تميزت العلاقة بين شريكي الحكم، المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان، بالتذبذب منذ توقيع إتفاقية نيفاشا و حتى وقتنا الراهن. سبب ذلك يرجع، فى الغالب الأعم، الى أن تلك الإتفاقية قد فرضت حكومة "وحدة و طنية"، على جميع الأطراف، جمعت بين تنظيمين يمثل كل منهما النقيض بالنسبة للآخر من حيث الآيديولوجية، و الرؤية، و الأهداف الإسترتيجية.

فقد ولدت الحركة الشعبية  كتنظيم ملتزم بالآيديولوجية الماركسية، و لو كان ذلك على الورق فقط ، ذو رؤية مختلفة تدعو الى تكوين سودان جديد، و أهداف استراتيجية تكون المساواة بين جميع المواطنين ، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو الإنتماء الإقليمى و الجهوى، بمثابة لحمتها و سداها. هذا فى الوقت الذى كانت فيه الشريعة الإسلامية تشكل أساس رؤية و أهداف المؤتمر الوطني، و التى تمثلت فى قيام دولة دينية تهيمن هيمنة كاملة على شمال السودان، مع السعي الحثيث لفصل جنوب البلاد عن شماله، على أن تسعى الى تحقيق هذا الهدف دون تحمل تبعاته الأخلاقية، و السياسية، و الوطنية، وحدها دون بقية القوى السياسية الأخرى.

لذلك فقد شكلت تلك الأطر أساس التحالفات الإقليمية و العالمية لكل منهما. فقد تحالفت الحركة مع نظام مانقستو هايلي ماريام، و زيمبابوى و دول "المنظومة الإشتراكية"، فى الوقت الذى تحالف فيه المؤتمر الوطني مع ايران و دول "الضد"، التى أيدت غزو العراق للكويت، و التى أدخلت البلاد فى مآزق سياسية لم تستطع الخروج منها حتى و قتنا الراهن.هل يمكن لحزبين بهذه الخلفيات المتاقضة أن يجمعهما تحالف واحد لتحقيق أهداف مشتركة؟! لقد أثبتت التجربة بأن الهدف الوحيد المشترك بين شريكي الحكم الذى تبقى، بعد الموت الفاجع لجون قرنق، هو فصل الجنوب عن الشمال وقيام دولة الجنوب المستقلة.

شكل هذا الهدف المسار الإستراتيجى لكلا الحزبين. و قد ظلت الحركة الشعبية تبني علاقاتها مع القوى السياسية فى الشمال بناءا عل هذا التوجه. كما ظلت علاقتها بشريكها فى الحكم تصعد و تهبط وفقا لمسار هدفها الإسترتيجي، كما حدث فى موضوع حدود منطقة أبيي، التى أوصلت علاقتهما الى محكمة العدل الدولية فى لاهاى. إن وصول قضية أبيي الى لاهاى يشكل فى حد ذاته دليلا دامغا على مدى جدية الحركة فى فصل الجنوب لأن محكمة لاهاي ستحدد حدود  دولتها المستقلة فى تلك المنطقة الغنية بالنفط، فى الوقت الذى ألهت فيه القوى السياسية فى الشمال، و أضاعت و قتها فى العزف على أسطوانتها المشروخة، و التى أسمتها بالوحدة الجاذبة !! الغريب فى الأمر أنه لا يزال هنالك من يردد هذا اللحن الحزين من بين أحزاب قوى الإجماع الوطني.... فتأمل !!

دعت الحركة الشعبية، أثناء أحد قمم صراعها و توتر علاقتها بالمؤتمر الوطني، دعت الأحزاب الشمالية الى إجتماع حاشد فى جوبا ظاهره إتخاذ موقف موحد تجاه المعركة الإنتخابية، و لكنه فى حقيقة الأمر، كما إتضح لاحقا، لإتخاذه مطية للضغط على المؤتمر الوطني لتحقيق ما تصبو اليه من وراء تلك الإنتخابات و الخروج بأكبر قدر من المكتسبات السياسية و المالية وغيرها. فلو كانت الحركة الشعبية تعنى حقا ما تقول، فلماذا لم تدعو تلك الأحزاب للتنسيق معها حول إنتخابات تحددت مواعيدها قبل قرابة الخمس سنوات من دعوتها تلك؟ أم أنه الإستهبال السياسي و إستغفال تلك الأحزاب التى علقت آمالها و طموحاتها السياسية بالحركة، فأصبح حالها كتعلق الغريق بالقشة الطافحة على سطح نهر طامح!!

