يشمل إختصاصات وزارات التعاون الدولى، و التجارة الخارجة، و الإستثمار. و كذلك و زارة التربية و التعليم حيث نجد أن مجال إختصاصها يمكن أن يشمل التعليم العالى و العلوم و التقانة. و قس على ذلك بقية الوزارات لترى مدى التداخل بين إختصاصاتها، و لترى كذلك مدى التشابه فى مهمها، و بالتالى إنتفاء مبرر وجودها، و الإمكانية الكبيرة لدمجها مع بعضها البعض. كذلك إذا ما دققنا النظر فى العدد المهول لوزراء الدولة، الذين يفوق عددهم الوزراء المركزيين، فإننا سنجد هنالك إمكانية كبيرة لإختصار أعدادهم لخمسة وزراء دولة فقط بدل من 42!!

لا يزال سؤالنا المركزى حول مبررات هذا التضخم الكبير فى عدد الوزارات المركزية، مقارنة بمتوسط أعدادها فى مختلف أقاليم العالم قائما؟ بل سنضيف إليه سؤالا آخرا حول ماهية الكيفية التى يتم بموجبها إختيار الوزراء أنفسهم؟ إن الأسماء التى أختيرت لتشغل "شواغر" وزراء الدولة وحدها هى الكفيلة بالإجابة على هذا السؤال. إذا ما دققنا فى الأسماء التى تم إختيارها كوزراء دولة فسنجد الإجابة، وهى تتمثل فى الآتى: الترضيات ، و بالأخص الترضيات الشخصية، فهى وحدها التى تفسر لنا هذا الجيش العرمرم من الوزراء. إذا ما عرفنا حقيقة أن 70% من "أهل الحظوة" هؤلاء ينتمون الى المؤتمر الوطنى، سينتفى عندها بالضرورة مبدأ الترضيات السياسية "لإغراء"، أو "إغواء"،القوى السياسية الأخرى للإشتراك فى التشكيل الوزارى.

 إذن فإن هذه الإغراءات و ذلك الإغواء إن دل على شئ، فإنما يدل دلالة واضحة على كثرة الأجنحة و مراكز القوى داخل المؤتمر الوطنى نفسه، على الرغم من حالة الإنسجام الصورى التى تمكن من عكسها للعامة. لكن حقيقة الوضع الداخلى للحزب الحاكم يدل على وجود حرب شعواء دائرة بين أجنحته ودوائر نفوذه المختلفة. و ما هذا العدد الضخم من الوزراء ووزراء الدولة إلا للحد من آثار تلك الحرب المستعرة وذلك من خلال تعيين رموزها و سدنتها كوزراء لتخفيف حدة الإحتقان، و لو كان ذلك لفترة مؤقتة!!

 إنها من نوع الحروب التى سوف تحرقهم جميعا فى نهاية المطاف، لأنها ليست حرب فكرية أو حرب مبادئ، بل هى حرب مكاسب شخصية و توزيع للغنائم، على حساب شعب فقير تموت من الجوع حيتانه فى قاع أنهاره. لكنها حرب، و للأسف الشديد ستحرق السودان الوطن، كما كنا نعرفه. و كل الدلائل الماثلة أمامنا تشير الى ذلك. وهذه هى النهاية الطبيعية لكل محتال ظلوم، سرق السلطة السياسية بليل، وجوع شعبه، و لا يزال، و نكل بمعارضيه، و لا يزال، و أذل مفكريه و أعزاء قومه، و لا يزال. إنها النهاية التراجيدية لوطن كان عزيزا يسمى السودان، و لكنها حتما لن تكون نهاية التاريخ بالنسبة لما سيتبقى من المكان و قاطنيه، غض النظر عن الإسم و المسميات!!

21/6/2010

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]