 أطلقت تلك الأحزاب على نفسها، و منذ ذلك الحين، تجمع أحزاب جوبا، ثم عدلته الى قوى الإجماع الوطني. هذا التبديل فى الأسماء و المسميات هو المجال الوحيد الذى تبدع فيه أحزابنا الوطنية، و تبدي فيه قياداتها قدرات خلاقة منقطعة النظير، و يحصل حوله إجماع و طني حقيقي لا يتطرق اليه الشك على الإطلاق! لكن يبقى السؤال: الإجماع حول ماذا؟ و أي وطن نتحدث عنه؟!

الإجابة على تلك الأسئلة سوف توضح لنا حالة" الهرج و المرج" التى تعيشها جميع أحزابنا الوطنية. فلننظر الى موقفها من موضوع تقرير المصير و السودان الموحد، سنرى العجب العجاب فى موقفها حيال هذا الموضوع الذى سيتقرر بموجبه مستقبل السودان بأجمعه، و ليس جنوبه فقط. إذا ما أخذنا موقف الحزب الإتحادي فإنه يرفض بصورة قاطعة إنفصال الجنوب، و مهما كانت وجاهة الأسباب و المبررات التى تبرر دعاوى الإنفصال. أما بالنسبة لحزبى الأمة و الشيوعي، فإنهما يدعوان الى إحترام حق تقرير المصير، و ما ينتج عنه، مع العمل لجعل الوحدة جاذبة بالنسبة للإخوة فى الجنوب. أما كيف يكون ذلك العمل، و كيف سيكون خيار الوحدة جاذب، فهذا متروك للقدر و للمستقبل وحده ليجيب عليه!! هذان الحزبان يدركان تماما أن مجرد مافقتهما على حق تقرير المصير يعتبر مخالفا لمبادئ القانون الدولى، كما هو معمول به الآن، و الذى يعطى حق تقرير المصير للشعوب المحتلة أراضيها من قبل قوى أجنبية، فهل يا ترى ينطبق هذا الحال على جنوب السودان وفقا للقانون الدولى؟! أما بالنسبة للمؤتمر الشعبي  فسيكون من عدم الإنصاف اذا لم نرجع اليه "فضل" إقرار مبدأ تقرير المصير، وسعيه الحثيث الى فصل الجنوب منذ أن كان نائب أمينه العام يتجول بحقيبته "السامسونايت"، بكل ما تحتويه مما لذ وطاب لإغراء القيادات الجنوبية، وجعل الإنفصال جاذبا لهم، حتى إستقر به الحال لاجئا سياسيا بألمانيا، بعد نجاحه الباهر فى تحقيق ذلك الهدف الإستراتيجي بالنسبة للمؤتر الشعبي/الجبهة الإسلامية.

رأينا تناقض مواقف قوى "الإجماع" حول أخطر المواقف التى تحدد مصير البلاد، و تعارضها مع بعضها البعض. فإذا لم يتسنى لتلك القوى الإتفاق و إتخاذ موقف موحد حول أمهات القضايا التى تواجه الشعب و الوطن، فكيف سيتسنى لها الإجماع حول القضايا الأخرى التى لا تقل أهمية عن وحدة البلاد، لكن الإجماع حولها يتطلب الكثير من الصبر، و بذل الجهود، و توفير العديد من العناصر و الموارد التى لا قبل لقيادات تلك الأحزاب بها ؟! هذا ما كان من أمر الإجماع، فما هو الموقف إذن من موضوع الوطن؟

رأينا إثنان من أكبر قوى الإجماع، وهما الحركة الشعبية و المؤتمر الشعبي، يهدفان الى فصل جنوب السودان، و قيام دولة مستقلة فى جنوبه، و إن كان ذلك يتم على إستحياء من قبل المؤتمر الشعبى، و تحت أكذوبة الوحدة الجاذبة من قبل الحركة الشعبية. أما بقية قوى الإجماع فإن موقفها متذبذب بين الوطن الواحد و الإنفصال. كما إتصف موقف الحزب الإتحادي بالصرامة فيما يخص وحدة التراب الوطني. إذن عن أي وطن تتحدث قوى "الإجماع"؟ هل عن الوطن السودان بحدوده السياسية المعروفة الآن، أم السودان المقسم الى دولتين، أم السودان المقسم الى أكثر من دولتين، بما فى ذلك دولة "مثلث حمدي" ؟!

إذا ما تأملنا مواقف الأحزاب المكونة لقوى الإجماع الوطني  من جميع القضايا الأخرى قياسا الى مواقفها من قضية الوحدة و الإنفصال فسنرى مدى الإتساق فى التعارض و التاقض الذى تتصف به تلك المواقف. و ليس أدل على ذلك من موقفها من الإنتخابات الأخيرة، حيث قاطع بعضها ، و شارك الآخر،و تذبذب ثالث حتى الساعة الخامسة و العشرين. فإذا لم تتفق مواقف أحزابنا الوطنية حول قضية محورية كالإنتخابات، إما مقاطعة شاملة أو مشاركة كاملة، فحول أي القضايا يمكن أن تجمع و تتفق يا ترى؟!

لكن المحزن حقا هو عدم مشاورة الحركة الشعبية لحلفائها الإستراتجيين داخل "قوى الإجماع الوطنى"، حينما قررت، و بصورة منفردة، مقاطعة الإنتخابات الرئاسية فى الشمال، أو حتى مجرد إخطار حلفائها بالقرار قبل إعلانه، حتى ولو من باب الإحترام الشخصى لقيادات تلك الأحزاب. بل إنها قد أعلنت موقفها ذلك بصورة أقل ما يمكن أن توصف به هو الإستهانة و الإستخفاف بتلك القوى جميعها. كما آمل أن تكون تلك القيادات قد إستوعبت، و تفهمت حقيقة "المخدر" الذى أسقته لهم الحركة الشعبية طيلة السنوات الخمس الماضية و أسمته "الوحدة الجاذبة"، فى الوقت الذى لم تبذل فيه هى نفسها ما يمكن الإعتداد به لجعل الوحدة جاذبة و ممكنة، سوى تلك الشعارات الفارغة، التى لا تسمن و لا تغنى من جوع.

لقد أثبتت تجربة ما بعد نيفاشا، و حتى وقتنا الراهن، العشوائية التى ميزت أسلوب عمل أحزاب قوى الإجماع الوطني، و ركونها الى الكسل الذهني الذى حنط أفكارها و جعلها رهينة مرحلة ما قبل الإتفاقية. لذلك فقد عجزت عن إدراك أبعاد تلك الإتفاقية، و الواقع الجديد الذى أحدثته على الخريطة السياسية بالبلاد، و بالتالي عجزت تلك الأحزاب عن إستنباط برامج و سياسات جديدة لتناسب المرحلة الحرجة التى تمر بها البلاد، و لتتمكن من خلالها من إستنهاض عضويتها من الكوادر الشابة ، و تفجير طاقاتها لمواجهة التحديات التى فرضها عليها حزب المؤتمر الوطني، الذى يتوجب إحترام قدراته التنظيمية الممتازة، و قدراته المالية الهائلة، بالإضافة الى مقدراته البارعة فى التزوير!!

وبعد كل هذا القصور الذى صاحب أداء قوى الإجماع الوطني، فإن ثالثة الأثافى ستتمثل حقا فى تكرار هذه الأسطوانة المشروخة، و المسماة ب "الوحدة الجاذبة" لفترة الأشهر الثمانية القادمة،من قبل قيادات أحزابنا الوطنية،الى أن  يستفيقوا من بياتهم الشتوي هذا،  ليروا بأم أعينهم قيام دولة جديدة مجاورة لهم كأمر واقع. نأمل عندها أن يتم الإلتزام بمبدأ حسن الجوار من قبل قيادات الحركة الشعبية،، ولو من باب الكفارة عن الخديعة الكبرى التى خدرت بها قيادات الأحزاب فى الشمال طيلة مرحلة ما بعد نيفاشا، و أسمتها ب "الوحدة الجاذبة"!!

 

2/5/2010

 

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]